تكريم الأباتي الدكتور أنطوان راجح

 

مشاركة: د. يولا عازار- المحامي بطرس حبيقة

 

إدارة :الأمين العام جورج أبي صالح

 

كلمة الأباتي أنطوان راجح في حفل تكريمه علمًا للثقافة

أستكثر على نفسي، اليوم، كرمَ المكرِّمين، وإن وضعوني في قمّة الإحراج، وفي وِقفةٍ تُلقي عليّ بأثقالها، فلا يُسعفني في حجب بعضٍ من خجلٍ ينتابني، يزيد منه التوقيت في ظلّ حرب تحبس أنفاسنا، إلّا شعوري بصدق الداعين ونبلِهم، وبإقبالِ المشاركين ومحبّتِهم.  ولا يخفى الحرج المُضاف بسبب التوقيت في ظلّ حرب تزهق أرواحًا وتبيد ممتلكات، وقد استشهد بالأمس في القليعة الكاهن المتفاني والقاضي الزميل، الخوري بيار الراعي، الذي التحق بقافلة شهداء الخدمة الكنسيّة.

شعورُ الإرباك هذا، انتابني منذ ثلاثَ عشرةَ سنةً، يومَ تكرّم غبطةُ البطريرك وكلّف المثلّث الرّحمة، الصديق العزيز المطران منصور حبيقة، أن يمنحني رتبةَ الأبّاتيّة، فسبقت الساخرين باطنًا أو المتسائلين فيها وفي بهرجة شاراتها الرّفيعة، المماثلةِ لشارات الأحبار، وردّدت خلال الاحتفال نفسِه، كلماتٍ للبابا الأسبق لاوون الثّاني عشر، يوضح فيه، في كلام عن الخورأساقفة والبرادطة والأباتيّين الفخريّين، أنّ "هؤلاء، ولو تشرطنوا في قسمة الأحبار، لا يبلغون سموَّ مرتبتهم". فبعيدًا من الزّهو، كنت مدركًا تمامًا، أنّي، بمنحي هذه الرتبةَ، لن أقربَ مقامَ المطارنة أو الرؤساءِ العامين ومكانتَهم، وأنّ المناسبة كانت لتكونَ بسذاجة الكثير من مثيلاتها من احتفالات التكريم أو أشباهِها المختَلَقَة، لولا رفعةُ مانحيها وإخلاصُ حاضريها.

هو الشّعور نفسه، ينتابني اليومَ، لأنّي مُدرك تمامًا، أنّي، وإن وضعت ثمانيةً وأربعينَ مؤلّفًا، معظمُها في القانون الكنسيّ، مجالِ تخصّصي، والبعضُ الآخر في التأريخ والتوثيق، فإنّي لا أجد نفسي بقامة الكوكبة الواسعة من الأفذاذ والأقحاح الذين كرّمتهم الحركة على مدى أربعةِ عقود. والسّببُ الرئيسُ نهجُ حياةٍ متّسمٌ بالضغوط، وبمسؤوليّاتٍ تطلّبت أداءً، مع ما يرافق ذلك من مخاطرِ جفافِ التّوقِ الى التملّي والإنتاجِ في أبحاثٍ جدِّ رصينةٍ تفترض تفرغًا وانصرافًا.

فتنوء الكلمات بحمل أثقالِ شكري الى الحركة الثّقافيّة التي عاندت، متجاوزة حرجَ زمالتي فيها. لقد انتهيت الى التسليم برغبةِ الزملاء الكرام. إلّا أنّي لا أخفي عليكم، أنّ من دوافع هذا التكريم علمَهم أنّي أتمّ سنتي الرئاسيّة الأخيرة، بموجبِ قوانيننا الرهبانيّة المحمودة التي تُعلُّمنا التنحّي في آوان، وقد شاء الزملاء أن يعبّروا عن محبتّهم وتقديرهم عن اثنتي عشرةَ سنةً مرافِقة. فهم يدركون تمامًا أنّيلطالما فاخرتُ بحَراكِ الحركة في كنف ديرِنا مار الياس، إذ تغطّي جانبًا هامًّا من رسالته، ويكتملُ بها الجهدُ في ملاقاة الإنسان ومحاكاتِهِ في جناحيهِ المتكاملينِ: الإيمان والعقلِ، وكلٌّ منهما ضروريّ وأساسٌ لحلحلة تشابكِ الأزمات من حولِنا، بلا انفصال وبلا خلط. فإنّ العلمانيّةَ التي نفاخر باعتمادها في الحركة، لا تطمس بذورَ الإيمان المزروعةَ فينا، وإن ركّزت بالأكثر على مناداة العقول وردفِها بجريء الفكر وغنى الحوار.

وسلّمْت، لأنّ التكريم يأتي ثانيًا، مراعيًا بنظر الحرَكةِ الحَرِكة، المعاييرَ الموضوعيّةَ المتّبعة في اختيار المكرّمين، وهي السنُّ المتقدّم، والإنتاجُ الوفير، وقد بلغت فيهما، بعناية الله، شأوًا لا بأس به، ورأتْ في كتاباتي القانونيّةِ خصوصًا، بعضَ تميّز وفرادة.

 فلا بدّ من كلمة تخرج من الأعماق وتعبّر عن أسمى المشاعر. وفي هذه الكلمة تتزاحم أماراتُ الاعتزاز لتملأ كياني في هذه الأمسية التي غدت سعيدة، وكبيرةً بكِبَر أنفسِكم.

وبعدُ، قد يُخيّل للرّاصد موضوعاتِ المؤلّفات المتنوّعة، أنّي من جنس المتلوّنين. إلّا أنّي أدركت أنّ لذاتي الواحدة وجوهًا متعدّدةً، وكلَّ وجه يتحقّق في ميدانٍ يتّصل بالآخر ويكمّلُه من دون أن يناقضَه أو يسعى إلى إلغائه. وأرى أنّه يمكنني ضمُّ هذه الميادينِ في ثلاثيّة: القانون الكنسيّ، والتأريخ، والتوثيق.

أوّلا وأساسًا، يشكّل القانون الكنسيّ رفيقًا لأبحاثي وعملي، يسند لاهوتي وإنسانيّتي، لما فيه من أسس إنسانيّة، ومن تقارب وتكامل مع اللاهوت، من دون أن يندمج به. فسرعانَ ما تكشّفت  أنّ طبيعة القانون لا تستقرّ ما لم تُدرَكْ أوّلًا أهدافُ هذا القانون ووظائفُه. ولذا، تيقّنت بعد مسيرة قضائيّة طويلة نسبيًّا، وبعد تنقيب كثيف ومتابعة حثيثة، أن أجيبَ على تساؤلات مطروحة حول جدوى القانون الكنسيّ ومدواتِ ضرورتِه وفاعليّته، بتفتيش دائم عن خلفيّات المقاصد وخفاياها، والإفصاحِ عنها.

لقد عمّقتُ البحثَ في مفهوم العدالة وتشعّباتها، وخصوصًا على صلتها بالأخلاق، وبالحقيقة، والخير العام، وبمبدأ الإنصاف وما يتفرّع عنه من وجوب تفسيرٍ واجتهاد، وصولًا الى الكلام على صلتها بالمحبّة والرّحمة، وعلى غاية الشريعة الكنسيّة السّميا وهي خلاصُ النفوس. والواقع أنّ مبدأَ خلاصِ النفوس يخيّم على القوانين الكنسيّة كما يخيّم على نَفَس المشترع. فقد رسم المشترع صراحةً أين وجب الأخذ بمبدأ خلاص النفوس، بحيث أولى القاضي، وهو مشترع في القضايا الخاصّة، الى حدّ ما، أن ينقادَ بالأولى، عند تفسيره، وفي اجتهاده، الى تغليب مبدأ الخلاص وحقيقته على سائر التّفسيرات الضيّقة. إلّا أنّه لا يمكنه أن يوجّهَ الخلاص بمعزل عن الحقيقة المعلنة من نبع الحقائق. فحتّى الاعتدالُ، يجب أن يمارَسَ باعتدال، كما قال جان جاك روسّو.

