تكريم الأستاذة لمياء المبيّض بساط

كلمة بريجيت كساب

في تكريم لمياء المبيّض

الخميس 7 آذار 2024

------

بسيطة هي الكلمة، عميق هو الفكر، قوي هو العزم وطيّب هو القلب. عندما تجتمع كل هذه المزايا في شخص واحد، فلا بد ان نجده انساناً غير عادي، انساناً متميّزاً:  شغوف بالعلم، طموحه لامحدود، حدوده الحريّة، ودينه هو دين الله ومحبّة الناس. دم الوطنية والحق يسري في عروقه، ويعشق وطنه وطن الأخوّة والسلام والرسالة، هذا الوطن هو لبنان الموجود منذ بدء الأزمنة، وقد جعله ابنُ الله موطئاً لقدميه قبل خلق آدم وحواء ولعلّه الأحبّ الى قلبه. أتكلّم بصيغة المذكّر للشموليّة وليس تعصبّاً، ولكن عندما أخصّص هنا، يصبح كلامي بصيغة  المؤنّث وتصبح المزايا التي ذكرتها جينات كوّنت شخصيّة مميّزة، هي قيمة مضافة لهذا البلد السقيم العليل الذي يعاني من التفكّك والإنحلال. هي امرأة انضمّت الى قافلة المتطوّعين للإنقاذ ضمن نطاق عملها وفكرها وأبحاثها وانجازاتها ونجاحها في لبنان والعالم. نعم، إنها لميا المبيّض البساط التي تتشرّف الحركة الثقافية - انطلياس بتكريمها اليوم على منبرها، علماً من اعلام الثقافة بما ينطوي عليه هذا العنوان من معانٍ ثريّة.

هي المتمرّدة على كلّ ما هو خلافُ الحقيقة، هدفها الأسمى انماء الوطن، بناء المواطنة، محاربة الفساد والحرص أشدّ الحرص على المال العام. وهذا ينبع من احترامها لحقوق الإنسان ومحبّة الوطن المعافى والمُشرق، الذي يحافظ على موقعه ومكانته في العالم ، سيّما وأنّ منه انبثقت الأبجدية الأولى، لتغدو صلة الوصل في التخاطب بين البشر، وأنه من روّاد صياغة "شرعة حقوق الانسان" للعالم أجمع.

هذه المرأة تصلّي في مخدعها بلا ضجيج لأنها تؤمن بأن الدين لله ولا دخل له في الحروب وأصوات المدافع  ولا في الكراهية والتقاتل بين أبناء الوطن الواحد.

هي امرأة مناضلة نهلت العلم بنهم، متحدّيةً المجتمع الشرقي الذي عُرف بانحيازه الجندري الذكوري، فعبرت المحيطات وحلّقت عالياُ لتصبح نائبة رئيس لجنة الأمم المتحدة للخدمة العامة نظراُ لتفانيها ونجاحها في إدارة ملفّاتها اللبنانية والعربية، ولثقة اللجنة المذكورة بالقيمة المضافة التي تشكّلها المكرّمة في برامج التنمية المستدامة والحوكمة. يعلم العالم ويقدّر جيداً القيمة الفكرية والعلمية للّبنانيّين واللبنانيات المكافحات في مجتمعهن الشرقي فيستثمرون بهنّ لتطوير بلدان الشرق والغرب فيما هنَّ في بلدهنّ مهمّشات والوطن الأم ينهشه الفساد وتقاسم ثرواته حصصاً على قوى السلطة.

لميا المبيض البساط رئيسة معهد باسل فليحان المالي حائزة على شهادة الماجستير من الجامعة الاميركية في بيروت كما على شهادة في الادارة الاستراتيجية وتخطيط السياسات العامة من المملكة المتحدة وشهادة في القيادة من جامعة هارفرد – كلية كنيدي للعمل الحكومي.

واذا كان الهدف الأساسي للقيادة التقليدية هو تعزيز أهداف المؤسّسة، فإن الغاية من القيادة الخدمية أو الخادمة servant leadershipهو خدمة الآخرين ومساعدتهم على تحقيق ما هم قادرون عليه. أما مميّزات هذا القائد فهي التالية:

  • الاصغاء، التعاطف، مساعدة الآخرين على تخطّي المصاعب، الوعي، حجّة الاقناع، التصور والتخطيط للمستقبل، البصيرة والتعلّم من أخطاء الماضي،  الاشراف المباشر على العمل، الالتزام والمساعدة للنمو والتنمية، وبناء المجتمع.

هذا ما يفسّر نجاح مكرّمتنا في قيادتها الحكيمة للتدريب المهني والتقني والتثقيف المالي في المعاهد التي أدارتها أو أسّستها.

