كلمة المحامي جورج بارود

في إدارته حوارًا مع الدكتورة جنان الخوري

حول: "الفساد في لبنان"

الثلاثاء 2017/12/12

الحركة الثقافية – أنطلياس

          يحدد الفساد قانونًا بصورة شمولية، ويحصل في كل مرة يتم "إرهاق أي معاملة لدى الادارة بغايات شخصية معينة".

ويُشكل الفساد شذوذًا عن القاعدة، لانه يُفترض بكل من يؤدي خدمة عامة أن يترفع عن مصلحته الشخصية وتحقيق المنفعة الخاصة به، ليجعل من الوظيفة سبيلاً لتحقيق المصلحة العامة وتأمين العدالة الاجتماعية.

شاعت في السنوات الاخيرة ظاهرة مكافحة الفساد مع بروز ظاهرة التضخم النقدي من جهة والعجز في موازنات بعض الدول. فانبرى كثيرون ممن يهتمون بالشأن العام أو يدّعون الاهتمام به إلى تكوين جماعات وتأسيس جمعيات لهذه الغاية؛ منها ما يندرج ضمن إطار المؤسسات العامة ومنها ما يقوم على المبادرات الفردية. وتتعدى هذه الظاهرة الاطار المحلي لتنتشر على نطاق دُولي، في ظل الظروف الاقتصادية المعاصرة وانتشار ظاهرة التواصل الاجتماعي وسبل الاتصال الحديثة التي تفضح سبل العجز، وطريقة حياة الحكام والسياسيين والموظفين المسؤولين عن تسيير المرافق العامة، والسلطات الاستنسابية الواسعة المعطاة لهم.

ويتخطى الفساد دول العالم الثالث حيث ينتشر بكثرة ويؤدي إلى بطء النمو الاقتصادي، والتضخم في الانفاق العام، واتساع ثروات الحكام،  وما يقابله من عجز لدى الطبقات الفقيرة في التملك والحصول على قروض وتسهيلات لتأمين مستلزمات الحياة، وإرهاق المواطن والمستثمر بالضرائب الباهظة، ليغزو الدول الصناعية حيث تتكدس الثروات وتُعقد الصفقات الضخمة، فينعكس ولو بشكل أقل على المواطنين والمقيمين فيها، فتتقلص لديهم فرض الاستثمار، ويتحكم أصحاب الثروات بالاسواق الصناعية ومفاصل الادارة العامة.

فالفساد بوجه عام يحد من الديمقراطية، ونشوء دولة القانون، ويساهم في مخالفة الانظمة، ويعطل استقرار الاسواق، ويشجع على ارتكاب الجريمة ويؤمن بؤرة للارهاب؛ كل ذلك لقاء منافع شخصية، خاصة بمن يتولون الشأن العام.

ولا يستثنى من الفساد النافذون المنتمون إلى الاحزاب والتيارات السياسية التي تسخَّر الادارة العامة لتأمين المصالح الشخصية لغايات شعبية وانتخابية.

وفي لبنان، تنتشر ظاهرة الفساد بشكل واسع، وقد صنف في الدرجة ماية وستة وثلاثين بين ماية وثماني وستين دولة وفقًا لاحصائيات العام 2016.

وهذه الظاهرة ناتجة عن:

1-   بنية الدولة بعد الحرب الاهلية التي أدت إلى تقاسم السلطة بين المليشيات والاحزاب السياسية.

وتجدر الملاحظة بأن هذه الظاهرة لم تكن غائبة كليًا عن لبنان قبل الحرب الاهلية، وإنما كانت بحجم أقل ونتائج مقبولة نسبيًا.

2- غياب الرقابة المسبقة والمؤخرة المفروضة قانونًا عن المؤسسات العامة لاسيّما المالية منها. وشلل المؤسسات الرقابية كالتفتيش المركزي وديوان المحاسبة والتفتيش القضائي.