لم أشأ، حصيلةَ تنقيبي، ورقًا على رفوف، بل مرجعًا صالحًا لي وللزملاء في جناحي العدل، القضاة والمحامين، وكم عزّ عليّ، من دون غرور، أن أراها، لا على رفوف مكاتب القضاة والمحامين، بل على مكاتبهم وفي متناول أيديهم، ليس في لبنانَ وحسب، بل وفي الاردنِّ، والعراق وسوريّا وسائر البلدان العربيّة.

ومع أني ثانيًا، لست ممّن يزعمون قدراتِ مؤرّخٍ متخصّص، يُجيد قراءة الأحداث، وينطوي تدوينُه على نقد تحليليّ تصحيحيّ، باعتماد مقاييسِ الفلسفة، والسوسيولوجيا، أو الأنتروبولوجيا، وغيرِها من المقتضيات العلميّة. إلّا أنّي من المهتمّين الوَلِعين بالمواقع الّتي أقيم فيها، بشعبها، وبحجرها. فأسأل عن ماضيها، ومآثرها، بل وعن معاثرها أيضًا، ساردًا، بلا تأويل، وبلا تجنٍّ، ما طالعته في بطون كتب، ووثائقَ، ومجلّاتٍ، غيرَ مهملٍ بعضَ تحليل واستقراء، من دون أن أسعى إلى تفسير الغائب المجهول، ومن دون الاكتفاء بالتواريخ المنزّهة وحدها.

      أمّا ثالثًا، فمعَ وعيي إشكاليّةَ تحويلِ خطبٍ صيغت لتُلقى بفكر يُقاس باللحظات، لا لتُقرأَ، فقد وثّقت معظمَها ونشرته كتوليفات، وإن بفكر مقتضبٍ، نظرًا لما كنت أسكب فيها من جهد، كي تبقى جديدة ومتجاوزة عواطفَ المناسبة ولياقاتِها. ثمّة من يُكبّ على مثل هذه التوليفات، لقصر موضوعاتها، ما جعلني أزيد من إتقانها، مع أنّي، كنت أتشفّى وأثأر، بهذا القسم الثالث، من عدم إمكان نشرِ مئات الأحكام القضائيّة الّتي أوضّبها بإتقان هي أيضًا، وأكدّسُها مصطفّةً فوق رفّ خزائني.

      فأن يلتئمَ هذا الحشدُ الحبيب على مثْلِ قليلي، يوجب عليّ أن أحيّيَه بأشرف سلام، لما أتاحه لي من إحساس عميق ببهجة الأخوّة والموّدة.

وعليه، لا بدّ من شكر اللّه على عنايته التي لا تنـي، ومن ثَمّ، تأكيدِ شعورِ الامتنان لرهبانيّتي الأنطونيّة التي وفّرت لي كلَّ ما أنا عليه، ولأبرشيّتي انطلياس حيث أعيش كهنوتي بزخمه، ولمحكمتنا الاستئنافيّة التي أقضي في كمّ دعاويها منذ ستّ وعشرين سنة متواصلة، وهي أكثر ما يستنفر فيّ ضميري، كي لا أعبد النصّ وأجرّده من قدسيّة الرّحمة، وكي لا أتمّرد عليه في آن، براعويّة مزيّفة، وأن أجدّدَ الشكرَ للحركة الثّقافيّة، وهي ملتصقةٌ جوهرًا معي، لشياكة هذه الأمسية. لأمين عام الحركة، الأستاذ جورج أبي صالح، الذي رآني من خلال خلالِه، وأسبغ عليّ ما أراد به أن يرفع من مكانتي. للمحامي الأستاذ بطرس حبيقة، فارسِ الكلمة، الزاهدِ بمباهج الدنيا، والمتعبّدِ في صومعة الكتاب والكلمة، وقد تمعّن كثيرًا في كلّ مؤلَّف قانوني أصدرته. للدكتورة  يولا عازار المؤتمنة على مخزونات أدبيّة، والمقتنعة بمدواتِ الحرف والكلمة، فلا يجفّ حبرها، من أقوال تضاهي شقائقَ النعمان أناقةً ورفعة ووضوحًا. لكاتب النشيد الأب المدبّر بشاره إيليّا، وللمرنّمة جيسّي جليلاتي والعازف أنطوني عازار والمرافق زيد النّعيمي. (للأستاذ الصحافي سيمون أبو فاضل على التحقيق الذي أجراه على موقعه الالكتروني "الكلمة أون لاين"(. لمن خاطروا بالشهادة، ولكلٍّ منهم مكانٌ في وجداني، مع أنّي أقلُّ بكثير ممّا قالوه وتغنَّوا به فيّ. ولا غروَ، فقد قال الشافعي: "مَن إذا أغضبْتَهُ قال فيكَ ما ليس فيك، وكذلك من إذا أرضيتَهُ قال فيكَ ما ليس فيك".

فالمحبّة في كلّ حال،  لكلّ منكم، واحدًا واحدًا. وليغفرِ الله لي ما لا تعلمون.

أكتفي بهذا القدر، لئلّا تفوقَ ثرثرتي ما يليق.

 

كلمة الأمين العام للحركة الثقافية-أنطلياس

جورج أبي صالح

في

تكريم الأباتي الدكتور أنطوان راجح

عـلَماً من أعلام الثقافة في لبنان

المهرجان اللبناني للكتاب

الدورة الثالثة والأربعون

10 آذار 2026

أصحاب المعالي والسيادة، والسعادة،

قدس الأب العام، والآباء المدبّرين،

الآباء الأجلاّء، والأمّهات الفاضلات،

حضرة رئيس بلدية أنطلياس- النقاش، ومختاري البلدة المحترمين،

أيّها السيّدات والسادة،
أيّها الأصدقاء،

نجتمع اليوم في هذه الأمسية المميّزة، لا لنكرّم شخصًا فحسب، بل لنكرّم سيرةً برمّتها، ولنتأمّل في مسار حياةِ راهبٍاختزن الفكر والإيمان والعمل العام في آنٍ.

إن تكريم الأباتي الدكتور أنطوان راجح هو في الواقع تكريمٌ لثقافة الالتزام، ولجيلٍ من الرهبان الذين آمنوا بأن الخدمة العامة لا تنفصل عن نشر القيم الروحيّة، وأن العلم لا يُثمر إلاّ إذا ارتوى من روح المحبّة.

فاليوم، ونحن نتجوّل بين رفوف الكتب، ونستنشق عـبق المعرفة، يجتمع هذا الحشدُ حول علَم آخر من أعلام الثقافة في وطننا، حول شخصيّةٍ فـذّة، تجمع بين الحكمة والروحانية، بين العلم والعطاء، بين الفكر والعمل.

فالأباتي راجح صاحبُ دعوة، ترهّب للدير والرعيّة، وتكرّس في آنٍ واحد للجامعة والمجتمع، للمحكمة الروحية والنشر التنويري، للنشاط الثقافي والخدمة الاجتماعية... فكان جمعاً في مفرد وكلاًّ في واحد!