فالنشاط المهني لمكرّمتنا غنيّ على تنوّع. فمن باحثة لدى مؤّسسات استشارية الى مديرة برامج لدى منظمة الإسكوا escwaوتعاونها مع وزارة المالية الفرنسية ودورها المحوري في تحويل المعهد المالي والجمركي من مبادرة تعاون جمعت لبنان وفرنسا الى مؤسّسة عامة مستقلة، كما نجحت في تعزيز علاقات التعاون العربي المتوسطي وانشاء معاهد التدريب والتثقيف المالي والحكومي، كما أشرفت على تصميم أطر كفايات واستراتيجيات لبناء القدرات. أما الدور البارز لها على صعيد الوطن، فكان في مجال الإصلاحات المالية الهيكلية، إذ ساهمت باصلاح الموازنة العامة وتأمين شفافيتها لا سيّما في العام 2018 وقد كلّفت قيادة فريق خبراء دوليّين ولبنانيّين لإجراء تشخيص لأنظمة المشتريات العامة، باعتماد منهجية MAPSالدولية، وصياغة مشروع قانون حديث في هذا الصدد تم ّاقراره تحت رقم 244/2020 وإعداد استراتيجية وطنية لإصلاح منظومة الشراء العام. ولا ننسى أن نذكر حيازتها على أوسمة عدة أبرزها وسام جوقة الشرف الفرنسي ووسام الاستحقاق الوطني برتبة فارس.

ليس بغريب على هذه الشخصيّة المتميّزة أن تحتلّ مناصب عالمية، فهي تحمل في جيناتها إرثاً عائلياً ووطنياً عريقاً تعرّفنا عليه من خلال كتابها الأخير: "ليلى  أو معنى أن تكون في غير بيتك". لن نتطرّق الى سرد أحداث هذا الكتاب الذي يرسم صورة لبنان الحقيقية وبعضاً من تاريخه الذي لم يُكتب خلال سنوات الحرب التي يسمّونها خطأً " أهلية "، لنجد لمياء المبيض البساط الكاتبة الحّساسة الوفية لعائلتها ولوطنها، الغاضبة والحانقة على الطبقة السياسية الحاكمة التي ما انفكّت تلحق الضرر بهذا البلد النموذجي والوطن الرسالة كما وصفه البابا القديس يوحنا بولس الثاني، نلمس حنين المكرّمة الى لبنان القديم الطيّب العابر للطوائف والمناقض للتعصّب الديني والعقائد التي لا تشبهه، نرى وجهها الغاضب والنفس المتمرّدة على زجّ هذا الوطن الحبيب في أتون نار لا تنطفىء من الحقد والكراهية والفساد. نرى تصميمها وإرادتها لإنقاذ هذا البلد من الجحيم. نرى المكرَّمة الحزينة التي أجبرتها الحرب على ترك بيتها والانتقال الى بيئة هي منها ، ولكنها تختلف عنها لتصبح غريبة في بلدها ، ما يجعلنا نفهم العنوان " معنى أن تكون في غير بيتك".

يُقال إن وراء كل رجل عظيم امرأة او ربما وراء كل امراة عظيمة رجل، وما الى ذلك من أقوال وحِكم ورثناها. أما نحن، معشر المثقفين والمتنوّرين، فنقول إن تواجد النصف الأول جنباُ الى جنب مع نصفه الثاني هو سرّ نجاح كل منهما والاثنين معاً، فهما يكمّلان واحدهما الآخر ويدعمان بعضهما البعض للوصول الى المبتغى والى ذروة النجاح. هكذا تدعم عائلة المكرّمة مسيرتها المهنية، فتحيّة الى زوجها السيد المهندس عماد عدنان بساط وابنتيهما يمنى وسارة، فلكم منا ومن كل أصدقاء لميا وقادريها كل المودّة والتقدير.

وفي الختام، نتوجّه اليك أيتها المكرّمة ونقول لك : نحن نساء هذا الوطن نفتخر بك وبأعمالك ونجاحك، فتساهمين بإضافة أوسمة على صدر المرأة اللبنانية المثقّفة والمناضلة، العاملة والمربّية لتكوني مثالاً لها يُحتذى.

وشكراً لكم...

أنطلياس في 5-3-2024

بريجيت كسّاب

 

 

 

لا زالت المرأة اللبنانية تدهشنا بثقافتها وعلمها والمراكز التي تتبوأها في المجتمع اللبناني وفي الخارج، متحدّية كل الصعوبات ومتسلّحة بابحاثها العلمية العديدة والقيّمة لترفع اسم لبنان عاليا. هي تمارا الزين الحائزة على درجة الدكتوراه في الكيمياء الفيزيائية، الاستاذة الجامعية والباحثة والخبيرة الدولية في مجالها وقد انتجت ابحاثها العلمية براءتي اختراع عالميتين بالاضافة الى ما يزيد عن ستين مقال ومؤتمر دولي، كما اسست استجابة للازمات المستجدة في لبنان، شراكات جديدة وقادت برامج مستحدثة لدعم البحوث في لبنان. هي الامينة العامة للمجلس الوطني للبحوث العلمية ورئيسة لجنة العلوم في المؤتمر العام لليونسكو، عضو في لجنة دراسة استراتيجية التعليم العالي، عضو في المجلس العلمي الدولي للوكالة الجامعية الفرنكوفونية، عملت كمستشارة تقنية للجنة الوطنية للحد من مخاطر المواد الكيميائية البيولوجية والاشعاعية الى جانب اعتمادها كخبير محلي لمراكز التميز في الاتحاد الاوروبي. بداية العام 2019 اسست وبدعم من اليونسكو المرصد الوطني للمرأة في الابحاث – دوركن.

