ندوة حول كتاب الأستاذ سهيل مطر: " مطارح ".
مشاركة   : معالي النقيب رشيد درباس- د. دياب يونس

إدارة      : أ. فرنسوا قزي.

كلمة معالي النقيب رشيد درباس في ندوة سهيل مطر

كيف طاوعني الحبر، للكلام عن رجل اعترف بأنه باع الحقوق بتسعين من الليرات، أنا الذي اشتريت ما أتيح لي منها، بسهر الليالي، وشحن الذاكرة، والهلع الهائل ترقباً لبرقية تنقل لي النتيجة على غرار ما كان يصيب مؤلف المطارح عند انتظاره رنين الهاتف في دكان المعلم طنوس؟

ربما يعود ذلك إلى أنني، وقد ذرَّفْتُ على الستين عاماً من الممارسة، توصلت إلى أن سهيل مطر أبرم  صفقة ناجحة،  في البيع والشراء معاً،  فما باعه في العام 1964، أضعته أنا في غرائب القرن الواحد والعشرين، وما اشتراه هو في المقابل من أدبٍ راسخ أحاول أنا التمسح به، مداراةً لخيبتي في صفقتي، وذلك بإنعاش ما حفظته من الشعر الذي غالبًا ما كان يُفْرَضُ عليَّ من باب القصاص المدرسي، كما في قصيدةِ قلعة الحدث التي غيبَّها صاحب "المطارح" في ليلة واحدة بأمر من الأديب الأستاذ أديب صعيبي، ليلقيها على زملائه الطلاب في اليوم الثاني، والغريب أنني أغريت حفيدي حين كان في الثالثةَ عشرةَ من عمره بحفظها أيضًا، لا على سبيل القصاص بل المكافأة، خمسين ألفَ ليرةً نقداً وعدًّا لكل بيت، لكنه في النهاية قال لي بابتسامة ذات معنى: جدي لقد مَلِلْتُ من المال، فكان بذلك يصرفني عنه بطريقته اللطيفة.

صديقي الدكتور سهيل:

لقد بعتَ الانتساب إلى كلية الحقوق، لقاء منحة كلية الآداب، وقد كنت محقاً في اختيارك، فالحقوق لا تضيع طالما تمسكنا بالأدب، بمعانيه كلها، وفي أولها الأدب الوطني الذي يتصدى للسماسرة والعشارين، والذي  يجمعنا في إلفة هذا المطرحِ ومهابته، حول "مطارحك" ذات الملكية الثابتة الأصالة، والصخور التي ترتدي قفازات من نبات، لتظل دائمًا ناعمة الملمس، صلبة المكسر، في حقبة ربما هي الأخطر، لنؤكد أن ممارسة وضع اليد الطويلة، والتعود على الفراغات المتتالية، ليس تقادمًا مكسبًا لأي طرف، فدولة لبنان ليست عَقارًا غير ممسوح، مسموحًا تملُّكُه بالحيازة، لأن الحيازة المكسبة تشترط الهدوء والعلنية والاستمرار، وهي أصلًا لا تسري على الأملاك الممسوحة، فيما لبنان عقار محدد منذ أكثر من قرن، ومحرر منذ أقل من ربع قرن، ومسجَّلٌ في أمانة السجل الوطنية، وهو من مؤسسي جامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة، وعضو مرموق في محافل العالم، وهو مملوك على وجه التخصيص لمواطنيه بأسهم متساوية مدونة في الصكوك الخضراء التي تحاكي خضرته ونضارته، ورسوخه، من الجبال الرواسي إلى فقش الموج على أقدام الساحل، وعلى قدم المساواة أقول: إن الدم الفلسطيني جعل فلسطين عصية على التملك بالحيازة والاستباحة.

أيها الأصدقاء

قبل سيرته، قرأت سيرة ابراهيم نجار، فوجدتني متعاطفاً معهما في معاناتهما من ظلم البراءة في النظام الداخلي، ورغم الفارق بين عسر العيش في عائلة سهيل، ورغده في عائلة ابراهيم، فالطالبان جمعتهما مشاعر حزن وهلع وتوجس، انتابت طفولتَهما التي كانت تستحق السرور والعاطفة، لكنهما ربيا في زمان كان يقول الأهل فيه للمدرس أو شيخ الكتاب، (لك اللحم، ولنا العظم)، فكأنهم كانوا يزرعون في نفوس أبنائهم عداوة للعلم والمعلمين، والمعارف والعارفين. وأنا أصدقكم القول أن كل سطر كتباه عن مرحلة الداخلية، كان ينعر ذاكرتي وسريرتي، رغم أنني لم أدخل في تلك التجربة، لكنني ما كنت أكن محبة وأطمئن إلا للأستاذ البشوش، أما أساتذة الجهامة، فقد تركوا في زوايا نفسي رهبة وقتامة.