أيّها السادة،

إننا نكرّم هذه العشيّة رجلاً جعل من الثقافة رسالةً، ومن العلم مسؤوليةً، ومن الخدمة العامة وجهًا آخر للمحبّة.نكرّم رجل دين جمع بين الطرح النظري والممارسة العملية، فترك بصماتٍ واضحةً على مذبح الكنيسة، وعلى منبر التدريس الجامعي، وعلى قوس المحكمة، وعلى عددٍ من الصروح الشواهد، وفي كل منحىً من مناحي البيئة الرعوية والتربوية والاجتماعية التي تكرّسَ لخدمتها.

رئيسُ ديرٍ مرّاتٍ عدّة، حيث عاش الرهبنة في جوهرها، حياةً منسجمةً بين التأمّل والإنكباب على العمل، بين الصلاة ورعاية شؤون الناس وشجونهم.فالأباتي راجح ليس مجرّد راهب يقود ديره، فكلُّ كتاب ألّفه، وكلُّ مشروعٍ أسّسَه، وكلّ دوريّة أصدرها، وكلُّ مركزٍ أو صرح أُقيم بفضل جهوده، هو إشعاعٌ  يُنير دروبَ الإنسان والرعيّة، ويدفع المرء الى السير على هدى المعرفة والخير. حضوره الناشط الفعّال، وعطاؤه السخيّ المتواصل، يذكّراننا بأن العلم والإيمان والعمل الصالح ليست مجرّد شعاراتٍ آسرة، بل نهجُ حياة، ورسالةٌ متواصلة.

من قاعاتِ التدريس إلى رئاسة الجامعة، حمل الأباتي راجح الرسالة الأكاديميّة بجِـدّ ومسؤوليّة، فغرس في أجيالٍ من الطلاب حبّ المعرفة، واحترامَ الحقيقة، واليقينَ بأن العلم ليس ترفاً بل ضرورة، وبأن البحثَ العلمي ركيزتُه،كونُه يشكّل حصيلةَ سيرورةٍ متراكمةٍ ومتكاملةٍ من التقميش والتجميع، من التحليل والتركيب، من الكتابة والتأليف، وأنه غالباً ما ينطلق من معطياتٍ أو فرضيات ليصلَ الى احتمالاتٍ واجتهاداتٍ واستنتاجات تفتح للمعرفة آفاقاً جديدة واعدة ... وهكذا، في ميدان القانون الكنسي، حقلِ اختصاصِه، علّم راجح وألّف، فأغنى المكتبة الدينية اللبنانية والعربية بعشراتِ المؤلّفات التي أصبحت مراجع معتمدة في المعاهد والمحاكم.

قاضٍ في محكمة الاستئناف الروحيّة، جمع بين صرامة العدالة ورهافة الضمير، وبين حكمة النصّ ووجدان الراعي. وفي هذا المضمار، ترك أحكاماً قيّمةً بمضامينها، سخيّةً باجتهاداتها ومفيدةً بمشورتها.

لكنّ الأباتي لم يكتفِ بالعمل داخلَ جدرانِ الجامعةِ أو الديرِ أو المحكمةِ أو المطبعة، بل خرج إلى الناس، إلى ملاقاة معاناتهم اليوميّة. فكان سخيّاً في الخدمة الرعائية ومقداماً في العمل الإنمائي والاجتماعي: رمّم المدارس والكنائس والأديرة، شيّد صروحاً جديدة، أسّس مراكز صحيّة - اجتماعية متطوّرة لعضد الإنسان في كرامته وضعفه، فصار الحضورُ الكنسيُّ عنده فعلاً خلاصيّاً حيّاَ.

ومن موقعه كرئيسٍ للحركة الثقافية، حمل همّ الفكر والهويّة، فشجّع على جمع المثقّفين من مختلف الاتّجاهات، مؤمناً بأن الحوار هو السبيل الوحيد لبناء وطنٍ تعدّدي متصالح مع ذاته، ومدركاً أن المعركة الوطنية الرابحة هي تلك التي تنتصر فيها الوحدة، وحدةُ الانتماء والتضحية في العيش معاً، مع احترام الاختلاف والتنوّع. تلك هي أصلاً القيمُ التي نشأت عليها رهبنتُه، الرهبانيةُ الأنطونية المارونية، لثلاثمئةٍ وخمسٍ وعشرين سنةٍ خلت، يوم تأسّس أولُ أديرتها في بيئة مختلطة.

أيّها الأحبّة،

مثلما ينسلّ النعاس الى خلايا الجسد، يتسلّل الإعجاب بالأباتي راجح الى نفس كلّ امرىء يجالسه أو يتعامل معه. فيشعر الأخير حالاً بأنّ ثمّة رابطةً انسانيّة من المودّة تجمع بينهما كأنه " معرفةٌ قديمة " ، أو صديقٌ أو نسيب. هو ديبلوماسيٌّ بالفطرة، عالمٌ بالاجتهاد، راهبٌ بالدعوة، وخادمٌ بالالتزام. لكنه في جوهره كاتبٌ بالقوة قبل أن يغدو كاتباً بالفعل. ولعلّ أحبّ شيئ الى قلبه أن ينشرَ كتاباً أو يُصدر مجلّة ... فالأباتي راجح، لو لم يدخل الرهبنة، لكانَ على الأرجح من أصحابِ دور النشر!

أبتي الجليل،

نقف لك اليوم جميعاً إجلالاً وتقديراًً. فقد كنتَ ولا تزال قدوةً لنا ومثالاً. علّمتنا أن نرتقيَ بعقولنا، وأن نغذّيَ أرواحنا، وأن نزرع الخيرَ حيثما كنّا...

أشجارُ الياسمين لا يتعب أحدٌ في البحث عنها لأن عبيرها يدلّ عليها، كذلك بعضُ البشر، وأنت منهم، يعرفهم الناس بما يفوح من طيب أفعالهم، وأريج عطاءاتهم، وسلاسة طباعهم ونبل أخلاقهم.

أيّها السادة،

الأباتي انطوان راجح راهبٌ يحار المرءُ فيه: أهو شخصٌ لا يعرف التعب أم هو شخصٌ لا يعرف الراحة ؟! أيّـاً يكن، فجُلُّ ما نتمنّاه هو أن يظلّ الأباتي راجح على هذا المنوال: ألاّ يعرف التعب وألاّ يعرف الراحة، ليُغنيَ مسيرته بمزيد من النتاج الفكري والعطاء الإنساني والنشاط القضائي والعمل الرعوي. أما أمنيتي الشخصيّة، فهي أن أُرضيَ فضولي، وأعرفَ ماذا يفعل الأباتي راجح في الساعة الخامسة والعشرين من يومه!

سيرتُك منارةٌ للعلم والعمل، ومسارُك جسرٌ بين العقلانيّة والروحانيّة، وبين الصلاة والخدمة الاجتماعية-الإنسانية. إنكّ " مصباحٌ لا ينطفىء، كلّما أشرقتْ شمسٌ يتجدّد زيتُه"، حسب تعبير ابن بلدتك، الأديب الدكتور ربيعة أبي فاضل.

أبتي الرئيس، صديقَنا العزيز،

ثمّة إجماعٌ على أنك أينما حللت، في كلّ دير أو مدرسة، في كلّ جامعة أو محكمة، تترك بصمة، لكنك في دير مار الياس– أنطلياس وفي حركتنا الثقافيّة بالذات، تركتَ بصمات.