3- مخالفة القواعد المعتمدة في القطاع العام، والاكثار من التعيين عن طريق التعاقد وما يُسمى "بالفاتورة" دون الخضوع إلى المعايير المنصوص عنها في قانون الموظفين المرسوم الاشتراعي 112/59 وسائر قوانين الموظفين في المؤسسات العامة.

4- إرهاق الادارة بالرواتب بسبب العدد الكبيرمن الاجراء المعينين إرضاء للنافذين والقيمين على مفاصل الدولة، ما يؤدي إلى اعتصامات وإضرابات للمطالبة بالتثبيت ورفع الاجور والتعويضات مع أن القانون يمنع على الموظفين والاجراء الاضراب والاعتصام.

5- تغييب دور إدارة المناقصات عن تلك التي تجريها الادارة والمؤسسات العامة، ونشوء المجالس المستثناة من الرقابة بعد الطائف بحجة تسهيل المعاملات والخروج عن الروتين الاداري. وهذه المجالس تقبض على جميع مشاريع الدولة الكبيرة والصخمة وتشكل صلاحياتها الواسعة ازدواجية مع صلاحيات الوزارات الشرعية، دون حد معين في الانفاق، كمجلس الانماء والاعمار ومجلس الجنوب وإدارة المهجرين، ما يتسبب بعدم احترام أصول المحاسبة العامة وعقود النفقة وتصفيتها وصرفها ودفعها واحترام المبادئ المنصوص عنها والعتمدة في الموازنات العامة.

6- الاعتماد في الانفاق على سلفات الخزينة في ظل غياب الموازنات العامة وقطع الحساب واستبدال إجازة الجباية والانفاق بالقاعدة الاثني عشرية خلافًا للقواعد القانونية باعتبارها تجوز لشهر واحد من السنة التالية لسنة إقرار الموازنة العامة.

.....

          لن نستفيض أكثر في الاسهاب عن الفساد بوجه عام وما ينال لبنان منه تاركين لضيفتنا الليلة الدكتورة جنان الخوري مقاربة هذا الموضوع بشكل واسع، وهي اختصاصية وأستاذة جامعية، اختارت الفساد موضوعًا لاطروحتها القيمة، تناولته وناقشته بالتفصيل.    

 

________________________________________________________

 

الفساد دودة تنخر الجذع والثمرة

بقلم الدكتورة جنان الخوري[1]

 

قد يُخالف هذا العنوان مقولة البرفسور VALARCHEJean-Marie الذي يُشبّه  الفساد في الأنظمة القانونية بـ"الدودة" التي تنخُر الثمرةَ وليس الجذع أو الجذور في مقاله La corruption face aux systèmes économiques du Nordet du Sud

ويكفي الإضطلاع على أهم المفاصل التي يضربُهاالفساد لا سيما تهديده للنظام العام المحلي والدولي وإستقرار المؤسساتِ والهياكل الإقتصادية الوطنية والعالمية، وتِبيان أبرز صُوَره وأشكالِه والآثار الإقتصاديةِ والإجتماعيةِ والسياسية لتبرير العنوان المُعْتمد.

 

قبل الولوج، لا بدّ من الاشارة إلى أنّ الفساد ظاهرة قديمة،وُجِدت بوجود المجتمعات والأنظمة السياسيةِ وشملَ كلالقِطاعات وطبقات المجتمع برُمّته، قبل أنْ تغدو اليومظاهرةً عالميةً، تهديداً خطراً ووباءً ومرضاً سرطانياً (لا شفاء منه).

