ندوة حول كتاب الأب د. ناصـر الجميّـل

"الـرمـوز المسيحيـة"

الأربعاء 23  كانون الثانـي 2008

   كلمة العميد الأب بولس روحانا
   كلمة الأب يوحنا الحبيب صادر
  الأب جورج باليكي البولسيّ
  الأخت كليمنص حلو



بمناسبة صدور كتاب "الرموز المسيحية" للأب ناصر الجميل نظمت الحركة الثقافية - انطلياس ندوة شارك فيها كل من الأم الرئيسة كليمنص حلو، الأب يوحنا الحبيب صادر، الأب جـورج باليكي وتولى تقديم الندوة الأب بولس روحانا.

واليكم نصوص الكلمات

  كلمة العميد الأب بولس روحانا

يُسعدُني ويُشرّفني أن أُرحبّ بكم جميعاً باسم الحركة الثقافيّة - انطلياس، وقد كلّفتني من خلال أمينها العام الصديق الدكتور عصام خليفة، إدارةَ هذه الندوة الفكريّة حول كتاب "الرموز المسيحيّة" للخوري الدكتور ناصر الجميّل المحترم، والذي صدر في العام 2007.

الكتاب الذي يجمعُنا في هذه الأمسية، أو الذي نجتمعُ حولَه وحول مؤلّفِهِ، هو حلقةٌ جديدة في سلسلة الدراسات والأبحاث المتنوّعةِ المواضيع التي يُطلّ بها علينا الخوري ناصر بشكل دوري، وكأنّنا على موعد فكريّ ثابتٍ معه، منذ أن أصدر في العام 1984 أطروحتَه الشهيرة عن التبادل الثقافي بين الموارنة وأوروبا عبرَ تلامذة المدرسة المارونيّة في روما التي أُنشأت في العام 1584. وقد شكّل هذا البحث الرصين والموثّق ولا يزال المنطَلَقَ الأساس لكلّ الأبحاث اللاحقة التي قام بها هو وغيره في سبيل بلورة هذا التبادل الذي أَسهم بشكل أساسيّ بصقل شخصيّة لبنان الفريدة في العصر الحديث والمعاصر والقائمة على التلاقي المخصب بين الشرق والغرب.

بعد لحظات معدودة تستمعون الى مداخلات حضرة المشاركين الثلاثة في هذه الندوة وهم يقدّمون لنا كتاب الرموز المسيحيّة  للخوري ناصر. قبل ذلك لا بدّ من الإشارة بأن الدراسات التي يُصدرها تِباعاً أَغنَتِ المكتبة العربيّة المسيحيّة بنتاج علمي جامعي وكنسيّ ملتزم. فالخوري ناصر هو في آن أستاذٌ متفرٌغ في كليّة التربية في الجامعة اللبنانية منذ العام 1986 وكاهن غيورٌ وملتزمٌ قضايا كنيسته. فلا تناقضَ أو نفورَ عنده بين الحالتين انما نحن معه أمام التزامٍ واحدٍ يتجلّى في خدمة الحقيقة والإنسان.

ونتبيّن ذلك في كتابه عن "حياة البطريرك الدويهي ومؤلّفاته"، وكتابه عن "النساخ الموارنة ومنسوخاتهم" (وهو في خمسة أجزاء، بيروت 1997-2004)، وكتابه عن "آل الحاقلاني وآل الباني" (2005) وكتابه "جنى الخمسين" (2004) وهو ضُمّة مقالات في التاريخ الكنسي، وكتابه عن المجامع تحت عنوان " الكنيسة لا تحيا ولا تنمو إلا مجمعيّاً" (2006).

وفي الختام أشكر باسمكم الخوري ناصر على عطاءاته العلميّة في التاريخ الكنسي واللاهوت راجياً أن يمدّه الله بالصحة والقوّة والعزم لكي يُطلّ علينا بعد سنوات عديدة "بجنى الخمسِ والسبعين" ولما لا "بجنى المئة" كما أطلّ علينا منذ سنوات أربع "بجنى الخمسين".

وشكراً

 كلمة الأب يوحنا الحبيب صادر

        لقد قرأت بشغف كتاب حضرة الأب ناصر الجميّل، وتمعّنت بجميع الرموز التي عالجها في موسوعته وتوغّلت في معانيها وخصوصاً وأنا شخصياً بحكم اختصاصي في علم الآثار من المدمنين على هذا النوع من البحوث. دُهشت من سِعَةِ اطّلاعه كما من وفرة المواضيع التي طالها في كتابه، وكذلك من المجهود المضني، كما أعتقد، الذي بذله كي يدقّق في معنى كلّ شاردة وواردة من هذه الرموز.

        لم أكن في الحقيقة أتخيّل أن هذا العنوان قادر أن يتضمّن هذا العدد من الفصول: اثنين وعشرين فصلاً ما عدا الملاحق.