فمبروك لك التكريم عـلَماً من أعلام الثقافة في لبنان.وبهذا التكريم المستحَقّ، تــُوجّه لك حركتُنا تحيّةَ امتنانٍ وتقدير مقرونةً بباقةٍ من المحبّة... والسلام.

 

                                                                الأمين العام

                                                                 جورج أبي صالح

 

 

تقديم الدكتورة يولا مفرّج عازار في حفل تكريم الأباتي أنطوان راجح

 

 

قامة ثقافيّة بارزة

 

المقدّمة

 

ما أكثرَ ما سألت نفسي، عندما وضع قدس الأباتي أنطوان راجح، الّذي به اللّيلةَ، نحتفي، تكرّمه الحركة الثّقافيّة علمًا رائدًا من أعلام الثّقافة، هذه المهمّةَ الشاقّةَ بقدرِ ما هي شائقةٌ، بين يديّ، وتحت رحمةِ قلمي وكَلِمي: كيف لي أن أعبّرَ، بدقائقَ معدودةٍ وأسطرٍ محدودةٍ، عن عمرٍ نتمنّاه له طويلًا، ممهورٍ بالعطاءِ والإبداع؟

كيف لي أن أختصرَ مشوارًا بدأه مذْ كان غضَّ الإهاب، يافعًا؛ مشوارَ زُهاءِ خمسٍ وأربعين سنةً، لا يزال يتابعه بكلّ عزيمةٍ أمدّه بها المسيح الّذي أحبَّ، فكرّسَ حياتَه له، وتابع رحلةً تجشّمَ سُرى مشقّاتِها وتعرّجاتِها ومنعطفاتِها؟

يقال إنّ تكريمَ مبدعٍ في أيّ حقلٍ من الحقول، في مجتمعٍ يبخُل على نوابغِه وأعلامِه بالضّوءِ، لفعلُ إيمانٍ، وصلاةُ تسبيحٍ على مذبح الخلود، وسجودٌ أمام عظمةٍ سيخلّدها التّاريخ.وتكريمُ الحركةِ الثّقافيّةِ الأباتي راجح ليس بصفتِهِ رئيسًا لها، وإنّما لأنّه غزلَ بمِدادِ قلبِه نسيجًا راقيًا فكرًا، ولاهوتًا، وقانونًا، وغير ذلك..

ليست معرفتي به قديمةَ العهد، ولكنّ السّنواتِ الثّماني الّتي جمعتنا كانت كافيةً لأقرأَ إنسانًا هو لي مثالٌ وقدوة. وسوف أبذُلُ طاقتي لأصفَهُ بصدقٍ لا يجرّني إلى المبالغة، ولا يوقِعني في فخِّ التزلّف؛ ولكنّ التحكّمَ بالقلبِ والقلمِ فضيلة من فضائل العقل.

إنّه حبّةُ الحنطة، سُكبَ فيها روحُ الله، فسقطَتْ على أرضِ نابيه، زرعًا صار حقلًا، يقتاتُ منه كلُّ من عرفَه. لم يكنْ عطاؤه ثمرًا لشخصِه وحدَه، بل صار ذاكرةً جماعيةً وحضاريةً، تُغذّي أجيالًا وتُبقي الحضورَ حيًّا فينا، وفي ضمير المستقبل.

إنّه تناغمٌ مثاليٌّ بينَ الكهنوتِ والقانونِ والتّعليمِ والبناء.

فهل هو الّذي شغل هذه المناصب، أو إنّها هي الّتي شغلته أكثر من أربعين سنة، فما فرغت كأسه ولا شحّ زيته؟ وفي هذا وذاك، كانت غايتُه السُّميا الإنسانَ وخلاصَ النّفوس.

قال البابا فرنسيس: "يطلب التّناغم أن تعزّزوا، أوّلًا، في ذواتِكم أشكالَ الذّكاءِ الثّلاثةَ الّتي تهتزّ في النّفسِ البشريّة: ذكاءَ العقل، وذكاءَ القلب، وذكاءَ اليدين." ويمكن أن نلاحظ، في هذا المقام، أنّ الأباتي راجح مثّل في حدّ ذاته هذه الطّاقةَ الخلّاقة الّتي جمعت الأشكالَ الثّلاثة معًا.

  1. البدايات والمسيرة الأولى

إن عدْنا بالذّكرى إلى البدايات، فليس للتّكرار والاجترار، بل لأنّ العودةَ إلى مرابعِ الذّكرى إيقاظٌ لعمرٍ، وإذكاءٌ لتاريخ، وإثارةٌ لعاطفة، وإلّا كان مصير هذه الذّكرى حفرةَ النّسيان، وهوّةَ الغربة في الكلام.

ثمّة قاعدةٌ يبني عليها الأباتي نهج دوره الرّهبانيّ، وهي: "في حياتنا الرُّهبانيّةِ الرّاحةُ والاستجمامُ ترفٌ لا يمُتُّ إلى دستورِ رسالتِنا بصلة. والكهنوتُ هو وهْبُ كلّ شيء"، لذا، لم تكن بداياتُه سهلةً؛ ففي كلّ محطّة، ذلّل الصّعوبات، وبارز التحدّياتِ، فما لوت ساعدَه، ولا أثنته عن مسارّه. وزرعَ بذارَ عملِه وتعبِه في أكثرَ من دير ورعيّة، منذ سنِّ الخامسة والعشرين، معايشًا المسؤوليّات، من رئاسةٍ ونيابةٍ عامّة، إلى إدارةٍ ماليّة وأمانةِ سرّ، إلى تحريرِ مجلّات، ومنها مجلّة "أصداء" الّتي يرأسُ تحريرَها اليوم، كما يرأسُ الحركةَ الثّقافيّةَ الّتي تفخرُ بتكريمِه وجهًا مضيئًا في الفكرِ والثّقافة. وإخاله يردّد مع نيتشه: "من يمتلك سببًا للعيش يمكنه أن يتحمّل أيّ كيفيّة".

وهكذا، بين نابيه وروما، بين الدّير والجامعة، بين الرّعية والمجلّة، تشكّلت شخصيّةُ الأباتي أنطوان راجح: شخصيّةٌ لا تعرفُ الانكفاء، بل تفرح بالانطلاق؛ لا تكتفي بالحدّ الأدنى، بل تسعى للأفضل؛ لا تبحث عن مجدٍ شخصيّ، بل عن خلاصِ النّفوس وخيرِ الإنسان.

 

  1. المناصب الكبرى والإنجازات

عاد الأباتي أنطوان راجح إلى رعيّةِ مار الياس- أنطلياس بعد غيبةِ خمسَ عشرةَ سنة، تولّى خلالها مسؤوليّات ثقافيّة، وروحيّة، ورعويّة، وإداريّة أكاديميّة، من رئاسة دير مار يوحنّا- عجلتون ومدرستِه الدّوليّة، إلى رئاسة الجامعة الأنطونيّة لستّ سنوات، إلى النّيابة العامّة للرهبانيّة الأنطونيّة المارونيّة لستّ أخر. فلم تكن هذه المناصبُ مجرّدَ مواقعَ إداريّةٍ، بل كانت محطّاتِ خدمةٍ، فيها صاغ رؤيةً، وأطلق مبادراتٍ، وأرسى دعائمَ مؤسساتٍ لا تزال تشهد على بصماته، وطموحه، وروحه.

لقد فهم القيادة رسالةً قبل أن تكون سلطة. فحاكى في ذلك، قولًا لكانط: "العقل العمليّ يوجّهنا إلى أن نعامل الإنسان دائمًا غاية وليس وسيلة". من هنا، وازن بين متطلّباتِ الرّهبانية وتحدّياتِ العصر، وقاد السّفينة وسْط أمواجٍ متلاطمة، فلم تنحرف عن مسارّها، ولم تفقِد بوصلتَها.