فمنذ القدم، إعتبر أفلاطون أنّ فلسفتَه وليدةُ تأمّل عميقٍ في أسباب فساد السياسة والأخلاق والعقل والإجتماعِ والفِكر... وأنّ التطوّر الإقتصادي ساهمَ في هذا الفساد مُساهمة فاعِلة قوية، إذ جعلَ الحُكّام والشعب يتصوّرون أنّ التقُّدَم الإقتصادي وحده يكفي لِبناء مجتمعٍ إنساني حقيقي؛

 

يخرقُ الفسادُ النظامَ العام المحلي والدوليِ، يضرِبُ المُرتكزات الأساسية التي يقوم عليها ذلك النظام، يمُدّ أذرعه إلى كل مفاصلَ المجتمع والدولة ويُؤثّر سلباً على أنظمتِها وتشريعاتِها. فتُكمن أكبر مخاطره في تقويضِ النظام السياسي، بحيث ينتجُ الفسادُ السياسي كل أنواع الفساد الأخرى، فهو خطرٌ جسيمٌ يُهدّد الديموقراطية، الشفافية، الحُكْم الرشيد، سيادة القانون عبر  تغطيتِه مجموعة واسعة من المُمارساتِ الفاسِدةِ، يُقوّض قاعدةَ المساواة بين المواطنين حيث تغدو شرعية السلطة مشروطة بكميّة الثروة.

 

لقد طرحَ المُفكّر الإيطاليلويجي فيراجوليLuigi FRAGOULI مصطلح "إجرام السلطات العمومية"، الذي يُعتبر أكثر هذه الفئات تعقيداً وتنوّعاً، فهُناك الإرتباطُ الوثيقُ بين هذه السلطات وقوى الجريمة الإقتصادية والمُنظّمة، وللجماعاتِ الإجرامية دائماً تَحالفاتها المعروفة أو الخَفِيَةِ مع الأنظِمَةِ السياسيةِ وأجهزةِ الإستخباراتِ.

وأنّ مايدعو إلى مزيد من القلقِ، أنّ هذه الأشكالَ الجديدةَ من الجريمةِ تَلْقى الدعمَ والحمايةَ- من طرَفِ سُلطاتٍ قويةٍ وخَفِيةٍ تحتلُّ مواقعَ النفوذِ والتَحكُّمِ، وذلك يعني حصول تحوّل في الخلفيةِ الإجتماعيةِ للظاهرةِ الإجراميةِ، على الأقل في مستوياتها "العليا"، حيث لم تعد "الطبقاتُ الخطيرة" هي تلك الأكثر فقرًا وهامشيةً، وإنما "النُخَب" المُتحكّمة سياسياً واقتصادياً، فغدَتْ الأولى خاضِعةً للثانية التي تَرعى كل نزوع إجرامي وتستغلّه لحسابِها.

هكذا تمارسُ الأوليغاركيّة (أي القِلّة الإقتصادية والسياسية) الفساد الإداري والمالي كعلاقةٍ تبادليةٍ ( في المنافعِ والمزايا والموارد) ضمن ترتيباتِ الحُكم (كنوعٍ من الرشوة أو الإسترضاءِ) أو في مواجهة الدول كهَدْرٍ للموارد.

 

أما المسألة الأخطر على صعيد الحقوق والحريات العامة، فهي إفساد النظام القضائيالذي لم يُعترف بتأثيره على سيادة القانون، إلّا منذ فترةٍ وجيزةٍ بعدما غدت مسألة مثيرةً للقلقِ على الصعيد العالمي ككل (مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة: تقييم سلامة النظام القضائي وقدارته 2004 ). بما أنّ التقيّد بالقوانين وإلتزام تنفيذها يتوقّف على إقامة العدل على الوجه الصحيح، فإن وجودَ الفساد القضائي يُشكّل مصدراً لمخاطرَ تُهدّد إستقلاليتَه وحياده وإنصافه ويقوّض سيادة القانون التي تُعتبر شرطاً أساسياً للنمو الاقتصادي وللقضاء على الفقر بحيث يبدو أثر الفساد أسوأ في البلدان النامية والبلدان التي تمرّ إقتصادياتها بمرحلَةٍ إنتقاليةٍ.