        1- تحتَ عنوان الرموز المسيحية، تندرج أولاً الرموز الليتورجية في أكثر من تسعة فصول وهي مهمّة بالنظر إلى الكهنة الذين يحتفلون بالليتورجيا، كما بالنظر إلى المؤمنين الذين يشاركون في الاحتفالات. وأنا بصفتي عضواً في اللجنة البطريركية للشؤون الليتورجية سأقترح على سيادة المطران بطرس الجميّل رئيس هذه اللجنة، كما على أعضائها العلماء، أن يصنّفوا هذا الكتاب في برنامج علم اللاهوت والطقوس للطلاّب الاكليريكيين الذين يتحضّرون للكهنوت.

        2- ثانياً تندرج تحت عنوان الرموز المسيحية رموز الأعياد السيدية وأعياد العذراء والشهداء والقدّيسين. وهذا مطلبٌ قد يجهلُ العددُ الكبيرُ من المؤمنين تاريخه ومعانيه وتطوّره عبر التاريخ، كما أنهم يجهلون ما نتج عنه من تعبّدات وأخويات ومزارات في كلّ أنحاء المسيحية.

        3- تندرج ثالثاً تحت عنوان الرموز المسيحية الرموز الايقونوغرافية وتاريخها ومعانيها واستخدامها في الزيّاحات التقوية، ودلائل الألوان وبُعدها الصوفي.

        4- تندرج رابعاً تحت عنوان "الرموز المسيحية" الأسرار الإلهية مع كلّ توابعها المادية والصلوات التي تواكبها.

        5- ولا ينسى الأب ناصر الجميّل يدرج تحت هذا العنوان رموز الحيوانات والطيور، ورموز الأشجار والزهور التي تذكرها النصوص المسيحية والتي اتّخذتها لتزيين واجهات المعابد وثياب التقديس وزخرفة الكتب الطقسية. كما أنه ذكر بتوسّع رمز جسم الإنسان بالتفصيل.

        6- تندرج سادساً في الكتاب رموز الأسماء والأزمان والأوقات والأعداد والأشكال والأعلام والشارات والديانات والموت. جميع هذه الرموز يصير لها في نهاية المطاف عند الأب ناصر علاقة بالمسيحية وبسفرها الطويل عبر الزمن.

        رغم سعة المواد المذكورة، لا أقول بأن كلّ الرموز المسيحية قد وردت في الكتاب. فهناك المئات منها دخلت المسيحية في القرون الأولى من خلال التراث اليهودي- المسيحي Judéo-Chrétian. وقد كتب عنها أوائل آباء الكنيسة كالقدّيس يوستينوس وسواه. وفي عصرنا الحاضر مؤلّفات مهمّة لمدرسة أورشليم الفرنسيسكانية اشتهر منها الأبوان باغاتي وتستا. وكتاب هذا الأخير Il simbolismo Jiudei Xei هو مرجع ضخم لكلّ هذه الرموز.

        هناك رموز مسيحية أخرى ظهرت انطلاقاً من القرن الخامس على أثر ظهور طائفة الرهبان العموديين، وطائفة النسّاك والمتوحّدين. فكان الزوّار يحفرون هذه الرموز على أعمدتهم وعلى جدران مناسكهم كتقادم نذورية وغيرها. وقد كتب عنها الآباء بينا ورودريكز وفرنننديز.

        يمكنني أن أشير أيضاً إلى رموز فينيقية تجريدية، تبنّاها مسيحيّو الجبل اللبناني ونصرنوها بعد انتمائهم إلى المسيحية.

        لكنّني أعود فأقول أن كتاب الأب ناصر هو من الكتب النادرة في لغتنا العربية ويستحقّ كلّ اهتمام. واعتبره خطوة نوعية في الثقافة اللبنانية والعربية.

الأب جورج باليكي البولسيّ

       

يُسعدني الليلة أن أكون واحدًا من خمسة دعَتهم «الحركة الثقافيّة - انطلياس» كي يشاركوا في ندوةٍ تعود بنا إلى جذور المسيحيّة، إلى عهد مبادئ تواصل الإنسان بأخيه الإنسان بواسطة الصورة والرمز والصوت والإشارة.

        واحدنا، أنيطت به إدارة الجلسة هو الأب بولس روحانا المحترم؛ وثلاثةٌ يتحدّثون عمّا شعروا به لدى تصفّحِهم الكتاب، وغوصِهم وراء الكنوز الثريّة التي ينطوي عليها، والتمعّن في دلالاتها؛ والخامس صاحب الكتاب، هو الخوري ناصر الجميّل الجزيل الاحترام. وقد صدق فيه ما جاء على لسان الرسول متى الإنجيليّ في خاتمة تعليم السيّد المسيح بأمثال، قال:

        «أفهمتم هذا كلَّه؟». قالوا له: «نعم». فقال لهم: «هكذا كلُّ كاتب تلقَّى تعليم ملكوت السماوات يُشبه ربَّ بيتٍ يُخرج من كنـزه جديدًا وعتيقًا» (متى 13: 51 - 52). والخوري ناصر في كتابه «الرموز المسيحيّة» أخرج من كنوز قديم الأيام رموزَها وعرضها لنا مفصَّلة المعاني واضحة التأويل.