_________________________

تكريم لميا مبيض البساط

الحركة الثقافية - انطلياس

7 آذار 2024

تقديم: تمارا الزين

 

مساء الخير وأهلا وسهلا بكم في هذا اللقاء المخصص للصديقة لميا مبيض البساط، وأمتنع مرغمة عن ذكر أي لقب قبل اسمها خوفا من حصرها في صفة لا تفيها حقها. وبعد وسام جوقة الشرف الفرنسي (2015) ووسام الاستحقاق الوطني برتبة فارس (2004) تقديراً لجهودها المتشعبة، يأتي تكريم اليوم من الحركة الثقافية.

أتشرّف باختيار لميا لي لتقديمها ولكني أقر بأنني تهيّبت هذه المهمّة لعدة أسباب. فعادة ما يختار المكرَّمون أرباب اللغة من كتاب  وشعراء أو إعلاميين للتعريف بهم، وأنا الآتية من عالم الكيمياء الفيزيائية ومن إدارة البحث العلمي، لست من المفوّهين الذين يجيدون تطويع الكلمات وزخرفتها بما يليق بالمحتفى بها. هذا في الشكل، أما في المضمون، فلم تكن مهمتي أسهل، فمن يعرف لميا يدرك صعوبة اختزالها في وظيفة أو عمل أو إنجاز! مع ذلك سأحاول قدر المستطاع...

لميا، وبعد مسيرة أكاديمية لامعة بين الجامعة الأميركية في بيروت وجامعة هارفرد، بنت مسيرة مهنية خولتها لتكون واحدة من أعلام الإدارة العامة والشؤون التنموية سواء عبر المنصب الذي تشغله كرئيسة لمعهد باسل فليحان المالي والاقتصادي أو كنائبة لرئيس لجنة خبراء الأمم المتحّدة للخدمة العامّة، وهو انتخاب جاء تكريسا لدورها الفاعل في مجالات الإدارة والحوكمة والتنمية المستدامة.

مهنيا وكما عرفنا لميا، هي واحدة من ثلة من رواد المأسسة. فبعد أن اختيرت عام 2000 من قبل وزارة المالية الفرنسية لتكون المديرة الوطنيّة لـ "المعهد المالي والجمركي"،  لَعِبت عام 2003 دورا محوريّا في تَحويل المعهد من مُبادرة تَعاون بين لبنان وفرنسا إلى مؤسسة عامّة قائمة بذاتهاوأعني معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي  ذو الموقع الرائد في لبنان وعلى الساحة الدولية. 

وإلى جانب المأسسة، نعرف رؤيتها في تطوير وتمكين المؤسسات. تحت إدارتها تعزز حضور المعهد الإقليمي والدولي كمركز تميّز في شؤون إدارة المال العام. وبفضل جهودها في تطوير الشراكات، نجحت أيضا في تعزيز علاقات التعاون العربي-المتوسطي وكان لها دور بارز في إنشاء وتطوير ستّة معاهد ماليّة في فلسطين والعراق والمغرب والأردن واليمَن وساحِل العاج. كما أسَّست في العام 2006 في بيروت، شبكة GIFT-MENAلمعاهد التدريب الحكوميّة، وفي العام 2013 شبكة الباحثين في الإدارة العامّة MENAPAR. وكان من الطبيعي أن تنتخب عضوًا في مجلس إدارة "الرابطة الدولية لمدارس ومعاهد الإدارة (IASIA) وأن تشارك منذ العام 2013 في مبادرة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط.

ومن يعرف لميا، لن يتوه عن جهودها في تعزيز الشفافية.  ففي مجال الإصلاحات الماليّة الهيكليّة، كان لها اسهامات عدّة خصوصا في إصلاح الموازنة العامة وشفافيتها، أبرزها كان في العام 2018 مع الإصدار السنوي "لموازنة المواطنة والمواطن" وإطلاق لوحة تحكم رقميّة تمكّن المواطنين من الوصول إلى بيانات الموازنة المفتوحة لتدرج ضمن أفضل الممارسات التي أشار إليها صندوق النقد الدولي. قادت في عام 2018 فريق خبراء دوليين ولبنانيين لتنفيذ تشخيص أنظمة المشتريات العامة وفق المنهجيات الدولية، وصياغة مشروع قانون عصري تم إقراره (القانون 244/2020) بالإضافة إلى استراتيجية وطنية لإصلاح منظومة الشراء العام.

وفي صلب كل هذه المهام تصر لميا على محورية المواطن وتنمية رأس المال البشري وإرساء مفاهيم المواطنة الفاعلة عبر التثقيف وإتاحة المعرفة، إن كان عبر تصميم أطر كفايات واستراتيجيات لبناء القدرات، أو صياغة سياسة عامة لاستقطاب الكفاءات لوظائف الفئة الأولى في الدولة اللبنانيّة، وصولا إلى أول مسح وطني للتثقيف المالي بالتعاون مع البنك الدولي ووزارة التربية، بالإضافة إلى تصميم وتنفيذ برامج تثقيف مالي موجّهة للشباب ولمدرسي مادّة الاقتصاد في المدارس الرسميّة. دون أن ننسى تعزيزها للإنتاج المعرفي ونشر العديد من الأوراق البحثيّة والتقارير كما وتدريس مادّة الحوكمة والإدارة العامّة ومادّة الحوكمة والجندر في الجامعات.