وإيمانًا منه بأنّ الكاهن يعيش في رعيّته ملء الكهنوت، فقد أولى فرقَ الرعيّةِ في أنطلياس اهتمامًا واسعًا، من حركة قُدّاس الأطفال، إلى لقاءات النّاشئين والشّبيبة والشّباب، إلى الجماعات العيليّة والأخويّات، فجماعة "إيمان ونور"، ومائدةِ المحبّة للمسنّين. لم يكتفِ بالجانبِ الرّوحي، بل جعل من الرعيّة بيتًا حيًّا، فيه يتلاقى الإيمانُ بالفرح، والعبادةُ بالخدمة.

وكانت له اليدُ المنبسطة الكريمة في كثيرٍ منَ النّدواتِ الرّوحيّة، وسهرات الرّعية، ومناسباتها الدّينية، إعدادًا أو إشرافًا أو إرشادًا، استكمالًا لبناء حياة الرّوح، وازدهارها، ومساهمةً في توفير ما تيسّر من سعادة وأمان لإخوته وأبنائه. فكان حضورُه إشعاعًا يضيء النّفوس، ويحوّل التّعبَ غبطةً، والجُهدَ بهجةً، والإنجازَ صلاةً مجيدة.

ولسنا نغالي إن قلنا إنّ الأباتيّة الّتي كافأته بها الكنيسة، في العام2013، باتت قليلة عليه،إذ نالت رعيّتنا حظوةً بهذا الرّاعي الأمين، فكأنّ المزمور التّسعين أشار إلى أمثاله، قال: "أرقّيه لأنّه عرف اسمي، يدعوني فأستجيب له" (مز 90: 14-15)

 

  1. نافذة على التّعليم

إن سُئل الأباتي راجح عن أكثرِ المحطّات تأثيرًا في حياتِه الرّهبانية، وأحبِّها إلى قلبه، وأرسخِها في وجدانِه، أجابَ بلا تردّد: الجامعة؛ سواءٌ كان فيها طالبًا يتدرّج على مقاعدِها في مراقي العلم والفكر، أم أستاذًا ينقل المعرفةَ إلى الأجيال الشابّةِ الواعدة، أم قيّمًا على مسيرتها، محرّكًا لنشاطاتها، ومطلقًا منشوراتها في الفكر والإبداع.

في هذا المجال أراه المثالَ أيضًا، في تحصيل العلوم والثّقافات، والقدوةَ في بثّها حيّةً في قلوب طلّابه، قبلَ رفْد عقولهم بها، في لبنانَ، أو في الأردنّ، وفي أربيلَ في العراق. كانت نذورُه الرّهبانيةُ كما نذورُه التّعليميّة رسالةً تنبعُ من معين التّضحية والانتماء والتّربية، وتستمدّ قوّتها وعظمتها من المحبّة، وإلّا كانت هذه القيم، بحسب رسول الأمم، نحاسًا يطِنّ أو صنجًا يرِنّ (1 كور 13: 1).

إنّه يحفِر صخرةَ الإنجاز بعنادِ قطرةِ الماء الرّقيقة الّتي تترك أثرًا لا يزول، بصبر النسّاك وثباتهم، وبشجاعة الفلاسفة وحكمتهم.أحبّه طلّابه حبًّا بنويًّا، وبادلهم الحبّ أبويًّا، فغذّاهم روحيًّا وإنسانيًّا أيّما تغذية. كأنّه استلهم قول أفلاطون: الغاية من التّعليم أن نضيء شمعة وليس أن نملأ وعاء؛ فكتبت له يومًا إحدى طالباته: "لقد أخمدتَ نار قلقنا على مستقبلنا، وحرصتَ على احتضان مواهبنا"؛ قال كانط، في هذا السّياق: "العلم بلا أخلاق خطر، والأخلاق بلا علم ضعف". ويقول الأباتي راجح: "إنّ مادّة القانون وأصولَ المحاكمات، على جفافها، تبقى جسدًا بلا روح، إذا افتقرت إلى الإنسانيّة، فالعلم لا ينفصل عن الأخلاق"، مظهرًا ما بينه وبين كانط من تقارب وتناصّ فكريّ وفلسفيّ؛ فاستمرّ لطلّابه نبراسًا في شؤون الدّين والدّنيا، يتوسّم فيهم قيمَ الحقّ والخير والجمال.

إنّه صاحب رؤيا إنسانيّة ووطنيّة وتربويّة، أحدث انقلابًا كبيرًا على رواسبِ الجهل والتخلّف، فنهضت، بفضله، الجامعةُ الأنطونيّة الّتي تولّى رئاستَها، وازدهرت صرحًا تربويًّا عريقًا يدين له بما أنجزه في سبيل نهضتِها، وبما حقّقه من أجل بُنيانها حضاريًّا، وزيادة الثّقة بها. فخطا بها خطواتٍ جبّارةً نحو العظمة. وأثبت أنّ التّربيةَ ليست تلقينًا، بل هي بناءُ إنسانٍ متكاملِ العقل والرّوح. وما صالةُ المحاضراتِ الّتي تحمل اسمَه، في صرح الجامعة الأنطونيّة الرّئيس في الحدت، إلّا شاهدٌ على التّكريم الّذي استحقّه، في هذا المجال، ودليلٌ على أنّ أثرَه باقٍ في ذاكرة المكان والزّمان والإنسان.

ويقينًا منه أنّ العصر الحديث يجب أن يخلق سلام التّكامل بين العلم الرّزين والوعي الإنسانيّ، بنى فرعًا جامعيًّا في مجدليّا – زغرتا، وأضاف مبنًى لكليّة إدارةِ الأعمال في الحدت – بعبدا، ليؤكّد أنّ رسالته التّربوية لا تعرف حدودًا، وأنّ التّعليم عنده، امتدادٌ طبيعيّ للكهنوت والخدمة، وأنّ الكنيسة يجب أن تواكب التّحوّلات المصيريّة، وأن تحصّنها بالقيم الإنجيليّة.

وإخال من الصّعب أن أختصر مَن أرّخ مئة عامٍ من تاريخ الرّهبانيّة الأنطونيّة، ووضعَ عشراتِ الكتبِ حولَ تاريخ الأديرة، لذلك أدعوكم إلى الاستزادة عنه، منه، في مؤلّفاته التّليدة والعتيدة، الّتي تجمع بين أصالة الماضي ووهج الحاضر، لتبقى شاهدًا على فكرٍ لا يشيخ.

حريّ بمن يريد أن يتعرّف إلى الأباتي راجح ألّا يسأله عن نفسه، فهو لا يستسيغُ الكلامَ على الذّات، بل حريّ به أن يسائلَ المنجزاتِ والأعمالَ الّتي وضعها، فعندَها الخبرُ اليقين.

 

  1. المؤلّفات

فإلى جانب اختصاصه القانونيّ، الّذي سيتناوله حضرةُ الأستاذ المحامي بطرس حبيقة، جعل الأباتي من التّاريخ رفيقًا دائمًا لمسيرته الفكريّة والروحيّة. فهو ألّف مجموعة من الكتب التّوثيقيّة الّتي لا تقتصر على سرد أحداث الأديار والأشخاص، بل تكشف جوانبَ من الحضارة اللّبنانية والأنطونيّة، وتُبرز كيف أنّ الأديرة كانت مراكزَ إشعاع ثقافيّ وروحيّ عبر العصور. من أبرز هذه المؤلَّفات: الرّهبانية الأنطونيّة في القرن العشرين، وتاريخ جمعيّة الرّاهبات الأنطونيّات في مرحلتيها التّأملية والرّسولية؛ إضافة إلى تواريخِ أديرة بارزة مثل دير مار الياس – أنطلياس، ودير مار روكز – ضهر الحصين، ودير مار يوحنا- عجلتون، ودير مار أنطونيوس البادواني – جزين، ودير مار سمعان – عين القبو.