        أبدأ من آخر الكتاب، في الصفحتين الأخيرتين، لأطّلع على ما أعدّه حضرة المؤلّف الخوري ناصر الجميّل، ونشره منذ 1984 حتّى اليوم، وعلى ما هو قيدَ الإعداد، من جديد وعتيق والمعتَّقُ فيه أكثر من الجديد، حيث يعود حضرة الخوري ناصر المؤلّف إلى التراث القديم فيستنبشه ويستقرئه عبرةً من الماضي للحاضر وللمستقبل، ويقدّمه خمرًا معتّقة لذيذة الطعم والمذاق: فالتبادل الثقافيّ والعلميّ والحضاريّ لم ينقطع يومًا بين أوروبّا والموارنة، أسّست له ورسّخت قواعدَه مدرسة عين ورقة الشهيرة، أمُّ المدارس ومربيّة أجيالٍ من الملافنة والمعلّمين، دينًا ودنيا، تبادلٌ جاء مستشرقون وسوّاحٌ وحجّاجٌ ونهلوا مبادئه من معين الشرق بالذات، فشاهدوا كنائس لبنان وخبروا تقوى روّادها، لبنان الذي، منذ فجر المسيحيّة، كان قد انتقل من الوثنيّة إلى المسيحيّة، تشهد على ذلك وفرةُ ما خلّفه النسّاخ الموارنة من منسوخات، وما خلّده أعلامٌ نزحوا إلى الغرب فلمعوا فيه، من أمثال آل الحاقلاني وآل الباني، تلامذة المدرسة المارونيّة برومة. وإذا ﺑ «مذكّرات السنوات الخمسين الأولى» تشهد على ما آل حضرة الخوري ناصر على نفسه تحقيقَه في خدمة الكنيسة، الكنيسة التي رأى وخبرَ أنّها لا تحيا ولا تنمو إلاّ مجمعيًّا.

        مؤلّفات حضرة الخوري ناصر الجميّل المحترم التي استعرضناها لأشبه بجبل الجليد العائم في البحر لا يُرى منه سوى العشر، والمغمور منه، وما هو قيدَ الإعداد لأعظمُ بكثير: فالتسعة الأعشار الباقية سوف تحدث، عند ظهورها، في ميادين تاريخ الكنيسة الجامعة، وتطوّر الفكر التربويّ، وبيبليوغرافيا المؤلّفين الموارنة، وفي القسم المارونيّ من تاريخ جورج غراف في الآداب العربيّة المسيحيّة، وغيرها الكثير...، سوف تحدث، على ما يُظنّ، «تسونامي» فكريًّا وعلميًّا يغمرنا بآلائه ويؤكّد عظمة هذا الوطن الصغير وفضلَه على كلّ ما في الشرق من نهضةٍ وانفتاح وآمالٍ للمستقبل.

        أمّا كتاب «الرموز المسيحيّة» الذي اجتمعنا في هذه الندوة لدراسته وتقويمه وتقديمه إلى أوسع جمهور ممكن، فلقد صدق سيادة المطران أنطوان - حميد موراني العلاّمة، رئيس أساقفة دمشق سابقًا، بأن قال عنه في تقديمه إنّه «المفاجأة الكبرى»، لأنّ حضرة المؤلّف الخوري ناصر الجميّل «يُخرج الإنسان من مجال التلاصق المكانيّ أو الأرضيّ إلى ملحمة الشعوب التي تضع رموزًا لها لتبلغ ما هو أبعد من المعطى الأرضيّ».

        كيفما سار الإنسان، يرى نفسه محاطًا بالرموز، الدينيّة منها والمدنيّة. ففي الطرقات رموزٌ مختلفة تسيّره، وفي بيته رموزٌ وإشارات تلقّنه حسنَ إدارة ما يستخدم من أدوات منـزليّة أو آلات مكتبيّة، وإذا قصد بيت الله فهناك رموزٌ تقود خطاه منذ ولوجه باب الكنيسة حتّى آخر لحظة من مناجاته الله عزّ وجلّ، في السرّ أو في العلن.

        وإذا تلقّن علوم الرياضيّات أو الفيزياء والكيمياء أو علم الفلك فهناك الرموز التي تختزل وتشير إلى الخفايا وتوضح المبهم وتشحذ الذهن وتغذّي الذاكرة، وتختزن فيهما المعلومات.

        كان بإمكان حضرة المؤلّف، الخوري ناصر الجميّل، أن يكتفي بشرح بعض الرموز الدارجة، لكنّه أراد أن يكون كتابه «موسوعة»، وإن كان نعَت الرموز ﺑ «المسيحيّة» فما ذلك إلاّ من باب تسمية الكلّ بالجزء، لأنّه لا يقتصر في حديثه على «الرموز المسيحيّة» فحسب، بل يتطرّق إلى معانيها هي نفسِها، في الديانات القديمة الآسيويّة، وفي اليهوديّة وفي الإسلام، إن وُجدت.