هذا غيض من فيض الإنجازات التي يعرفها الجميع. ما أعرفه أنا أيضا، ورغم اختلافنا في الأهواء السياسية، أننا نتشارك في طبيعة المعارك التي نخوضها في يومياتنا.

أولى هذه المعارك، معركة القطاع العام التي لا يمكن عزلُها عن مفهوم المنفعة العامة التي وللأسف همّشت في لبنان. فمصير البلاد اليوم يعتمد على رجال ونساء الخدمة العامة، ومنهم لميا، الذين لا يملكون من الموارد إلا القليل، بينما يحملون عبء تسيير المرافق العامة على عاتقهم، مدفوعين بحس الواجب الذي بات خلال هذه الأزمة مرادفا للتضحية والإيثار. ما تنادي به لميا كما كل الغيورين على بقاء الدولة هو ضرورة الفصل بين الاستحواذ على الدولة وبين الدولة نفسها والتي يجب صونها بأي ثمن... تؤمن بأن لبنان لن يتعافى من دون قطاع عام فعّال يؤدي مهامه في خدمة الجميع وأنه لن يكون للبنان خلاصٌ من دون دولة قوية، ترتكز على مبادئ المصلحة الوطنية والنزاهة والجدارة والشفافية والمساءلة والعدل. في مقالتها "كيف تكون ديارنا اللبنانيّة عامرة"، تستعيد لميا قول الإمام علي (ع) " الدولة كما تُقبلُ تُدبر" لتذكرنا بالقيم السياسية والإدارية والإرشادية لإقبال الدولة كما اختصرها الإمام علي (ع) وأساسها العدل والكفاءة. ولذا عنما نسأل لميا عن طموحها تجيب : إعادة الاعتبار لثقافة الجدارة واحداث تغيير في آليات استقطاب الكفاءات إلى الدولة وخصوصا مواقع المسؤولية.  في حديث دار بيننا منذ أشهر، في أوج تخبط القطاع العام، قررنا معا أن نستمر بما أوتينا من عزم وعناد في معركة الدفاع عن مؤسسات الدولة حتى ولو كانت معركة خاسرة، تماما على مبدأ الإمام علي : ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه.

 

ثاني المعارك،المرأة.في زمن حكم التفاهة، كما يقول الفيلسوف الكندي آلان دونو، تكاثر خبراء الصدفة في العلوم والإقتصاد والمال والسياسة وبرز أيضا خبراء الجندر المزيفون ممن حفظوا كلمتين وبضع أرقام... في هذا الزمن تحديدا تتصدى لميا كخبيرة أصيلة في هذا المجال لمحاولات تسخيف هذه القضية وتحويلها لتجارة تتوخى الربح. كما تسعى إلى تصويب المسار وإعادة النقاش إلى جذوره الحقوقية لتحميه من التسطيح والتجويف. لميا تدعو لتكون مشاركة المرأة في القرار فعليّة لا صورية، وتدعو طبعا إلى مشاركة أوسع للنساء في السياسة ودوائر اتخاذ القرار ولكنها تُشير إلى ضرورة طَرح إشكالية أخرى، وهي كيف نَزيد من استقلاليّة المرأة عند مشاركتها في صُنع القرار فتكون شريكة بالفعل، وليست "خيالًا" في الـ"صورة"". صوت لميا يعكس ما نريده: نساءً يحدثن فرقا في السلوكيات ويحققن خرقا في مسار بلادنا الذي يتقن إعادة إنتاج الأزمات. ورغم مقاربتها النقدية تؤمن لميا بأن المرأة هي مستقبل لبنان وأنها أيضا ذاكرته، وعندما أرادت أن توثّق تاريخ بعض التحولات السياسية والإجتماعية فعلت على لسان والدتها ليلى كشاهدة على الزمن في روايتها "ليلى، أو معنى أن تكون في غَير بَيتِك". فالتكريم اليوم مزدوج، للميا وليلى معا.

 

أما أم المعارك، الوطن. لميا كما أعرفها تدمن لبنان، وتراه بعيون سعيد عقل "متل الهدايا بالعلب" و "قرى من زمردٍ عالقات  في جوار الغمام زُرقِ الضياء"ِ. وأعرف أن لميا تعشق بيروت، بيروت ست الدنيا التي تسكننا رغم محاولاتنا البائسة للانعتاق منها، وربما كان هذا هو الفشل الوحيد في مسيرة لميا وهو فشلٌ محمود. ونحن اليوم نعيش عدوانا اسرائيليا جديدا على بلادنا، عين لميا وقلبها على جنوب لبنان وعلى فلسطين، جرحنا الغائر منذ عشرات السنين... وأعرف أن إيمانها بحتمية إحقاق الحق لم ولن يتزحزح وأنها لو خيرت لانتقاء شعار يترجم يقينها لردّدت أيضا ما قاله يوما سعيد عقل:  "سوف نبقى، لا بد في الأرض من حقٍ، وما من حقٍ ولم نبقَ نحن".