 

في الواقع، يُمثّلُ القُضاة المُستضعفون من الجانبَين الإقتصاديّ والتعليميّ على السواءِ، بِصفةٍ خاصة الفئات التي تشهد أسوأ التجارب في النظام القضائي والتي تحمِل أيضاً أسوأفكرةً عنه. يقولُ أحد الفقهاء إنّ المؤسسات الديموقراطية تُشكّل أحياناً ملجأً للعدالة الجزائية لِتخفي خلفها عدم مقدرتِها على وضع سياسة ملائمة لحلّ العديد من  المشاكلِ الإجتماعيةِ والإقتصاديةِ. كما يقفُ الفساد عائقاً أمام حماية حقوق الإنسان، الأمن البشري وإجراءات المُحاكمات المُنصفة.

عملياً، يعني فساد القضاء أنّ الآلياتَ القانونية والمؤسسية المُصمّمة لِكبح الفساد ستبقى عاجزةً، حتى وإنْ اتسمَت الآلياتُ بجودَةِ التوجيهِ والكفاءةِ والأمانةِ.

 

كما يشوّهُ الفسادُ مهنةَ المحاماة، فينشأُ إلى جانب المحامي صاحب الرسالة السامية محامٍ آخر مهمّته الإنخراط في عالم الأعمالِ الإقتصادية والمالية مع ما يجرّ ذلك من تحويلٍ لمهنة المحاماة من الرسالةِ إلى المُتاجرة بِسرِّها وسُموِّها.

 

أضف يُعزّزالفسادُ النزاعاتِ ويُؤدّي إلى أزمات في شرعيةِ الدولة والفشلِ في تسييرِ شؤونِها واضطرابها الإقتصادي، كما يرعى اللامساواة الإجتماعية، السياسيّة والإقتصادية وما ينجم عنها من ظُلمٍ في أوساطَ المُهمّشين سياسياً واقتصادياً والأقليات العرقية.

 

           على صعيد القطاع الإقتصادي الخاص، يتجلّى نمط الفساد الإقتصادي بإستخدام آلية العمولة commission   نمو التجارة الدولية والأعمال التي تُشكّل أسلوب الفساد الإقتصادي وخير من يأتي بنفعٍ كبيرٍ إلى العديدِ من الشركات (لا سيما المُتعدّدة الجنسية) للفوزِ بالعقودِ على حساب منافسيها وتجعَلُ دول الجنوب الأكثرَ إصابة بمرضِ الفساد الإقتصادي نتيجة لسياسات شركات الدول الكبرى والتي تعمل على إخفاء الطبيعة الجرمية للعمولات عبر جدولتها ضمن رسوم وضرائب تلك الشركات. 

 

كما تتجلّى صورتُه عبر الترابط مع الإجرام المُنظّم، الإجرام الإقتصادي، إجرام اصحاب الياقات البيضاء، الإتجار غير المشروع وعبر العديِد من نشاطاتَ وإنتشار شبكات المافيات والجماعات الإجرامية التي يستخدمُ أطرافها ترغيباً: العمولة والرشوة والإفساد كوسائل لتمرير أعمالهم غير الشرعية ولاخفائها، أو ترهيباً: التهديد المادي والمعنوي والقتل العمدي حيث لا يَجْرؤ حتى رجال الشرطة أنفسهم على ولوج هذه الأمكنة.

 