اللافت عند سهيل، أنه سيق كالحمل إلى (مار عبدا هرهريا)، مشروعَ كاهن، فتحمل الرسوب المتتالي ثلاث سنوات، (وهوالصبي الموهوب)، ليكتشف المسؤولون أخيرًا:" أنْ لا اللهُ دعاه للكهانه، ولا هو دعا نفسه". علمًا أن جد مارون عبود اكتشف الأمر باكرًا من زيغان عيني حفيده، فأمره بخلع الثوب، مختصرًا عليه الوقت. لكنَّ سهيلًا الذي أوقعه سوء الحظِّ في فخ البصيرة المتخلفة، عاد إلى "مدنيته" فأحرق المراحل وقفز برشاقة وجدارة فوق الصفوف العالية رغم أنه ليس من طوال القامة.

أنظر إلى بشاشة قسماته، وإلى علامات الهدوء والرضا فوق وجهه، فأغبطه على أنه الطفل الذي تمكن من أن يتخطى عذاباته ويصهر في ثقافته، وكياسته، وأدائه القَرَّ المزمن في جسده ونفسه، وشظف الحياة، وجزمة الكاوتشوك، وحمام بيته الواسع وسع البرية، المتسع لألف محتاج ومحتاج، ومياهَ العين الحمراء، وكنزةَ الصوف التي مثلت درع السلامة والصحة، وحزنه على الأرض التي باعها أبوه ليدفع أقساط مدرسته، والقراءاتِ الكثيرةَ في سنوات الرسوب التي استنفدها، ورحلةَ الساعات السبع سيرًا على الثلوج بين مدرسته وبيته، لأنه لم يدخر من خرجيته أجرة السيارة.

وغريب الأمر، أنه يتحدث عن القسوة التي نما في كنفها، بأسلوب مرح، وكأنه من وراء كتابه يدغدغ بالأسطر حسَّ الفكاهة في القارىء. أعترف بأنه نجح، ولكنها في حقيقتها فكاهة في غاية الخشونة.

هنا أستميحكم عذرًا، لأستطردَ قليلًا وأتوقف عند أمر حدث في الثالث عشر من نيسان من العام 2011، فقد اعتلى سهيل منبر جامعة اللويزة في برسا، متحدثًا عني دون سابق معرفة. كنت في أول كلامه مأخوذًا بأسلوبه الجذاب، فلما توغل، عراني استغراب من قلم كان يغمس ريشته في عمق نفسي ويستخرج الكلمات التي قال فيها (لو لم يكن رشيد محاميًا لكان جنائنيًّا في أحد بساتين طرابلس أو حقول قريته العكارية (عين يعقوب)، لكثرة ما أحصيت في أبياته من ألفاظ الفل والنرجس والورد والرند، فما أغنى قاموسَهُ حتى لكأنه العطار. لكن استغرابي زال لدى قراءتي، أنه كان مع أخيه مولجين بزراعة الجنينة الصغيرة لاستنبات الخضار اللازمة، من باب التوفير ومساعدة الوالد ذي الدخل المحدود جدًّا. وقد لكزني هذا الكلام، لأنه أعادني إلى السنة التي أهدرتها في كلية الزراعة حتى تبين لي،  رغم أصولي الفلاحية، أنني فلاح فاشل جدًّا. هذا لم يحل بيني وبين محبتي العميقة للحقل والشجرة، والمروج الخضراء وأغنية فيروز (سوقي القطيع إلى المراعي).

لنعد إلى سهيل الذي لا يزال يحن إلى مدرسته وحجارتها، ونوافذها الزرقاء، وملعبها المفتوح على الطرقات الموحلة، هنا سمحت لنفسي أن استنبط من داخله إضافة أضمرها، فأقول إن العبارة المقصودة، هي "إلى الطرق الموحلة والموصلة إلى مناخات المعرفة والثقافة". فأنا أيضًا أتذكر مدرستي "مار الياس" في ميناء طرابلس، جارة َ البحر التي تدق أجراس كنيستها التاريخية على إيقاع الأمواج، وتبارك المرتحلين في زوارقهم إلى الجهات، بعد أن تذخرهم بزوادة من حرية التفكير والتسامح والانفتاح.

