كرّمت "الحركة الثقافيّة- أنطلياس الأديب"ياسين رفاعية

قدّم التّكريم: الأستاذ بسّام برّاك والشاعر محمّد علي فرحات

أدار اللقاء: الأستاذ جورج اسطفان.



 


    رحّب مدير الندوة الأستاذ "جورج اسطفان" بالمشاركين في الأمسية المعنية بتكريم علم الثقافة المبدع، الروائي " ياسين رفاعية". فهذا الولد "المتشيطن" في فرن أبيه، داخل حارة "العقيبة الدمشقية الشعبية" عجن من دون أن يدري، خبزًا يوميًا جبله بألم يكفي لأكثر من حياة. منذ البدايات أتقن الإنصات، فصقل هذا الشغف مخيّلته الإبداعية. فهو نسج من حكايا عُمّال الفرن وآلامهم اليومية وعشقهم ولوعتهم قماشَا خامًا للوحات المستقبل. هو حكواتي بالفطرة، خفيف الظل وكريم ومحب وشغوف وصريح. أنتج هذا المبدع الدمشقي الذي اختار طوعًا العيش في "بيروت"، أكثر من 25 مؤلفا بين قصة ورواية زينها بست مجوعات شعرية. اعتبر الأستاذ "جورج اسطفان" أنّ المكرّم يخفي عالمًا من البوح الخفيّ سيبقى عصيًا على النشر، فضّل أن يبقيه محصنًا في دفء تلك الناحية السرية من الصدر، حيث تلجأ لتموت العصافير، وبتكريمه في "الحركة" نكرّم ذاتنا.

 

     اعتبر الأستاذ "بسّام برّاك" أنّ المرء لا يعرف معنى أن" تولى حظوة الحديث عن هذا الرجل حتى تقف أمام حبرك، الوقوف أمام الحير، وقوف أمام من يحبّرون لغة إبداعهم في ورق العمر. تبقى واقفًا وأنت تكتب عن هذا الرجل لا لأنّه سلطان ولا لانه خليفة إنما لأنه روائي قاصّ، حَبَكَ قصصه وهو واقف على قدميه في أزقة الماضي في طرق شامه، وعلى عتبات فقراء كان مثلهم وعند ماسح أحذية التقط منه فنون مسح الدمع عن العيون كما كان يمسح ذاك الصبي بفنّه الأسود غبار التعب عن الأحذية. يتمتع بشرارة أدبية تنضح من رأسه ويده وقلبه، لكن النبع هنا هنا أي في كل مكان حيث الحزن يسربله بمشهديات الناس. واعتبر الأستاذ "براك" أنّ كتب المحتفى به تفضحه، نعم تفضح فكره وعمره وطفولته وشبابه وشامه وحمراه اللبنانية. وهو يكثّف حضوره في شارع الحمرا ، هذا الشارع المفتون بالتناقضات وتداخل النماذج البشرية، وبيروت هي المكان المتاح للكتابة لذا تتحوّل إلى الفضاء المكاني في رواياته. وذكر أنّك عندما تزوره في منزله تعرف من  آثاره أنه ما كان إلا يكتب ولو قدّر له الكتابة على الجدران، في صحن يأكل منه، في فنجان يرتشف ماءه، لما تردّد. لقد اندمج "رفاعية " بحال الكتابة بل تماهى والقلم فصار واحدًا. فيه قلب نبض وفيه قلب يسكت. قلب ينبض كلمات وقلب يسكت دقيقة حزنًا لا بل أيامًا وسنوات. فهو، على حد قول الأستاذ برّاك"،  يشبه "طاغور" الذي بعد أن فقد زوجته وابنته، ارتبط بالحياة أكثر لا عن مادة بل عن شعر وأناشيد. وفي آخر ما كتب، مسّنا بأسماء وسمت التاريخ من لبنان إلى مصر وفلسطين وسرويا، فقد دخل مناخ الثورات الحاضرة من ثورته الاسترجاعية، رَبعَنَ ربيع العرب قبيل حدوثه ومعه. وخلص كلمته قائلاً أنّ حدّ الأديب "رفاعية" لا يلين وضوؤه لا يخفت وهو يضفي على أمسيتنا وهج الجمال. وتساءل أصدفة أن يكون اسم ابنه "بسّام" واسمانا متشابهين؟ ألهذا كتبتُ عن "ياسين رفاعية" قبل أن أعرفه ويوم عرفته عرفت لماذا اسمي هو اسم ابنه؟ وهل أسماؤنا سكنى هوياتنا أم سكنى أدبنا وحبرنا وكلماتنا؟ إن كانت الأولى فإني أنتمي إلى عائلتك بالاسم، وإن كانت الثانية فأنا منتم إلى أدبك بالقلم.