يقفُ الفساد عائقا أمام الإستثمار الأجنبي المُباشروعدم كفاءة الإستثمار المحلي، ومن أولويات أرباب الفساد الإقتصادي، التخطيط والإعداد لنصب عمليات ومشروعات إجراميةٍ لإفساد المؤسسات المالية والهيئات الإقتصادية؛ والإرتباط واضح إذ أنَّ الذين يقدمون الرشاوى أو يتلقَوْنَها لا بدّ لهم من أن يجدوا قنواتٍ ماليةً دوليةً آمنة تُمكّنهم من أن يودعوا في المصارف مكاسبَهم غير الشرعية، حيث باتت بعض المنظمات المالية تعتمدُ على ذلك المال القذر لتمويل صناديقها ولكي تستطيع خلايا الإجرام أنْ تمارس أعمالاً لها تأثير هام علىقطاعات الإقتصاد الرئيسية، وحيث توثّق أواصر التعاون بين المصارف والشركات الدولية مما يُشكّل حِصناً منيعاً لمنع دخول التحقيق ومقاضاة الأموال ونقل الملكيات إلى دول ذات سرية مصرفية تخفي أعمال أولئك المجرمين.

 

أما على الصعيد الإجتماعي، فيُساهم الفساد فيتشقّق البنية الإجتماعية عبرزيادةِ تفاوت الدخول وفجوة الغنى الفاحِش والفقر المُدْقع، ضُعف شرعية مؤسسات الدولة ونزاهتها، ضعف مُستوى البُنية التحتية العامة، تدنيّ إنتاجية الضرائب، عرقلة التنمية الإقتصادية والإجتماعية La corruption obstacle majeur au développement économique et social، هدم عوامل الكفاءة ومناقبية الأعمال، تدنّي التعليم والثقافة عبر تخفيضِ الإنفاق على التعليم، تراجُع مؤشّرات التنمية البشرية، هُجْرة اليد العاملة، البطالة، إستهلاك حق الإنسان في العيش بكرامةٍ،والتأثّر على عنصر الأمن العام الذي يُعدّ إحدى مدلولات النظام العام...

 

علاوة على ما تقدّم، يشوّه الفساد الثقافة ورسالة الإعلام  عبر تحوّل الفساد إلى عمل منظّم ومموّل ومبرمج، يسببهذا التمويل فيإفساد ثقافة الإعلانLa culture de la publicité. إنَّ خطورةَ الفساد في هذا المجال هي في تأثيرِهعلى منظومَةِ القِيَمِ وإعادة تشكيلها، وإخضاع الإعلامِ لسُلطةِ الإعلانِ والمُموّلين وإنغماسِه في صناعة التَضْليلِ وتَشْويه دوره التربوي.

 

 

أما عنأهم أسباب إنتشار الفساد فعديدة، أهمها: ضُعفُ أجهزة الرقابةِ في الدولِ وعدم إستقلالها، ضُعْف وإنحسار المرافقِ والمؤسساتِ العامة والخاصة لمُحاربة الفسادِ، عدم وجود تشريعاتٍ وأنظمةٍ وقوانين وتعليمات لمكافحة الفساد وعقوبات رادعةٍ لممارسيه، غياب النزاهة والشفافية والعدالة والمساواة.

 

على الصعيد الدولي، أُحرِز تقدُّم في حقل البرامج العالمية لمكافحة الفساد وتنفيذها والتوعية بها، تُرجِمَ من خلال "اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد" لعام 2003 (اتفاقية ميريدا Merida) كصكٍّ دولي جديدٍ ذي أحكام تجريمية وعقابية، وقائية وإدارية ومُشاركة القطاع الخاص في بناء استراتيجية فاعلة لمكافحة الفساد. أيضاً عبر مجموعةِ مُتكاملة من أنشطة التعاونِ التقنيّ والتقييمِ والمُساهماتِ اللازمة لصوغِ الإستراتيجياتِ والصكوك الدولية، الإقليمية والوطنية اللازمة لمكافحة الفساد.

 

أما على الصعيد الأوروبي، فإنّ كلّ من إتفاقية القانون الجنائي لمكافحة الفساد (2004)، إتفاقية القانون المدني (2002)، إتفاقية حماية المصالح المالية الأوروبية (1995)، البروتوكولات الثلاثة المضافة واتفاقيةOCDE لمكافحة رشوة الموظفين العموميين الأجانب (1997) ... تُعبّر عن الإهتمام الأوروبي وعزمِه على تجريمٍ منسّق وفاعل وتوفير حد قانونيّ ومعايير إجرائية لعدد كبير من الممارسات الفاسدة.