هل يحق لي أن  أترك المنبر قبل الحديث عن ذلك الجاسوس الصغير الذي كان يرصد شجار أبيه وأمه في النهار، ثم ينتظر ليلهما الذي يمحو الغضب، بممحاةِ الهمسات والزفرات ، والقبل،  في ضوء فانوس ذابل، فكأنه كان يحاكي صقر لبنان الشدياق، صاحب "الجاسوس على القاموس"، مع تعديل طفيف قد يظهر لنا في كتاب جديد أقترح عليه أن يسميه (الجاسوس على الفانوس)، ذلك أن الطفل بعد أن كبِر، وتزوج زنبقة ربيعية، شامخة كما الكرملين في قلب موسكو، لم يقلع عن خَصلة التجسس التي يبدو أنها عادة في البدن، إذ ها هو يدس شعره في ليلة عرسه في غفلة عن عروسه، ليكشف المستور ويقول:

كما الطفل، في قربانته الأولى،

أستقبل شفتَيكِ،

أتلو فِعلَ ندامة،

كُلُّ شفةٍ، قبلك،

تجربة شفة،

كُلُّ شفةٍ، بعدَكِ،

خطيئة حُبْ،

في شفتيك، يا صغيرتي،

يسكرُ الزَّمان والمكان،

فلتتقدّسْ شفتاكِ....

أعود إلى المرحوم والده الذي أسماه سهيلا كي يتنصل من دوميط، وفسر ذلك أنه اسم يتمتع بالفرادة في تنورين كلها، أما في لسان العرب فالسهيل كوكب يرى في الحجاز وفي جميع أرض العرب... وفي  تنورين على وجه أخص.

العزيز سهيل، لقد سوغت لقلمك أن يستعمل كلمة (نكز) في غير معناها القاموسي، لتحافظ على عذرية الوصف، فقلت: "تنكزني الحجارة كأنها ظفر أو نهد، فنكزة الظفر أقرب إلى الأفهام، أما نكزة النهد فعالم من الإبهام، حيث تراءى لي أن طيف قيس الملوح يجول في مطارحك، فاستنسبتُ أن أختِم وقتي بما قاله أمير الشعراء على  لسانه:

 

 

ما لأحجارك صُمّا.. كلما

هاج بي شوق أبت أن تسمعا

كلما جئتك... راجعت الصِّبا

فأبتْ أيامه... أن ترجعا

قد يهون العمر إلا ساعة

 

وتهون الأرض إلا موضعا

_________________________________________

 

الحركة الثقافيّة – انطلياس/ المهرجان اللبناني للكتاب/ السنة الحادية والأربعون 2024

كلمة الأستاذ فرنسوا قزّي

خلال إدارته الندوة حول كتاب مطارح

للأستاذ سهيل مطر

شارك في الندوة كل من معالي النقيب رشيد درباس والدكتور دياب يونس

انطلياس في أول آذار/ مارس 2024

*

 

 

رحلةٌ في "مطارح" سهيل مطر

 

يستهويك زمن الطفولة والصبا، وتستوقفك بعض محطّاته، ومطارحه التي تعود بك إلى مسارح ومشاهد قديمة انْزَرعَت في مخيّلتك، فتحاول استحضارها من جديد، من خلال بعض الرسوم، والقصائد، والأقاصيص أو المطارح، فتقف حيالها متأملاً تختار منها بعض الهنيهات والسوانح الجميلة، وتسكبها شكلاً أدبياً وفنيّاً ترتاح إليه العيون، وتهفو إليه القلوب، لأنّك تجد فيه بعضاً من ذاتك ينبض بين طيّاته...

فالعلاقة بالزمان والمكان - أو إذا شئتم الزَمْكَنَة، هي علاقة نبْضٍ وعلاقة حنينٍ يسري في حنايا الذات، فتصدر عنه عمليّة بوحٍ شعريّ، وفيضٍ وجدانيّ، من خلال لوحاتٍ فنيّة، انصهرت فيها لواعجالذات وآهات النفس.