هكذا، أعاد بجهده، رسم ملامح حضارة حيّة تتجدّد مع كلّ جيل. وجعل من الأديرة صفحاتٍ نابضة بالحياة الرّوحيّة المتآلفة والنّهضةَ العلميّة والفنّية والاجتماعيّة، فتجلّى التّاريخ كذاكرةٍ جماعيّة مؤثّرة في حاضرنا وفي الآتي من الأزمنة.

وفي سلسلة "وقفات"، جمع الأباتي خطبَه، ومحاضراتِه القانونيّة، في "وِقفات قانونيّة"، وكلماتِه في رئاسة الجامعة الأنطونيّة، في "وِقفات جامعيّة"، وفي دير مار الياس – أنطلياس، في "وِقفات أنطلياسيّة"، في غيرِ مناسبة، ليؤكّد أنّ الإرث الثّقافيّ والرّوحي خير من الإرث الماديّ والزّمني. وكتب أيضًا مسكّنات الموت، ووثّق سير كهنة نابيه ورهبانها وراهباتها، وتقاليدَ الرّهبانية وعاداتِها، ونسّق كتابًا لكلّ رئيسٍ عامّ في النّصف الثّاني من القرن العشرين. فلم يأتِ هذا التّوثيق سردًا لسير أشخاص، بل كان إحياءً لخبراتهم وتجاربهم، وإبرازًا لكيفيّة مساهمتهم في بناء حضارة روحيّة وثقافيّة متكاملة، فكان كلُّ مؤلَّفٍ نسيجًا مختلفًا، يندُر أن تتكرّر أفكارُه حتّى في مراحل متشابهة، ما يعكِس ثراءَ الفكرِ وتنوّعَ الرّؤية، ونبل التّضحيات.

إنّ التّأريخ عند الأباتي رسالة تؤكّد أنّ الحضارة تُبنى بالذّاكرة، وأنّ كلَّ جيل يضيف لَبِنة جديدةً إلى صرحِها، مستندًا إلى ما أورثه السّابقون، وممهّدًا الطّريقَ لمن سيأتي بعده. هو ليس أوراقًا جامدة، بل صوتٌ يهمس بمآثرِ السّلف للخلف، ونافذةٌ نطلّ منها على إشعاعٍ حضاريّ لا ينطفئ، وإنّما يتوهّج كلّما أُعيدت قراءته، وتفاعلنا معه.

أمّا في مجال الصّحافة والدّوريات، فقد أسّس الأباتي، أو ترأّس، مجلّاتٍ في كلّ دير ومركز حلّ فيه: من مجلّة طبّ الأسنان ومختبراته، la vie dentonine، إلى صدى المعهد، فحياتنا الأنطونيّة، فـآراء في المدرسة الأنطونيّة الدّولية، في عجلتون، وأصداء في أنطلياس؛ ولم يكتفِ بذلك، بل أطلق في الجامعة الأنطونيّة سلسلةً من المجلّات العلميّة والثّقافية، منها: الدّورية Pertinence، وهي مجلّةُ أبحاث علميّة متداخلة بين الكلّيات؛ وRTMMAM، المخصّصة لتقاليد الموسيقى في العالمين العربيّ والمتوسطيّ؛ وسلسلةَ اسم علم لتكريمِ كبار المفكّرين والمنتجين في لبنان؛ ومجلّة أورحو اللاهوتية؛ ودوريّة (و-ط-ن) الّتي تناولتِ الشّؤون الوطنيّة.

هذا الجهد المضني في تحرير الدّوريات وإطلاقِها كان كفاحًا يوميًّا يتطلّب مثابرةً، وصبرًا، وإصرارًا، ومتابعة، إيمانًا منه بأهميّة الكلمة المكتوبة؛ ودليلًا على اقتناعه الرّاسخ بأنّ المجلات هي مِنصّات حوار ومعرفة، تجمع بين التّوثيق والابتكار.  ففي كلّ عددٍ جديد، كان عليه أن يوازن بين دقّة المعلومة ورصانة الأسلوب، بين تنوّع الموضوعات ووحدة الرّؤية، بين متطلّبات القرّاء ورسالة المؤسّسة.

وهكذا غدا العملُ الصِّحافيّ والأكاديميّ معه، وسيلةً لإبراز ملامحِ الفكر، وتأكيدًا أنّ التّعب في خدمة الكلمة هو في ذاته قيمة، لأنه يفتح أبوابًا جديدة للفكر، ويمنح صوتًا للذّاكرة الجماعيّة، ويُبقي الحضور حيًّا في وجدان المجتمع.

 

قال كارل يونغ: Notre temps, c’est nous

وقال أرسطو: السّعادة تعتمد علينا نحن.

وهكذا كان الأباتي، صانعًا زمانه، كاتبًا تاريخه، ديناميًّا في تثمير وزناته.

فحوّل حياته ملحمةً من العرقِ والدّمِ، والقلقِ والسّهر والحِلمِ، قبل كتابتِها. نسجَها أسطورةً خالدةً، بالتزامِه الإيمانيّ والأخلاقيّ، فغامرَ حاملًا، في أعماقِه، وفاءَه للرّسالة، رسالةِ الكهنوت والإنسان. ولا تزال خزائنُه زاخرةً بشموسٍ تترصّدُ الفرصةَ لتشرِقَ عطاءً وزخرًا لا ينضُبان.

الأباتي راجح.. أنت فصلٌ مشرق من تاريخِ وطن، ومجتمع، وكنيسة.

 

هنيئًا لنا لأنّنا عشنا في زمانك وعايشناك..

وهنيئًا للتّاريخ الّذي سيسجّلُ اسمَك بالفخرِ والإعجاب..

وهنيئًا لبلدتك نابيه الّتي أمدّت الكنيسة، وخصوصًا الرّهبنة الأنطونيّة، وحقولَ المعرفة، بطاقاتٍ بنّاءةٍ، ورموزٍ مبدعةٍ إيمانًا، وعلمًا، ووطنيّة، وأدبًا، وفلسفة، وبطولاتٍ في المُلمّات.

وشكرًا للحركة الثّقافيّة في أنطلياس هذه البادرة الّتي اختارتك علمًا مميّزًا من أعلام الثّقافة.

فباسمِ كلِّ مَن عرفك أخًا وكاهنًا، ومَن عايشك معلّمًا ورفيقًا، ومَن عاصرك قاضيًا ومرشدًا، باسمهم جميعًا، نهنّئك، ونَقدِر كلَّ ما أنجزت، وما سوف تنجز، بقوّة اللّه، شكرًا قدس الأباتي أنطوان راجح.