أما على الصعيد العربي، فقد اعتمدَتْ جامعة الدول العربية "إتفاقية عربية لمكافحة الفساد"،  كما تُعْقد العديد من المؤتمراتِ وورش العمل للتدوال بهذه الظاهرة.

على الصعيد المحلي، تقتصِرُ الإستراتيجية على توقيع لبنان على "اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد"، وتصديقها عام 2006، إعتماد "البرنامج الشامل لمكافحة الفساد"، إعداد "مشروع قانون لمكافحة الفساد للقطاعين العام والخاص"، إذكاء المجتمع المدني الوعي لدى الرأي العام اللبناني على خطورة الفساد والدعوة إلى إصلاح القوانين.

 

قبل الختام، نستنتج أن الفساد يُشكّل مؤشراً واضحاً لخرق الأسُس التي يرتكز عليها النظام الإقتصادي، الإجتماعي، السياسي والحضاري على الصعيدالمحلي والعالمي وأنجع عامل للإختلال به.

يمكن القول، إذا كان هناك من تحسنٍ، إلّا أنّ ذلك ليس بكافٍ للوصول إلى المستوى المطلوب من الأخلاق، القيم، النزاهة وإلغاء المحسوبيات والأخذ بالكفاءات من دون أي تمييز أو تفريقٍ. لذلك، إنَّ أي جهد لمُكافحة الفساد في غِياب التَشريعِ المُوصى به غير مُجدٍ أو غير صادق أو تنطبق عليه الصفتان معاً. في ما يختصّ بالقضاء، هناك اعتقادٌ راسخٌ يُلامس الإيمان بعدم إنتظار إصلاح السياسة لإصلاح القضاء بعد ذلك، بل على العكس يُنتظر من القضاء متسلحاً بالقانون أنْ يُصلح الفسادَ السياسي، الإداري، الإقتصادي والإجتماعي...  فتكمُن سُبل مواجهة الفساد وإصلاحه ضمن استراتيجية شاملة ومستمرة أهمها:

-    سنّ قواعد موضوعية ذو أحكامٍ عقابية وإجرائية فاعلة للملاحقة، التحقيق والمحاكمة؛ إتباع وسائل قانونية وعملية محلية ودولية عبر الشفافية، النزاهة، المساءلة، المحاسبة، توضيح المصادر الحقيقية للأموال.

-    تحصين الرقابة القضائية ببعض الصفات كالنزاهة، الإستقلالية، السلطة والصلاحية اللازمتين والحياد الموضوعي، مراقبة سوء استخدام السلطة وانتهاك القانون وإستغلال النفوذ والتهرّب من الضرائب.

-         توعية الرأي العام، فسح المجال أمام المبلّغين عن حالات الفساد بإيصال شكواهم إلى المراقبة الدائمة والمستمرة.

-    فرض قوانين وقواعد إدارية، الإرتكاز على صلاحيةٍ قانونية لتقييد أصحاب الشأن بالكامل بمبدأ الشفافية ولفرض عُقوباتٍ زجريةٍ تطالُ كل عمليات الفساد والإثراء غير المشروع.

-         القيام بإحصاءاتٍ دقيقة حيث يُمثّل القياس الدقيق للفساد تحدّياً خاصاً وحاجةً مُلحّةً،

-         وأخيراً ضرورة سنّ نِظام مناقبيّ تلتزمه الشركات والمؤسسات المحلية أو العالمية.

ختاماً، ليس الفساد مشكلة سياسية وإقتصادية فحسب، بل هو في الصميم مُشكلة إخلاقية.

*****************



  رئيسة القسم الحقوقي في مركز المعلوماتية القانونية في الجامعة اللبنانية - أستاذة محاضرة في الجامعة اللبنانية.