        وجدتُ، بالنسبة إليّ، شرحًا لتساؤل كان يساورني في الصلاة عند الصباح. يكرَّس يوم الأربعاء والجمعة في الطقس البيزنطيّ لذكرى الصليب الكريم المحيي. فنقرأ في إحدى الصلوات:

        «شوهدتَ لأجل صلاحك مرفوعًا على سروة وصنوبرة وأرزة، أيّها السيّد، أحدُ الثالوث المقدّس، ذو الأقنوم الواحد والمشيئتين، حتّى تخلّص الإنسان».

        فكنتُ أعجب من أمر جَمع الشجرات الثلاث تلك في خشبة الصليب. فعدتُ إلى الفصل 17 من كتاب حضرة الخوري ناصر، إلى رموز الأشجار والأزهار. فإذا السروة ترمز إلى طول العمر وتحمّل الصعاب والخلود؛ والصنوبرة ترمز إلى الشجاعة والعزم والحظ، وإلى الخصب؛ أمّا الأرزة فترمز إلى القدرة والترسّخ والخلود وعدم الفساد. فكأنّي بالكاتب يرى في الصليب رمز الخلود والعطاء وعدم الفساد. ولربّما يكون في ذلك الشرحُ الوافي.

        ومرّة كنتُ أمام بثٍّ لتلي لوميير، وإذا بحضرة الخوري ناصر يشرح في البرنامج معنى الصليب وإشارة الصليب وكيفيّة رسمها، فتمنّيت لو تعمَّم تلك الشروحات وتعلَّم في المدارس ومعاهد التنشئة للبالغين، فيطّلع مؤمنونا على ما في المسيحيّة من كنوز لا تقتصر على الكتاب المقدّس، بل على كلّ ما ورثنا من تقاليد. وإذا بالحُلم والتمنّي أصبح حقيقة، هو كتاب «الرموز المسيحيّة».

        كتاب «الرموز المسيحيّة» أصبح، منذ صدوره، في الفصل الأخير من السنة المنصرمة، حدَثًا وواقعًا ورفيقًا، ونتمنّى له العديد من الطبعات يُعمد في الطبعة الثانية منها، إن شاء الله، إلى تصحيح بعض الأخطاء التي عثرتُ عليها، لدى قراءتي الكتابَ كلّه، أبلّغها مباشرةً حضرة المؤلّف الخوري ناصر، ومنها الواردُ في الكتابة اليونانيّة؛ وإلى اقتراح بعض الأمور تُضاف إذا أمكن تتمّةً للفائدة، وبالأخصّ منها ما يعود إلى بعض رموز الإيقونغرافيّا البيزنطيّة بما أنّه دار الحديث عن الإيقونة.

        قلتُ «بعض الرموز»، لأنّ هذه تتطلّب لشرحها وسبر معانيها موسوعةً أخرى، حبّذا لو تظهر إلى الوجود.

فهنيئًا لك، أبتِ الحبيب الخوري ناصر الجميّل، هذا الكتاب تضيفه مدماكًا راسخًا إلى صرح تاريخ الكنيسة في الشرق الذي تشيّده مشكورًا لمجد الله وخير النفوس، و«تعميقًا للإيمان وترسيخًا للتقوى وتمرّسًا بالتأمّل».

        وهذا ما عبّر عنه سيادة المطران الجزيل الوقار، أنطوان - حميد موراني، في التقديم إذ قال:

        «الخوري ناصر يمتاز بحسّ الاختبار ورقّة تفاعلاته. فكتابه، وإن كانت مادّته مجموعةً من تاريخ كلِّ الشعوب، إنّما هو إطلاعٌ على الطريقة الخاصّة به، التي يتّصل بها بالحياة في بُعدها الأسمى».

إنّ القداسة الحقيقيّة هي في سعي كلٍّ منّا للبلوغ، من خلال الرموز إلى الحقيقة، «إلى [حالة] «الإنسان البالغ، إلى ملء اكتمال المسيح» (أف 4: 13).

       

الأخت كليمنص حلو

قرأتُ بإعجابٍ وتهيُّبٍ «الرموز المسيحيَّة» للأب ناصر الجميِّل، وقد عوَّدنا على جدِّيته وعمقه وسعة اطِّلاعه، وعلى الأخصّ هنا، حيث تنبع الدراسة من قلب الكاهن الملتصق بربّه والغيور على الرعيَّة وعلى الكنيسة. وقد اكتشف من خلال غوصه في جماليَّة الرموز وشعائرها وخبراتها «أنَّ العبادة الدينيَّة تكون رمزيَّةً أو لا تكون»، فقدَّم لنا «مائدة رموزٍ مضيافة، تساهم في تعميق الإيمان وترسيخ التقوى والتمرُّس بالتأمُّل»، حسب قول المطران حميد موراني.