_____________________________________

المهرجان اللبناني للكتاب –انطلياس 2024 –السنة 41

7 آذار 2024 الساعة 6 مساءا

كلمة السيّدة لمياء المبيّض بساط

 

أَنْ تُكْرّمَكَ الْحَرَكَةُ الثَّقَافِيَّةُ-انطلياس لَهوَ وِسَامُ شَرَفٍ أَسمَى مِن كُلّ الأَوسِمَةِ الرَّسمِيّةِ الَّتِي يَتَأَبَّطُهَا انسَانٌ- أَوسِمَةٌ أَصبَحَتْ مَعَ النَّكبَةِ الإِنسَانِيّةِ الَّتِي تُصِيبُ العَالَمَ بِفِعلِ الحَربِ عَلَى غَزّة، وتُصيبَنا في انسانيّتنا، أَوسِمَةً أَقَلُّ مَا يُقَالُ فِيهَا أَنّهَا هَزِيلَةٌ.

وِسَامُ الحَرَكَةِ الثَّقَافِيّةِ سَامٍ لِأَنَّهُ أَصِيلٌ. أَصلُهُ الصَّرحُ التَّارِيخِيُّ، دِيرُ مَار اليَاس - انطلياس، حَيثُ تَلَاقَى مُنذُ أَكْثَرَ مِن قَرنٍ وَنِصفِ القَرنِ، أَسلَافٌ لَنَا أَقسَمُوا بِأَن يَكُونوا يَدًاً وَاحِدَةً لِهَذَا الوَطَنِ، فَكَانَ أَنْ تَرَكُوا لَنَا عَامِّيّةً 1840 شَهَادَةً  وَمِيثَاقًاً.

الأَصلُ إِذًا، وَدَومًا، هُوَ السَّاحَةُ السِّيَاسِيّةُ، وَالفَصلُ، هُوَ السَّاحةُ الثَّقَافِيَّةُ الذَّاخِرَةُ بِالْعَطَاءِ - عيدُ للكلمة والفكر والإبداع كما يحلو لحَضرة الأمين العام الأستاذ جورج أبي صالح، وَصفَها.

التَّكْرِيمُ مِن قَبلِكُم سَيّدَاتِي وَسَادَتِي، هُوَ وِسَامُ الِالتِزَامِ وَالمُثَابَرَةِ اللَّذَانِ صَنَعَا 41 سَنَةً مِن نَجَاحِ  المَهرَجَانِ اللُّبنَانِيِّ لِلكِتَابِ وَ 45 سَنَةً مِنْ مُؤْتَمَرَاتِ الحَرَكَةِ الثَّقَافِيّةِ  .

لِفَتَتُكُمالأَصِيلَةِ، وَتَقدِيمُكُم الكَرِيمُ، دكتورة تَمارا الزين، يَبعَثَانِ الدِّفءَ فِي قَلبِي، وَيَدعُوَانِنِي إِلَى التَّوَاضُعِ أَمَامَ هَذَا التَّقدِيرِ الرَّفِيعِ. أنتِ مثال لنا جميعا وقُدوة في العَمل العِلميّ الرفيع لبناء دولة تُحكم بالعِلم والمعرِفة والأخلاق.

كُلّ الِامتِنَانِ  لِلهَيئَةِ الإِدَارِيّةِ، للدكتور-المِثَالُ عصام خليفةَ، لحَضرَةِ الأَمِينِ العَامّالصديق العَزِيزِ الِاستَاذِ جُورج أَبي صالح، وَلِأَمِينَةِ النَّشرِ وَالتَّوَاصُلِ، أَمِينَةُ المَالِ سَابِقًا ، السَّيّدَةُ المُتَمَيّزَةُ بريجيت كساب، ولشهاداتِكُم رفاق الطريق الصعب:

الأستاذ غسان الزعني، الذي يحمِل على أكتافِه وبرموش عينيّه معهد باسل فليحان المالي، وكان خشبة الخلاص له في السنين الصعبة الأخيرة حين أضطُرِرتُ للسفر –

الأستاذ نبيل اسماعيل، حارس الذاكرة بالصورة، من وثّق بعدسته وبروحه التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي للبلاد، هو الذي عرّفني على سلطة الكاميرا، شاعر الصورة –

السيّدة الرائعة أسمهان الزين التي يدين لها الوطن بالكثير، هي الناشطة في ميادين الاقتصاد والعمل العام التضامني والتنموي، وفي تعزيز مكانة المرأة ومشاركتها في صنع القرار،-

وأخيرا الأستاذ الصديق جورج أبي صالح، المثقّف المُرهف والعقل النيّر الشاهد على التاريخ الاقتصادي والمالي للبلاد، إن حكى، لأهتزت عروش. *************

التَكرِيمِ الحَقِيقِيِّ هَذَا المَسَاءَ، سَيِّدَاتِي وَسَادَتِي – لِكَي لَا نُضَيّعَ البُوصلَةَ – هُوَ لِلعَمَلِ الرَّائِعِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ مَعهد باسلفليحَان المالي وَالاقتِصَادِي مُنذُ أَكْثَرَ مِن سَبعَةٍ وَعِشرِينَ عَامًا. التَّكرِيمُ لِرِسَالَتِهِ  الَّتِي تَتَمَاهَى مَعَ آمَالِنَا بِبِنَاءِ دَولَةٍ قَادِرَةٍ، وَمع طُمُوحُهُ في أَن يُصبِحَ مِن كِبَارِ المَعَاهِدِ الحُكومِيّةِ المُتَخَصِّصَةِ فِي موَاضِيعِ "إِدَارَةِ المَالِ العَام وَبِنَاءِ الدَّولَةِ"، فِي لبنان وَالمِنطَقَةِ العَرَبِيّةِ.