تقديم المحامي بطرس محفوظ حبيقه

 

تمهيد

   كُتب علينا ألاّ يتجاوز الكلام الخمسَ عشرةَ دقيقةً . هذا خطّ أحمر . بيدَ أن إحصاء عناوين مؤلّفات الأباتي أنطوان راجح يستلزم دقائق ودقائق لا تُحصى ، وما أكثرها ! وبالأحرى أنّ التطرّق الى مضامينها يشكّل تجاوزا ليس لخطّ أحمرَ ، بل لخطوط حمراءَ متشابكة . فآثرت ضبطاً لخطوط التجاوزات هذه ، أن يذهب كلامي باتّجاه القضاء الكنسيّ وقوانينه حيث سار معه الأبّاتي في مؤلّفاته بتجديد مستمر يتجاوب مع متطلّبات الحياة المعاصرة وظروف الزمان والمكان ، ويحافظ على الانسجام مع التقاليد الشرقيّة السليمة ، والتراث الشرقي الأصيل . وعلى سبيل الحصر ، أتوقّف بكلمات عجالى على بضعة مؤلّفات لا يمكن القاضي الكنسيّ أو المحامي تجاهلها ، تمهّد لهما سُبُل لقيان العلى في ممارسة الحقّ وإحقاق ميزان العدالة .

 

1-ما غادرنا المثلّث الرحمة باخوس الفغالي سيّد القانون القديم ، قبل الفاتيكاني الثاني ، حتّى أتى سيّد ماثلَ الأبّاتي أنطوان راجح ، ابتدأ معه تاريخ القانون الكنسي الجديد ، والذي لم ترفض أرضه أن تزورها أمطار الفاتيكاني الثاني ، كما لم ترفض أن تكبر في ترابها أشجار أحكام الروتا الرومانيّة الموجّهة للمحاكم الدنيا الإقليمية ، ونبات العلوم النفسيّة التي تساعد على فهم بعمق العمل الإنساني الداخليّ في تبادل الرضى . ويعود الفضل في هذا المجال النفسيّ الى مؤلّفيه " اللاقدرة النفسيّة والتزامات الزواج " و "الاضطرابات النفسيّة والرضى الزواجي " ، وهما أكبر معين منبّه للقضاة والمحامين للتوقّف عندهما ، والإستفادة من تحليلهما القانوني ، من وجهة النظر الموضوعيّة الواقعيّة. ما يحسّه القارئ عبر قراءة سطورهما أنّ مشاكل الناس النفسيّة أكبر من أوراق الدعوى ، وأكبر من نصوص ضيّقة ، فأعطى المؤلّف المشكلة المناسبة الحجم القانوني المناسب ، وأكبر أحجامها كبيرة . فكان نبعا باردا يروي صحاري ملح من الاضطرابات النفسيّة . وفي كلّ هذا لا يطلب الدليل بوضع إصبعه على الجرح النفسي والموجع ، بل على القارئ أن يتوصّل الى البرهان ، بما أوتي من معرفة عارفة ، ومعرفة انتقاديّة ، بدون حاجة الى شكّ توما .

2-  ما عتّم الأباتي أنطوان راجح الى وضع شرح وافٍ لمجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة بكاملها المستوحاة من الفاتيكان الثاني، وذلك بمعاونة كوكبة من الأساقفة والكهنة والرهبان خرّيجي الجامعة الحبرية المميّزة . وهذا الرصيد القانوني لا يقلّ وزناً وقدراً عن شروحاتCERF / TARDY  و WILSON/LAFLEURللقانون الغربي .

وانصرف الى تفكيك نصوص شروحات قوانين الكنائس الشرقية ، وتجزيئها ، ليخلص الى تجريد أفكارها الرئيسة وسائر الأفكار التي تتفرّع عنها أو تمتدّ منها ، حتّى شخّصها وأدخلها في مؤلّفات له أخذت فيها عيوب الرضى في بطلان الزواج موقعاً مركّزاً .

 

3- مؤلّف التلجئة : يلاحظ في التلجئة اختلاف ما بين الارادة الداخليّة ومظاهرها الخارجيّة : الكلمات والاشارات لا تطابق نيّة من يلفظ هذه الكلمات وإرادته . أي الشفاه تقول نعم ، والقلب يقول لا ! لا بدّ من دافع جدير بالتصديق يبرّر إصدار فعل التلجئة . وفي حال غياب فعل الارادي الرافض ، فلا مجال للتكلّم على حصول التلجئة . والفعل الارادي الوضعي قسمان : صريح وضمني . وهناك التلجئة الكاملة وهي رفض الزواج بحدّ ذاته- والتلجئة في حلية الديمومة- والتلجئة في حلية الإنجاب- والتلجئة في حلية الأمانة .

     ومنذ تشريع الشرق الجديد وصاعداً ، للزوجين حقّ الطعن بصحة الزواج ، أي تقديم دعوى بطلان زواج ، حتّى ولو كان المستدعي متسبّباً بوقوع البطلان ، لأنه يستحيل أن يفرض على أي كان ، أن يعيش بالتسرّي وبشكل دائم ، معاقبةً على سوء نيّته حين عقد الزواج .

    وزاد المؤلّف على ذلك " خير الزوجين " الذي أتى به المجمع الفاتيكاني الثاني ، بما هما عليه ، وبما لهما بكامل العطاء والقبول ، بفضل تصوّرهما المشترك والمتفاني .

 

4- مؤلّف " الغلط والخداع " ، الفاتيكاني الثاني يشكّل ثورة جامحة للمفهوم التقليدي للغلط ، ومنه نستشفّ ملامح التغيير التي قادتنا الى مفهوم الصفة بمعناها الحديث المتطوّر .

فالقانون 1097 غربي الذي ماثله القانون ٨٢٠ شرقي ، أوجب أن يقع الغلط على " الصفة المقصودة بطريقة مباشرة وبصفة جوهرية" ، وبعد نشر هذا القانون توسّع الاجتهاد باعتماد الصفة الجوهرية الشائعة هي الغلط كسبب لإفساد الرضى . وكذلك توسّع باعتماد أيضاً النيّة الضمنيّة بإثبات الغلط في الصفة، وغير مطلوب فعل إرادة وضعي مهما تكن الصفة مهمّة بحدّ ذاتها أم لا ، ويمكن أن تؤدّي الى الغلط في الشخص اذا تبيّن من نيّة العاقد  أنّها هي التي أفضت به اختيار هذا الشخص دون سواه ، ولو لم تكن هذه الصفة متوفّرة فيه لما وقع الاختيار عليه وحصل الزواج .

 

إن قانون الغش ظهر بظهور الفاتيكاني الثاني ، والإدّعاء به أسهل من الإدّعاء بالغلط ، كون في الغلط ينبغي أن تكون الصفات المقصودة ملتصقة بالشخص الآخر . بينما في الغشّ ، يمكن أن تكون الصفات المقصودة غريبة عن شخصيّة الشخص الآخر . ويجب أن يكون الخداع سبباً للغلط .

 

5- مؤلّف بثلاثة عناوين : " جهل طبيعة الزواج ، الاكراه والخوف الشديد ، الشرط ".

 

جهل طبيعة الزواج: يعتبر حاصلاً فيما لو جهل أحد فريقيّ العقد الجنس الآخر، أو إذا كان لا يجهل الجنس الآخر، عليه أن يعرف على الأقل أن البنين هم ثمرة العلاقة الجسديّة بين الزوجين المختلفي الجنس .

 

6- الاكراه والخوف الشديد: إن التشريع الجديد أخذ بالخوف غير المباشر ، بموجب نصّ صريح ، فقال بأنه يؤخذ بالخوف ولو لم يكن موجهاً لعقد الزواج . ولم يذكر أنه يجب أن يكون صادراً عن علّة خارجيّة.

وإن التّشريع الجديد أخذ بالمعنى الواسع للخوف خلافاً للتشريع القديم ، لأن المجمع الفاتيكاني الثاني اعتبر أن كرامة الشخص البشريّ تفرض أن يكون كامل الحرّية في اختيار الشريك في الزواج ، وهذا هو الحق في اختيار الأسرار ، والزواج هو سرّ من هذه الأسرار .