        وشكر الشاعر "محمّد علي فرحات" "الحركة" على لفتتها. فهي لطالما شكّلت منارة للثقافة في لبنان والعالم العربي أثناء الحرب وبعدها. وذكر أنّ نتاج "ياسين" الأدبي عالم واسع لم يُدرس إلى الآن بشكل شامل، عالم واسع ترى ملامحه في قصصه القصيرة وفي الشعر الذي يرغب في تسميته "أدب البوح" وفي الرواية المتنوعة بين الواقعي والخيالي والملحمي. وتحتلّ الرواية المساحة الأكبر في نتاجه وهي تمتاز بتجريبية تعادل تجارب الحياة التي خاضها. ولد وتعلّم في "دمشق" ثم انتقل إلى "بيروت" فعمل في مجلّة "الأحد" وانتقل للعمل بعدها إلى مجلات وصحف أخرى في "بيروت". اعتبر "ياسين رفاعية" أن العاصمة اللبنانية هي عاصمة الثقافة في المشرق العربي، فجعلها مكان إقامته. ولا يمكن التعرّف بعمق إلى شخصه بدون الاطلاع على حياته الشخصية، وحبه الاستثنائي لامرأة استثنائية، زوجته الراحلة، الشاعرة "أمل جراح". فكانت وشعرها الحضن الدافئ الذي أعان "ياسين" على مواجهة قسوة البحث عن الرزق وحفظ الكرامة. وكان لياسين حضور وعلاقات مع أدباء كبار فهو من العارفين القلة "بأمين نخلة" و"نزار قباني" ومعين بسيسو"ومحمود درويش" وغيرهم. وذكر أننا في تكريم هذا الأديب نكرّم أحد الذين عزّزوا الإعلام الثقافي العربي، فتجاوز حساسيات إقليمية وحساسيات العمر ، فدعم وجوهًا جديدة وفتح الباب أمام المواهب الشابة طالبًا من كل زهرة أن تتفتح لتغني حياتنا بالألوان.

أمّا المكرم الأديبالروائي والشاعر"ياسين رفاعية"، فاستعرض سيرةحياته بكلمات نابعة من القلب: "كان الرجل يحلم خلف الجدار...كان يحلم آخر الأسبوع أنه سيحمل بضع ليرات إدخرها من العمل في الحقول التي يملكها إقطاعي كبير ويذهب إلى زوجته وطفله اللذين تركهما عند أبيه...كان يحلم لو كانت له هذه الأرض...كان يتمنى لو يتحقق له ولو حلم واحد من أحلامه..." ولكن كم تقتل الأحلام يوميًا، وكم تخطف لقمة الخبز من أفواهنا، ومن يصعد على جماجمنا من أجل الوصول إلى القمة" ومن هنا بدأت مسيرة الكتابة، فهو يكتب كي يحصل على جواب! ترك الدراسة باكرًا وعمل عند مصلّح للأحذية وعند بقال، وفي مصنع للكعك....حتى يحصل على لقمة العيش. وكانت الهموم الصغيرة تتراكم باستمرار لتشكل ثقلاً على النفس والقلب وأمام هذا الواقع كان لا بدّ من وسيلة للتعبير عن هذا الظلم. فوجد نفسه منساقًا إلى الكتابة. فعاش مع الناس وصار يشاركهم مآسيهم وهمومهم حتى أصبحت مآسيه ومتاعبه. كلّ ذلك يدفعه إلى الكتابة. وقيل له أنّه موهوب، ولكنه بحاجة إلى الثقافة. فكان يقرأ لا كي يأخذ بنصائح الآخرين بل من أجل الإطلاع على تجارب الآخرين. تعلّم الكتابة من تجارب  العمال، ومنهم تعلّم الحق والباطل وألا ينحني لأحد مهما كان كبيرًا أو عظيمًا حتى يعيش حياته بكبرياء. والكتابة عنده أحاسيس، تجاه ما كان يراه ويشعر به . يجلس إلى الورق ويشرع في الكتابة، فالأفكار تلاحقه باستمرار، وقلمه لا يتوقف. وهو يتساءل أخيرًا "كيف لو لم تعد لي القدرة على الكتابة؟ وتكون ردة الفعل التالية انغماسًا أكثر التصاقًا وشراسة أحيانًا في داخل عمق التجربة. خلال خمسين عامًا كتبت آلاف الصفحات بدون توقف وما زلت أكتب إلى أن يجف الحبر وتنتهي الحياة. وشكر ختامًا الأصدقاء والمحبين الحاضرين.

       وتلت شهادات بالمحتفى به على لسان العميد "أسعد مخّول" والأستاذ "جان دايه" والدكتور "ناصيف نصار".

      وفي الختام قدّم أمين عام الحركة، الأستاذ "جورج أبي صالح" شعار الحركة إلى المحتفى به ونسخة عن النصّ الأصليّ لعاميّة أنطلياس الشهيرة، عاميّة 1840.