التَّكرِيمُ فِي أَصلِهِ، مُهدى إِلَى كُلّ مَن آمَنَ بِالعِلمِ سَبِيلًا لِارتِقَاءِ العَمَلِ العَام. زَمِيلَاتٍ وَزُمَلَاءَ، مِنهُم مَن صَمَدَ وَمِنهُم مَن هُجّرَ، مِن أَصْحَابِ المَهَارةِ وَالأَمَانَةِ وَبُعد النَظَرِ – الأَكّفَاءُ، الصُّلَحَاءُ، َالشُّرَفَاءُ، ذَوُو القُدرَةِ عَلَى دِقَّةِ التَّصَرّفِ فِي إِدَارَةِ شُؤُونِ النَّاسِ وَالمَالِ الْعَام، مَن لي شَرَف العَمل معهم.

والتَّكْرِيمُ مُهدى لِرِفَاقِي فِي المَعهَدِ المالي، المَوجُودونَ بينَنَا اليَومَ وَالغَائِبُونَ.  مَعًا نُشَكّلُ مُنذُ عِشْرِينَ عَامًا وَنَيِّفٍ، فَرِيقًا يَرتَكِزُ جَوهَرَ عَمَلِهِ عَلَى القَنَاعَاتِ وَالقِيَم المُشْتَرَكَةِ. أَقُولُهَا بِفَخرٍ وَإِعجَابٍ كَبِيرينِ: لَولَاكُم، لَولَا قُوّتُكُم وَشَغَفُكُم، وَحُبّكُم لَهذا الوَطَن، مَا كُنتُ لَأَقِفُ حَيثُ أَنَا الْيَوم.

وَلِأَنَّ الحَيَاةَ فِعلُ وَفَاءٍ لَا بُدَّ مِنْ كَلِمَةِ تَقدِيرٍ لِمَن وَثِقَ بِي وَأُولَانِي مَسؤُولِيّةَ المَعهَدِ بِرغمِ حَدَاثَةِ سِنّي يَومَذَاكَ (كَانَ ذَلِكَ مُنذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ).  مَعَالِي الوَزِيرِ الصّدِيق الدكتور جورج قرم، الَّذِي لَم تَسمَح لَهُ ظُرُوفُهُ الصِّحِّيةُ فُرصَةَ مُشَارَكَتِنَا هَذَا الْحَفلَ. وَطَبعًا لِدَولَةِ الرَّئِيسِ فؤاد السنيورة، الأَبِ المُؤَسّسِ لِلمَعهَدِ، الَّذِي أَودَعَنِي ثِقَتَهُ وَقَدّمَ لِي وَلِأُسرَةِ المَعهَدِ دَعمًا أَكِيدًا. لَكُمَا مِنَّا كُلّ التَّقْدِيرِ.

*************

أَعْتَرِفُ سَيِّدَاتِي وَسَادَتِي بِأَنَّنِي لَم أَتَخَيّلنِي يَومًا مُوَظّفَةً فِي الإِدَارَةِ العَامّةِ اللُّبنَانِيّةِ، أُدِيرُ مِرفَقًا عَامًّا، بَعدَمَا كُنْتُ مُوَظّفَةً أُمَمِيّةً. لَكِنَّنِي لَم أَنْدَم عَلَى خِيَارِي هَذَا أَبَدًا! (حَتَّى فِي هَذَا الزَّمَنِ السَّيِّءِ جِدّا).

أَعتَرِفُ بِأَنّ الدَّربَ لَم يَكُن أَبَدًاً سَهلًاً.

أَن نُدِيرَ مُؤَسّسَةً بِغَيرِ مِيزَانِيّةٍ فِي ظُرُوفٍ مُتَغَيّرَةٍ، أَن نَرَى الإِصلَاحَاتِ تَخطُو خُطُوَاتٍ عِملَاقَةً فِي دُوَلٍ قَرِيبَةٍ وَبَعِيدَةٍ، فِيمَا نَحنُ القَادِرُونَ، العَارِفُونَ، مَمنُوعُونَ مِن الِانجَازِ.