«رموز مسيحيَّة»: موضوعان شائكان يطرحان مشكلة المعنى، وبالتالي التواصل الإنسانيّ والإيمانيّ والكونيّ في العبادة المسيحيَّة. فكيف نقرأ هذه الرموز؟ نحاول قراءتها باتّباعنا ثلاثة محاور:

إستعادة الرموز اليوم شبابها، واستحالة قراءتها إلاَّ «بعيون الأطفال»، والنقلة الإيمانيَّة التي تستوجبها هذه القراءة من الظاهر إلى الخفيّ.

أوَّلاً، استعادة الرموز شبابها

لقد أُجحف طويلاً بحقّ الرموز، منذ قال ديكارت: «أنا أفكر إذًا أنا موجود»، في القرن السابع عشر. فقدَّس الغربيُّون العقل وعبدوه في الثورة الفرنسيَّة وما تلاها. إلى أن عادت الأمور إلى مجاريها من خلال الفكر «الفينومنولوجيّ» والوجوديّ والشخصانيّ، في بداية القرن العشرين، ومعه عادت للحَدْس مكانته، وللوجود الكليّ بحدّ ذاته قيمته، وبالتالي  للشعر عامَّةً وللرموز خاصَّةً أهميَّتها. فبدأت تعود الى الحياة عبقريَّة الشرق المتجلِّية في التراث ورموزه، وعلى الأخصّ في لغاتنا الساميَّة. وعاد إلى البروز أَعلامنا الروحيُّون الذين توسَّلوا الشعر والرموز والإنشاد أداةً لإيصال كلمة الإنجيل خالصةً إلى العقول والقلوب. أمثال: كاتب «أناشيد سليمان» وأفرام ونرساي ويعقوب السروجي. وبين المُحدَثين: الآباء ميشال حايك، يوحنَّا خوند الحبيس، منصور لبكي، روفائيل مطر. والشعراء: الأخوين رحباني وسعيد عقل وهنري زغيب وموريس عوَّاد. كلّهم يجعلون من رمزيَّة الشعر تعليمًا وهذيذًا روحيًّا ورؤيا. من هذه الرموز المثقلة بتاريخ الخلاص في الكتاب المقدَّس أو المستوحاة من جمالات الكون ومعاناة البشر استقى الشعرُ روحَهُ، والإيمانُ مطلاَّتِه، والحبُّ بلاغتَهُ. فكم من رمزٍ يساوي قصيدةً بأكملها!

من حسن حظِّنا أنَّنا ارعوينا عن غفلتنا، وبدأنا نتوب إلى الجذور في بداءتها الرمزيَّة وأصالتها الشعريَّة. وخير شاهدٍ على ذلك الصحوة الحاليَّة إلى غنى التراث، وعلى الأخصّ في الوادي المقدَّس الذي كادت معالمه الرمزيَّة تندثر، وهي من بداية القرن الثالث عشر.  فيبقى أثرًا بعد عين.

في سياق استعادة التراث لفتني في كتاب الأب الجميِّل توارد الرموز والصور وهندسة الكنائس في ثلاثة فصول من كتابه (الأول والثامن والأخير)، مع تلك التي نُقشت في صخور قنُّوبين ورُسمَت في مغاورها.

في الفصل الأوَّل، تجد «رمزيَّة الصليب» لها صدًى على واجهة المدخل الأساسيّ لدير سيِّدة قنُّوبين، وقد حُفرت في صخوره صلبانٌ عدَّة: المالطيّ والمعكوف والمروحيّ، وعلى أحد الأعمدة «تاو» مار أنطونيوس أو صليبه. وفي ذخائر هذا الدير، وجد إنجيل ربُّولا مع مُنَمنماته المشهورة (القرن السادس). وتتمحور هذه المنمنمات حول الصليب الذي هو أوَّل صليبٍ فنيٍّ في الكنيسة، حسب تأكيد الأب يواكيم مبارك. وقد نُقل هذا الإنجيل إلى مكتبة فلورنسا في القرن السابع عشر، حيث يحتلّ المرتبة الأولى. ولا تزال كنيستنا حتَّى اليوم تستوحي من مُنَمنماته نهج الإيقونوغرافيا وروحانيَّتها.

وفي الفصل الثامن، تجد «رموز بناء الكنائس» مثالاً حافلاً لها في دير سيِّدة قنُّوبين: كنيسةٌ في مغارة. وهي أشبه بقبر المسيح  في سبت النور، يُفتح فيه بابٌ خجول للضوء إيذانًا بدحرجة الحجر في فجر القيامة المنتظر. الهندسة سريانيَّة أنطاكيَّة بامتيازٍ وتميُّز. تُمثِّل الكنيسة الأنيقة ببساطتها وتقشُّفها الكونَ بأعمدتها الأربعة المُتَّجهة صوب المسيح القائم في الحنيَّة الكبيرة فوق المذبح. على الأعمدة رسوم الفصول الأربعة، وهي تختصر مسيرة المسيح من الآلام حتَّى القيامة والبشارة. وفي غيرها من الرسوم القليلة الباقية ما يذكِّر بالأسرار، مثل الطاووس فوق جرن الماء المباركة تيمُّنًا بالمعموديَّة، أو الورديَّات المزخرفة بورق النخل وبنجميَّات السقف أو مدار الحنيَّات.