 

والإكراه على نوعين: مطلق ( قسر مادي ، جسدي ، خارجي وكامل ، صادر عن علّة خارجيّة كالتعذيب مثلاً) وهو أحياناً مشروط ، أي تُخيّر فيه الضحيّة إمّا احتمال شرّ معيّن ، وإمّا العمل بإرادة المكره .

 

الشرط : من الشروط ما هو مقبول ومنها غير مقبول في التشريعين الغربي القديم والجديد . أما القانون الشرقي الجديد فاستقل عن القانون الغربي ، ونصّ على أن كل الشروط محرمة .

نميّز بين شرط تعليق مستقبلي (وهو يوقف مفعول الرضى ، ويعتبر شرطاً بحصر المعنى) ، وشرط الغاء مستقبلي (وهو شرط ينفي العمل القانوني ويزيل الموجب الناتج عنه ) .

 

7- أصول المحاكمات المجدّدة في الدعاوى الزواجيّة الكاثوليكية : بعض ما قاله المثلث الرحمة منصور حبيقه ، في تقديم الكتاب أدرجه كما يلي : " يمتاز الكتاب قبل أي شيء آخر بموضوعه ، فإني لا أعرف غيره في اللغة العربيّة تناول شرح أصول المحاكمات وفق مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة ، وتصدّى بنوع خاص للإشارات التطبيقيّة ، واستعرض آراء الشارحين فيها بأمانة مع ذكر المراجع، وخلص الى رأيه الخاص" .

وواصل قائلاً : " يمتاز هذا الكتاب بشموليّته ، فإنه تناول كلّ فصول هذا القانون دون اجتزاء ، مراعياً التسلسل الذي التزم به القانون . كما توسّع ليرتكز أيضاً على قرارات الهيئة العامة لمحكمة التمييز اللبنانيّة ، في تفسير بعض قوانين الاحوال الشخصيّة ، وطرق تنفيذها . وبذلك يتطرّق لموضوع صلاحية القاضي ، وأهليّة المتقاضين ، ودور المحامي عن الوثائق والمحامي عن العدل ، كما يرافق كل مراحل التحقيق وتشعّباتها ، وصولاً الى الحكم ومضامينه الرئيسيّة وكيفيّة صياغته" .

 

8- مؤلّف الطعن في الأحكام القضائيّة الكنسيّة : " انتقل الأباتي انطوان راجح الى طرق الطعن في الأحكام العاديّة والاستثنائيّة مع تمييز دقيق بين طرف وآخر ".

 

9- مؤلّف الزواج المقرّر غير المكتمل : " هو عجز الرجل أو المرأة عن الجماع . ودعوى اللااكتمال دعوى إداريّة ، ليس للماثل فيها صفة المدعي ، بل الملتمس . ولا محلّ للمحاكمة الحقوقيّة . في هذه الحالة لا يطالب بأي حق، إنما يُرفع التماس لنيل انعام التفسيح . ينظر بالطلب محقّقInstructeur)).

ولا ينظر الى المحقق كقاضٍ . يأخذ إفادات الشهود ويجري أعمال الدعوى الاخرى .

ويجب أن يستحضر محامي الوثائق ، وعند إتمام التحقيق يُرسل الأعمال الى الرئيس الكنسيّ الصالح مرفقة بتقرير مفصّل . وعلى الرئيس الكنسيّ أن يرفعها الى الكرسي الرسولي مع رأيه ، الذي لا يصدر حكماً بل تفسيحاً ( Dispense).

ومن الملاحظ أن دعوى اللااكتمال ، هي من الحالات الاستثنائيّة التي ينحلّ فيها الوثائق الزواجي ، خلافاً للمبدأ الأساسي في نظام الزواج الكاثوليكي حيث " لا طلاق اطلاقاً ".

 

8- مؤلّف " فلسفة القانون " الذي يجمع الكثير من المعاني القانونيّة ، وفي طليعتها الناموس الطبيعيّ الذي هو انعكاس للناموس الأزليّ المغروس في قلب كلّ انسان أينما وجد ، والى أيّة ديانة انتمى . واذا كانت شرائع المجتمع او الدولة جائرة ، أو مناهضة للناموس الإلهيّ المنعكس ناموساً أو حقاً إلهياً في قلب كل انسان ، فلا يجوز الخضوع لها ، لأن إطاعة الله أولى من إطاعة البشر أو الدولة.

ما يثير الدهشة في هذا المؤلف ، إن قراءته لا تعني تقديم الأجوبة فحسب ، بل إيجاد أسئلة صحيحة إنطلاقاً من هذه الأجوبة ، حيث كلّ جواب عن سؤال ، يكون حافزاً لسؤال آخر .

 

9- مؤلّف " الأوقاف المسيحيّة في مضامين الشرع نبذة تاريخيّة وتعليق على الشرع النافذ " . إنّ المؤلّف ، فضلاً عن أنه أكثر الباحثين تضلّعاً في القانون الكنسيّ ، قد تعمّق أيضاً في القانون المدنيّ . ولو لم تكن له القدرة على الإبداع في القانونين المذكورين ، لما تولّى التأليف في الأوقاف ، حيث القانون المدني يدخل في القانون الكنسيّ كما في الوقف الخيري والدينيّ ، ويفترق عنه كما في الوقف الذريّ الذي يقضي توسّل الوسائل المدنيّة الصرف .

 

باختصار

 

هذه المؤلّفات المثمّنة قانوناً ، أصبحت مرجعاً ثابتاً يمكّن الباحثين في حقل القانون الكنسيّ قضاةً ومعلّمين وطلاباً ، من أن يكتسبوا القدرة على تولّي النصوص الجديدة ، وموازنتها مع النصوص القديمة السابقة للمجتمع وتقييمهما .

   هذا هو الأبّاتي انطوان راجح ، ذو العقل الكارتازي Decartes، لا ينحاز ولا يُجامل ، وقد تحصّن بالأخلاق ، وسِعة القانون ، والترفّع عن الرشوة والموبقات . فالقانون في فهمه ليس قطعة آثار قيمتها بقيمة الغبار عليها وعمر السنين ، بل تطوّر وتفاعل ، يُطيعه كما تُطيع الأشياء جاذبيّة الأرض ، فلا يمكن للقانون أن يكون شيئا يحجّم مشاكل الناس بأحجام مُجفًفة ، معلّبة ، ومصوّرة .

   وبهذا يعطي أفضل ما عنده ، وإنّه النبتة المفكّرة التي تكلّم عليها باسكال PASCAL. وإنْ قيل : " لكي تعرف قليلاً عليك أن تقرأ كثيراً " ، فإنّه يعرف كثيراً ، ويقرأ كثيرا . هو دائرة معارف ، نوافذها تشرق منها نفسه على عالم القضاء ، خصوصاً كونه قاضياً .

وإن كان قريباً على بُعدٍ إذا اعتلى قوس قضاء ، فإنّه القريب القريب ، وليس أبداً بعيداً إذا خالط الناس . هذا سرّه . وقد اكتشفت منه هذا السرّ الذي يجمع ولا يُبعد .

من حقّ محاكمنا الكاثوليكية ، ورهبانيّته الأنطونية السامية الذكر ، أن تفاخر به . ما يقرّبنا ممّا جاء في الكتاب المقدّس ( أمثال : 21/2 ) : " فعل العدل والحقّ ، أفضل عند الربّ من الذبيحة".