أَلَا نَفقِدُ الأَمَلَ وَنَحنُ نُودّعُ أَفضَلَ كَفَاءَاتِ إِدَارَاتِنَا وَأَوسَعِهِم مَوهِبَةً مِمّن استثمرنا في بناء قُدُراتِهم ويُلفِظُهُم النِّظَامُ،

أَن يُلفِظَنَا النِّظَامُ نَفسَهُ الَّذِي يَستَأْخِرُ الإِصلَاحَاتِ وَيَستَسهِلُ التَّجَاسُرِ عَلَى المُؤَسَّسَاتِ وَيَستَهُونَ تَّهجِيرِ الْكَفَاءَاتِ. |

أَعْتَرِفُ، سَيّدَاتِي وَسَادَتِي، بِأَنّ الْهَزِيمَةُ كَانَت مَرَّاتٍ عِدّة، عَلَى قَابِ قَوسَينِ مني، مِنَّا جميعاً،،

كَمْ مَرّةً سَأَلْنَا أَنفُسَنَا: هَل مِن مَنطِقٍ لِاسْتِمرَارِنَا؟ هَل يُرِيدُ اللُّبنَانِيُّونَ فِعلًا دَولَةً وَمُؤَسَّسَاتٍ؟ دَولَةٌ بِمَعنَى البِنَاءِ الْعَصرِيِّ لِمُؤَسَّسَاتٍ مُحَايِدَةٍ مُتَجَاوِرَةٍ مَعَ هُمُومِ النّاسِ، كُلّ النّاسِ ، وَخُصُوصًا الأَكْثَرَ هَشَاشَةً .

دَولَةٌ لَا يَعلُو فِيهَا مَنطِقُ التَّحَاصُصِ عَلَى مَنطِقِ الْجَدَارَةِ ، َيُدَارُ فِيهَا المَالُ العَامُّ بِمَعَايِيرِ الشَّفَافِيَّةِ وَالحِرصِ وَالأَمَانَةِ. دَولَةٌ تُنَادِي بِإِعدَادِ القَادَةِ لِتَوَلّي المَهَامِّ، وَتُقَدّمُ الصَالِحِ، وَتُجَازِي الفَاسِدِ، وَتَرتَقِي بِالعَقْدِ الِاجتِمَاعِيّ لِيُصبِحَ عَقدَ ثِقَةٍ مُتَبَادَلَةٍ مَعَ مُوَاطِنِيهَا.......هَل يُرِيدُ اللُّبنَانِيُّونَ دَولَةً بِهَذَا المَعنَى؟ أَم دَولَةُ طَوائِفَ ومصالح يَصنَعُهونَها بِالتَّوَافُقِ ؟من دون قادة ولا صُنّاعَ قَرارٍ.

أَعْتَرِفُ، سَيِّدَاتِي سَادَتِي، بِأَنَّنِي، وَلَو كُنتُ عَلَى قَابِ قَوسَينِ مِن الهَزِيمَةِ، إِلَّا أَنَّنِي لَم أَسْتَسلِم بَعدُ، وَلَا رِفَاقِي فِي المَعهَدِ يَنوُونَ الِاسْتِسلَامَ.

لِمَاذَا؟ُ

رُبَّمَا لِأَنِّي وَجَدتُ فِي عَمَلِي-رِسَالَتِي، الجَوَابَ عَنْ أَسْئِلَةٍ لَطَالَمَا أَقلَقتني وَأَنَا طِفلَةٌ شَاهِدَةٌ عَلَى الحَربِ، مُسْتَمِعَةً مِن وَالدَتِي "لَيلَى الحَاج" لِذَاكِرَةٍ مُغتَالَةٍ، لِقَادَةِ رَأْيٍ أَتَوا مِن رَحِمِ سَاحِلِ المَتنِ الجَنُوبِيِّ، -سَاحِلٌ لَم يَكُن يَومًاً بَيتًاً لِلبُؤسِ وَلَا ضَاحِيَةً لِلمُستَضعَفِينَ.

قَادَةُ رَأيٍ أَدرَكُوا بَاكِرًا بِأَنَّ التَّهَاوُنَ فِي بِنَاءِ مُؤَسَّسَاتِ الدَّولَةِ وَفِي إحِّقَاقِ العَدَالَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مِنْ شَأنِهِ أَن يُعَرّضَ لِلهَشَاشَةِ الِاستِقرَارَ السِّيَاسِيّ لِلبِلَادِ. رِجَالَاتٌ "يُغيّبوا" عن الذاكرة اللبنانيّة أَمثَالِ عَبدِ الكَريم الخليل، وَمحمد الزين، وَعبد اللَّه الحاج، وَابراهِيم وَفضل الحاج، وَمحسن سلَيم، وَأَبنُهُ لقمَان...

كَيفَ تَكُونُ دِيَارُنَا اللُّبنَانِيَّةُ عَامِرَةً؟

كَيفَ نُصبِحُ يَومًا لُبنَانِيِّينَ نَحنُ أَهلُ "الطَّوَائِفِ" وَالمَصَالِحُ العَابِرَةِ لِلطَّوَائِفِ؟

كَيفَ نَخِيطُ مِن جَدِيدٍ حُلُمًاً كَادَ أَن يَكُون، فِي لَحظَةٍ كَادَ يَنشَأُ فِيهَا مُؤَسَّسَاتٌ، لِدَولَةٍ كَادَت أَن تَكُون، وَلِجَمِيعِ أَبنَائِهَا؟