أمَّا في الفصل الأخير من الكتاب فتُتَوَّج الرموزُ كما الحياة بجدرانيَّة الضابط الكلّ الذي «نؤمن به». وقد نُقشت هذه الجدرانيَّة على مدخل كاتدرائيَّة شارتر في فرنسا، حيث تُطلّ علينا من بعيدٍ عندما نحجّ إلى الكاتدرائيَّة، وكأنّ اللَّه آتٍ إلى استقبالنا. هذه اللوحة تجد مثيلاً لها في جدرانيَّة الحنيَّة الكبيرة، قُبَّة السماء، في دير سيِّدة قنُّوبين التي تنتهي إليها مسيرة الكون. فهي غنيَّةٌ بمدلولها البيبليّ على الرغم من بداءة رسمها وضخامة صورة  الضابط الكلّ Pantocrator  وطغيانها بطريقة غير مألوفة.

هذه الجدرانيَّة مستوحاة في مجملها من رؤيا يوحنَّا في الفصلَين الرابع والخامس. الخالق هو «الجالس» على العرش. فهو ليس فقط الملك والديَّان، بل الفادي وقد وُضع أمامه الحَمَل على مذبحٍ صغير. ما يذكِّرنا بكلمات القدَّاس «يا حَمَلاً صار لنفسه حَبْرًا مُقَرِّبًا». يرفع يده اليمنى بارزًا إصبعَين، دلالةً على وحدة اللاهوت والناسوت، ومتأبِّطًا الكتاب المقدَّس مختومًا بسبعة ختوم. إنَّه سفر الحياة وسرّ الأسرار. لن يفضَّ هذه الختوم ويدخل في سرِّها كاشفًا معانيها إلاَّ مَن «آمن وأَحبَّ حتَّى النهاية»، مثل المسيح، قارئًا متأمِّلاً جيلاً بعد جيل. والعجيب في هذه الجدرانيَّة إحاطة الخالق بخليقته التي تمثِّل الكون بأسره: أحياءٌ أربعة: النسر (رئيس الطيور)، والعجل (رئيس الحيوانات الأليفة)، والأسد (رئيس الغابة)، والإنسان المترئِّس على جميعها. هؤلاء الأحياء الأربعة في أربعة أقطار المسكونة، يتحوَّلون إلى سيرافيم أشعيا في صخرٍ مستعصٍ، قد انقلب ليتورجيَّا تختلط فيها تسابيح الأرض والسماء، صوتًا وصورة، وهم يردِّدون ليل نهار في قدَّاسهم الكونيّ: «قديش، قديش، قديشَت، قدوُّسٌ، قدوُّسٌ، قدوّس، الربّ الإله القدير كان وكائن ويأتي» (رؤيا 4: 8).

هذه الرموز تبقى صمَّاء كالحجر الذي نُحتت فيه إذا لم ندع لها سبيلاً للنطق، إذا لم نتبنَّاها ونتحاور معها، مقيمين إيَّاها من الموت كما  فعل ميكال آنج أمام تمثال موسى، قائلاً «تكلَّم».

ثانيًا، «عيون الأطفال» وحدها تخترق حجب الرموز

بين اللغة والحياة تباينٌ وتجاذب، بل صراعٌ وجوديٌّ، يتوسَّطها الرمز كالجسر بين شاطئٍ وآخَر. فأيَّة لغةٍ مهما تناهت في شفَّافيَّتها، وتفنَّنت في أساليبها، يمكنها أن تطول الحياة وتلامسها، وتترجم ما تزخر به بكلمات؛ وعلى الأخصّ إذا كانت هذه الحياة تعني القُربى من اللَّه، والدخول في سرِّه، وكشف هذه الحقيقة في عمقها وكلّ جوانبها؟

فاللغة، لغة العقائد والمبادىء والتحليلات الفلسفيَّة وحتَّى اللاهوتية منها، ربَّما يمكنها استيعاب المعاني وضبطها وتثبيتها، ولكنَّها تبقى في أدائها محدودةً وناقصة ومجزَّأة لأنَّها محصورة في حدود الاستعمال اليوميّ أو التقنيّ أو العمليّ. بينما الحياة في خبرتها المتجدِّدة ولقائها العميق مع اللَّه أو الإنسان بالحبّ، غير محدودة. فكلّ محطِّةٍ في التلاقي أو في الصلاة والتأمُّل تتحوَّل إلى حَدَثٍ فريدٍ من نوعه، بينما الكلمات لكثرة تداولها تعتق في متاحف القواميس والكتب، أو أقلّه تتعرَّض للقحط والجفاف كالرزق المشاع.

الرموز وحدها كفيلةٌ بإعطاء المدى اللازم للكلمة، وفتح الزمن الحاضر على الماضي والمستقبل، وهي وحدها يمكنها التدخُّل بين اللغة والحياة، في محاولةٍ لشرح ما لا يمكن شرحه وفهم ما لا يُفهم.