هذه هي المطارح، مسيرةُ حياة، وساحةُ عمل وجهاد، وتأملاتٌ وتصويرُ رغباتٍ، وسردٌ لهمومٍ وهواجسٍ انتصر فيها المؤلف على عوائقَ ماديّةٍ واجتماعيّةٍ، تطلّ تحت عناوينَ مخلتفة: من " أين ولدتُ" مروراً ببيت "عين الحمرا - الكوع"، و"مدرسة الراهبات" في تنورين... إلى "سنديانة حوب" و"المحورة" و"كنيسة مار شلّيطا" و"كرم الدنحة"... هي مقطوعاتٌ أدبيّةٌ صادقةٌ تتّسم بالعفويّة، وتحمل فيضاً من المشاعر التي تكشح غبار السواد عن عينيك، وتقحمك في مسارات الفيض الشعوري والدفق العاطفي، لتواكب صاحبها في مسيرته الحياتيّة، الإجتماعيّة والفكريّة؛ وتنتقل متجوّلاً معه بين المدارس والقرى والساحات والبيوت والمستشفيات... فتبدو الحياة غارقةً في عالم ترتسم فيه صورةُ الوجود متعدّدةُ الألوان، تنبجس من حناياها أضواء الأمل وقد شوّهتها بعضُ الصور الداكنة: "المستشفيات"، وهي كثيرةٌ، وقد تلوّنت بألوان الحزن والإكتئآب، من موت الوالدة في دير السيدة/ الكحالة، وموت الشقيقتين بحادث سير مفجع... إلى موت الوالد...!؟

إنها الحياة بناموسها... وما نلبث أن نعيش مع المؤلف لحظاتِ الحركة الوجوديّة، فتسقط الأحزان، والتساؤلات المقلقة، وترتسم أمام عينيك صورة النجاح والأمل المضيء...

لكل مطرحٍ من المطارح قصّة، وتحليل، واستنتاج، وغصّة، وبسمة، وعبرة... حيث يلتقي الزمان والمكان والإنسان في سمفونيّة إنسانيّةٍ عذبة، صادقةٍ وغنيّة بالمشاعر والعِبَر والأحلام...

لقد رافقه القلق في بعض مواقفه، بخاصة عندما تواجهه مشكلةٌ عائليّةٌ أو عائقٌ ماديٌّ واجتماعيٌّ يرتبط بسلوكه ومستقبله، فتتسلّل إلى عباراته بعض الصور الحزينة في نقله لهذه الأحداث التي توجعه أحياناً، لكنه بصبره وإيمانه ينتصر عليها.

قويٌّ في التصدّي للمخاطر، رقيقٌ لطيفٌ في مخاطبة الناس بخاصة تلاميذَه.

صريحٌ عفويٌّ مع رفاقه، يزيّن كلامه بألفاظٍ ورديّةٍ تروق الأصدقاء والأهل والقرّاء.

متاعب الحياة، الفقر، الكدّ والسهر، حالاتٌ تجسَّدت مقطوعاتٍ أدبيّةً في كتاب، تواجهها إرادةٌ صلبة وتوقٌ إلى النجاح، ورغبةٌ في تحصيل المال، كوسيلةٍ لتحقيق الطموحات، وتوفير العيش الكريم. هذا ما جعل الثنائيّات تتكاثر في أسلوب سهيل مطر: الفرح والحزن، القلق والراحة، الشدّة واللين، الرفض والقبول، الأرض والسماء، الموت والحياة... تصويرٌ واقعيّ، يجنح إلى التحليق أحياناً؛ يستعين في مساره السرديّ والوصفي بمقطوعاتٍ غنائيّةٍ للسيّدة فيروز، تُضفي جمالاً على جمال... وقد جاءت مطارحه كشريطٍ سينمائيٍّ بإخراجٍ فنّيٍ، يرسم الزمان والمكان ويصوّر الأحداث وينقلها على ألسنة أشخاص، تكتمل بأدوارهممراحل هذا الشريط بطريقةٍ تجعل المطارح عملاً فنياً متكاملاً مضموناً وإخراجاً وتصويراً.

إنّه سهيل مطر...

هذا السهيلُ الخصبُ التربة، سقاه مطر الشعر بغزارةٍ، وظلَّت ظلال الماضي تسري في جسد كلماته، بانسيابيّةٍ طفوليّةٍ محبّبةٍ ترفدها مشاعرُ غنيّةٌ وعذوبةٌ في التعبير.

شكراً لك يا صديقيوهنيئاً لنا بهذه المطارح.

                                                                  فرنسوا قزّي