أَسئِلَةٌ تَرُدّنَا إِلَى حُلُمٍ نُقِرُّ اليَومَ بِأَنَّهُ مَشرُوعٌ صَعبٌ ،فِي دَولَةِ الطَّوَائِفِ وَالمَصَالِحِ الّتِي صَنَعْنَاهَا بِاجتِمَاعِنَا. دَولَةٌ سَمِيكَةٌ لَا يُمكِنُ النَظَرُ عَبْرَ سَوَادِهَا. مُقفَلَةٌ طَائِفِيًّاً وَمِن دُونِ ثُقُوبٍ. لَيسَ فَقَط فِي إِنتَاجِ السُلطَةِ إِنّمَا أَيضًاً فِي الثَّقَافَةِ وَالعُمرَانِ وَالِاجتِمَاعِ. دَولَةُ طَوَائِفَ وَمَصَالِحُ تُحَاصِرُكَ بِجِلدٍ مَزرُوعٍ فِيكَ رَغمًا عَنكَ. تُمَزّقُكَ فَتَضِيعُ أَشْلَاء بَيْنَ وَطَنٍ مُرتَجَى وَآخَرَ لَا يُشْبِهُهُ . وَلَا مَحكَمَةَ  ذَاتَ صَلَاحِيَّةٍ بِإِمكَانِهَا الِانتِصَارُ لِجُرحِكَ العَمِيقِ.

**********************

يَقُولُ الإِمَامُ عَلِيّ بنُ أَبِي طَالِب (عَ):" الدَّولَةُ كَمَا تُقَبَلُ تُدَبِرُ". فَكَيفَ تُعِيدُنَا الدَّولَةَ إِلَيهَا؟ وَكَيْفَ نَعُودُ إِلَى الدَّولَةِ، وَبِشُرُوطِهَا؟

سُؤَالَانِ يَبدُو جَوَابُهُمَا مُتَعَذّرًا اليَومَ. فَأَينَ نَجِدُ الجَوَابَ؟

لَعَلّنَا نَجِدُهُ فِي القِيَمِ السِّيَاسِيّةِ وَالإِدَارِيّةِ وَالرُّوحِيّةِ الَّتِي تُعِيدُنَا إِلَى الأَصلِ، وَالأَصلُ هُنَا فِي انطِلياس:

"المَكَانُ-الهُوِيَّةُ" – مَكَانٌ مَنطِقِيٌّ بِكُلِّ تَلَاوِينِهِ الِاجتِمَاعِيَّةِ، وَالعُمرَانِيَّةِ، وَالثَّقَافِيَّةِ، وَبِعَادَاتِهِ وَتَقَالِيدِهِ،

"المَكَانُ-المَلجَأُ" – فُسحَةُ اطمِئنَانٍ بَعِيدَةٌ عَن اشِّكَالِيّةِ السَّردِ الْمَمنُوعِ، وَفِعلِ الإِلغَاءِ، وَالحُكمِ المُتَوَقَّعِ بِهَدرِ الدَّمِ.

مَكَان نَقَارِبُهُ بِحَوَاسِّنَا الْكَامِلَةِ، كَمَشهَدٍ مُتَكَامِلٍ فِي هَنَاءَةِ العَيْشِ، فِي تَنَوُّعَاتٍ ايمَانِيَّةٍ وَاجتِمَاعِيَّةٍ وَجَمَالِيّةٍ.

" مَكَانٌ بِحَجمِ وَطَنٍ " يَروِي العَقلَ وَيَسقِي الرُّوحَ" وَالتّعبيرُ هُنَا للأَبَاتِي الدكتور أَنطوان راجح.

مَكَانٌ لَم وَلَن تَفقِدَهُ الحُرُوبُ وَالتَّحَوُّلَاتُ صُوَرَهُ وَمِثَالَاتِهِ وَرِجَالَاتِهِ وَنِسَائِهُ.

مَكَانٌ لَا يُمكِنُ مَحوُهُ عَنْ طَرِيقِ الضَّغطِ عَلَى الزِّنَادِ. كَمَا تَقُولُ الْأَدِيبَةُ الصديقة دُومِينِيك إِدّهِ.

"المَكَانُ- المُوَاجَهَةُ"، مُوَاجَهَةٌ بِالمَعنَى السِّلمِيِّ طَبعًا،  تُعِيدُ إِلَى المَتنِ" قِيَمًا لَا يَصِحّ أَن تَبقَى عَلَى الهَامِشِ" هِيَ "قِيَمُ الثَّبَاتِ"، في مُواجَهَة مَشروعِ الإنهيار-الجُرميّ-المُنظّم.

مُواجَهَة بالثَقافَة، كما يقول الدكتور عصام خليفة."مُوَاجَهَةٌ  تَكُونُ بِالرّؤيَةِ وَالإِصغَاءِ"، والتَّعبير هذا للأباتي الرَئيس الدكتور أنطوان راجح. بِاللّقَاءِ وَالتَّكَلّمِ، لَا بِصِيَغِ الفِكرِ وَحَسبُ، بَل مِن "قَلبِ يَرَى"، كما أوصانا اِلبَابَا بِندِكتُس،

حَتَّى لَا تَغتَالُنَا الضَّوضَاءُ......

وَحَتَّى لَا نُبعَدَ عَن مَا نَحنُ عَلَيهِ فِعلًا،

 فَنَفقِدُ المَعنَى وَيَكُونُ الحُكمُ عَلَينَا عِندَهَا  أَن نُصبِحَ  فِي "غَيرِ بُيُوتِنَا".

***********

كلماتُ امتنانٍ صادقةٍ ممنونةٍ لمَحَبتكُم، من عميقِ القلبِ والرّوحِ .