والرموز بالنسبة للكلمة، حتَّى التفسيريَّة منها، أغنى وأفقر في آن. أغنى، لأنَّها تحمل الكلمات وتلفُّها وتفتح آفاقها وتُسيِّرها كما الأوقيانوس الكبير، المركبَ الصغير. ولكنَّ الرموز، على الرغم من اتِّساع مداها، هي أفقر من الكلمات. إنَّها هزيلةٌ في بساطتها: الماء التي نستعملها للاستحمام، الزيت والخمر والخبز للمائدة، الضوء للاستنارة، الحَمَل للذبح... كلُّها إمكانات للتحوُّل. ولكن ما تربحه الرموز بتعدُّد الإمكانات تخسره من ناحية الوضوح والتحديد الذي تختصّ به الكلمة. ولذلك فالتفتيش عن الحقيقة والولوج إليها هو رهنٌ بالتفاعل بين الرمز والكلمة. الرمز يفتح المدى وهي تحدِّد الأُطُر، وهكذا دواليك في لولبيَّةٍ لا تنتهي.

مَن يستطيع قراءة هذه الرموز والولوج إلى سرِّها؟ مَن يتوصَّل إلى اختراق مستوياتها الكثيفة؟ إنَّها قبل الكلام تكوَّنت، ومعها تواصل الإنسانُ بالكون. فنسجت تاريخ البشريَّة منذ ظهورها، وزخرت بها أعمار الناس جميعًا. «فكلّ قصَّةٍ وراءها قصَّة»، ولا يطفو منها إلى حيِّز الوعي سوى القليل وبطريقةٍ رمزيَّة، كما يطفو الزبد على وجه اللُّجج. لذلك للرموز مستويات، فهي تأخذ في أعماق اللاوعي صورة الأحلام التي لا تنتهي: أحلام اليقظة وأحلام المنام، يختلط فيها الفردوس بالجحيم. وفي المستوى الثاني، يتحوَّل فيها الحلم شعرًا أو طموحًا أخَّاذًا أو تصوُّرًا خلاَّقًا، ينبت من اللاوعي كالزهرة على النبتة، هي منها وغريبةٌ عنها. هذه الرموز شبه الأسطوريَّة طريقٌ إلى اكتشاف الحقيقة التي لا تكتمل إلاَّ في المستوى الثالث، وهو المستوى القُدْسيّ في تلمُّس القدرة في الكون، والقُربى من اللَّه، والدهشة والرهبة أمامه.

وحدها البساطة المرتضاة، وبراءة عيون الأطفال، المستعادة في زمن الثقافة والنضج، يمكنها أن تلتصق بالرموز وتدخل في أغوارها. «طوبى لأنقياء القلوب، يقول الربّ، فإنَّهم يُعاينون اللَّه» (متَّى 5: 8). هذه النقاوة هي صفوة الحكمة والعلم. وما نراه الآن بعين البصيرة، من تواصلٍ تجسَّدت فيه الكلمة رموزًا، ليس سوى استباقٍٍ للرؤيا. «لأنَّا الآن ننظر في مرآةٍ على سبيل اللغز، يقول القدِّيس بولس، أمَّا حينئذٍ فوجهًا لوجه» (1 كور13: 12).

فكيف يتمّ هذا التواصل والتكامل بين الحلم والحقيقة، بين الكلمة والرمز؟ وأين يتمّ؟

ثالثًا، النقلة النوعيَّة بتفاعل الكلمة مع الرمز

اللغة والرمز يتكاملان. ولكن كيف يتحوَّل الماء الصرف إلى غَسْل تجدُّدٍ بالمعموديَّة، بأبعاده الثلاثة: التطهير والتنوير والخصب الروحيّ؟ والخاتم في إصبعي، رمز العهد والزواج، إلى ارتباط بالمسيح؟ والصليب الذي قد يتألَّف من عودَين مُتَصالبَين، كيف ينتقل من صدر مادونا العاري، إلى عنق حسناء، إلى صليب المسيح؟ هذا التحوُّل سرّ ينتقل فيه الرمز من مستوًى بدائيٍّ شائعٍ إلى مستوًى ثانٍ من الحضور والفاعليَّة في سياق معناه الأوَّل. ولكنَّ المهمّ هو المرجع الذي يعود إليه المعنى.

وعندما يكون المرجع إيمانيًّا فهو رهنٌ بثلاثة: نحن وأنا والروح القدس. والكاهن هو العرَّاب الذي يوجِّه المسيرة ويُعطي إشارات سَيرِها، ويُساهم في إحياء كلمة اللَّه والشهادة لها. ففي الصمت المتعبِّد وفي الليتورجيَّا، تصبح قراءة الرموز تجلِّيًّا. تتضافر في الولوج إليه حواسُّنا العشر، الخارجيَّة والباطنيَّة، فلا يعود يكفي أن نسمع الكلمة الملهَمة بآذاننا، بل «أن نراها بعيوننا، ونتأمَّلها، ونلمسها بأيدينا، فتتحوَّل فينا إلى كلمة حياة» (1 يو 1: 2)، هي يسوع بالذات.

فالأسرار والترانيم الليتورجيَّة تستحيلُ امتدادًا للكلمة المقروءَة، والمفهومة، والمستوعبة. تُؤوِّلها وتشخصنها الخبرة الفرديَّة والجماعيّة. وتتضافر الرموز في المعبد لخلق الجمال والتواصل والانغمار في ذهول الحَدَث، فتتجسَّد الكلمة وتتجلَّى: في هندسة المعبد، في الأصوات، في الألوان، في الأضواء، في الأشياء. وتنبعث الذكرى حيَّةً في الحركات التمثيليَّة. هذا الاختبار الإيمانيّ سبيلٌ للعبور في سفر خروجٍ مستمرّ، وولادةٍ متجدِّدة.

وعناصر هذه النقلة الإيمانيَّة ثلاثة: الرضى والالتزام والمشاركة. فالرضى هو الدخول في سرّ الدعوة الإيمانيَّة والقبول بها؛ والالتزام ارتباطٌ بشخص المسيح المخلِّص، وتوقٌ لاكتشاف وجهه في كلّ وجهٍ وكلّ حَدَث؛ والمشاركة Koinonia هي لقاءٌ باللَّه وبالآخرين، ومسيرةٌ نحو الوحدة Comm-union  لا حول كتابٍ إلهيٍّ مُغْلَق، يحبسنا في ذاتنا وفي جماعتنا. ونحن نرفض قطعًا أن نكون «أهل كتاب»، بل إنَّ إنجيلنا مدًى للتنفُّس، والتحرُّر، والانطلاقة المستمرَّة. إنَّه زمن خلاصٍ ونعمة، زمن انفتاح القلب ومدّ الأيادي، والقدرة على الحبّ التي لها وحدها أن تنتصر في النهاية على «حروب الآلهة» التي نخوضها. هذا النصر بين الواقع والممكن هو اكتمال الكلمة برموزها.

إنَّ التحوُّل الإيمانيّ يستسيغ كلَّ التحوُّلات الفلسفيَّة واللاهوتيَّة والشعريَّة فيصبح آيةً، تزول فيها حدود الزمان والمكان والحواسّ. فسمعان الشيخ «يُبصر خلاص الربّ» (لو 2: 30)، ويوحنَّا الرائي «يلتفت ليرى الصوت» (رؤ 1: 12)، وشكسبير يرى «الزمان متسوِّلاً»، وأيُّوب في خضمّ المحنة، يعبر من السمع إلى المشاهدة، مهتديًا إلى الربّ: «كنتُ حتَّى الآن قد سمعتُ عنك أمَّا الآن فقد رأتْكَ عيني» (أي 42: 5).

هذه الرؤية تتجسَّد في غَبَش الأيقونة، رافعةً مستوى الرمز إلى تعبُّدٍ لأنَّها تختزن السرّ بكاريسمها الخاصّ، وفسحة اتِّزانها وجمالها، مرتقيةً إلى مستوى اللاهوت. إنَّها ترسم الوجه الحيّ بنظره الثاقب وهو يتطلَّع إليك، وتتكلَّم بألوانها الخافتة المتماوجة، وكأنَّ المسيح الإنسانيّ والقدِّيسين قد انغمروا في طيَّاتها.

الإيقونة بُعدٌ من أبعاد الليتورجيَّا، تُصبح فيها تجلّيًا للحضور الإلهيّ، وشريكةً في الكهنوت، وسط المصلِّين العابدين الخاشعين، ومرآةً تعكس لنا صورتَنا تجاه الحبّ الإلهيّ، فنعرف «أنَّه لم ينكشف لنا بعدُ ماذا سنكون» (1 يو 3: 2). في الأيقونة تتحاور الكلمة مع الرمز فتتشذَّب النوافل من كليهما وتصفى العيون. فالتجلِّي يمرّ حتمًا بأتُّون التخلِّي.

خـاتـمـة

قراءة الرموز المسيحيَّة غير ممكنة بمعزلٍ عن كلمة اللَّه، ومن خلالها. هذا العبور هو آية التجلِّي الذي تكنَّى به آخر الكتب المقدَّسة، رؤيا يوحنَّا، جَلْيونو أي الجَلَيان، حيث ينتهي السمع بالمشاهدة. في نهاية الرؤيا، تُغلَق الكتُب كلُّها وتُسلَّم الكلمةُ للروح وللجماعة المسيحيَّة حيث يُكملان الحوار بالكلمة والرموز والأسرار، ويفتحان المستقبل على كتابة العهد الثالث من تاريخ الكنيسة بانتظار الآتي. «فيقول الروح والعروس: ‘تعال!' ومَن سمع فليَقُل:‘تعال!' مَن كان عطشانَ فليأتِ، ومَن شاء فليأخذ ماء الحياة مجَّانًا!» «ويُجيب الشاهد: ‘نعم، أنا آتٍ سريعًا! آمين! تعال، أيُّها الربّ يسوع. ماراناتا'» (رؤ 22: 17 و 20).