ندوة حول كتاب

نزاعات الداخل وحروب الخارج: بناء ثقافة الممانعة في المجتمع اللبناني

للمؤلف د. طوني جورج عطالله

تاريخ 2007/12/4

كلمة المحامي جورج بارود

إن كان للحروب عبر التاريخ من حسنات، فهي لا تتعدى اتعاظ الشعوب مما جرى خلالها وما سبقها ورافقها تحاشيًا لتكرار أسبابها ودرءًا لمخاطرها.

        لكن يظهر أن اللبنانيين لم يتعلموا مما عاناه وطنهم منذ العام 1958. وبمجرد المقارنة البسيطة بين أسباب الاهتزازات الامنية في حينه وصولا ً إلى الحروب العبثية مع أحداث 1975، لا يجد المراقب تغييرات جوهرية في الاسباب التي أدت إلى اندلاع الفتن، ولو تغيّر تاريخها واختلف رافعو رايتها؛ وإنما يجد تشابهًا يكاد يكون موّحدًا، لجميع المطالب التي تبدأ داخلية وتتحول بعد حين إلى إقليمية فدولية، ويصل الامر دائمًا إلى طرح مسألة المشاركة والانتماء والاستقلال والسيادة وصولا ً إلى الصيغة اللبنانية.

        السؤال البديهي: هل يبنى وطن في ظل الصراعات الدائمة التي تبدأ سياسية وتنتهي عسكرية، وتتحول من المحور الداخلي مباشرة إلى محاور تتخطى الحدود؟ أم أن اللبناني يعيش وهم الوطن الذي يظن أن أسسه ترتكز على أرض محددة جغرافيًا وشعب اختار بمختلف طوائفه العيش في ظل سلطة رسم الدستور صلاحياتها؟

        كتاب نزاعات الداخل وحروب الخارج للدكتور طوني عطالله يفتح الباب مشرّعًا على الحرب اللبنانية منذ العام 1975 حتى العام 1991 يوم ظن اللبنانيون أن قرارًا بحل المليشيات قد صدر وسينفذ إلى غير رجعة وأن أسلحتها سَتُسَلّم إلى الدولة أو تباع إلى الخارج، متبعًا دراسة  منهجية وقراءة ثاقبة للاحداث، معتمدًا البحث الميداني والتوثيقي المستند إلى ما نشرته الصحف المحلية والاجنبية في الموضوع.

        صحيح أنه من الصعوبة بمكان أن يستطيع مراقب مهما اتسعت آفاقه، أن يتناول ستة عشر عامًا من الاحداث السريعة والدسمة، المتشابكة والمتعددة الاسباب والمصادر، المتفرعة والمتداخلة، الخاضعة للتغييرات المختلفة، وأن يجمع في صفحات التفاصيل اليومية بدقة وموضوعية، وإنما يُشهد للمؤلف بالفطنة في اعتماده أحداثًا من شأنها أن تشكل مادة بحث ميداني واختيارِه نماذج تبيّن طريقته في معالجة الامور، ووضعه دراسة توصل إلى المرمى المنشود؛ كما فعل في اختياره الجندي خالد كحّول الذي تصدى للخطف على الهوية أو المربية ناديا الشدياق التي تخطت قلة الدعم الرسمي للقطاع التربوي وسدّت الفراغ لابعاد الناشئة عن المليشيات، أو في تناوله الاشاعات المحفزة على اقتناء السلاح، أو انقسام الجيش أو المقارنة بين بوسطة عين الرمانة في 13 نيسان 1975، وحادثة صيد الحجل عام 1960...الخ. كلها نماذج توصل إلى استخلاص قواعد عامة يصح تطبيقها قياسًا دون انحياز أو اتخاذ موقف من النظام السياسي أو تبرئة ذمة المشاركين بالحرب مما فعلوه بوطنهم.

        لقد تخطى الدكتور عطالله في كتابه الحاضر ما مهّد للحرب واستمر مطلبًا مرتجى منها متجسدًا بالتشبث بالاصلاحات الدستورية والطائفية وفعالية الحكومة والجيش والدولة ليصل من خلال وصف الاحداث وتتابعها وتحليل الحالات ودراسته مراحلها إلى تعاميم علمية من شأنها أن تكوّن لدى القارئ صورة واضحة عمن شارك في الحرب والمشاريع التي كان كل فريق يقاتل من أجل تحقيقها، مستنتجًا أن المليشيات والفئات المسلحة من الشعب لا تتحمل وزر اندلاع الحروب الداخلية بقدر ما تتحمله الدولة عند تخلّيها عن مسؤولياتها في حفظ الامن وحماية المواطن.

        لكن يظهر أن ما شهده لبنان من نزاعات الداخل وحروب الخارج لم يشكل للبنانيين الرادع المطلوب. فقد نسي بعضهم أن أحد أسباب حرب العام 1975 كان المطالبة بالمشاركة في السلطة، وراحت الاسباب تتغيّر وتتلوّن عند كل فريق مناوب، يستعين فورًا بالخارج الحاضردومًا للتدخل، ما إن ينتابه الخوف على مصيره، لتبدأ حكاية دخول الوطن في مكيدة خيوط العنكبوت، وما تلبث أن تعود المشاركة مطلبًا يظهر إلى الواجهة كلما لاحت تباشير مشروع حل في الافق.

        أفلا يعيش الوطن في أيامنا هذه السيناريو إياه مع اختلاف في الادوار بين الطوائف؟

        من يا ترى المسؤول عن كل ذلك سوى السلطة الحاكمة التي افترضت- بدعم خارجي، ومنذ ثلاث سنوات- الفراغ في سدة الرئاسة بالرغم من وجود الرئيس، وضربت ولا تزال تضرب عن جهل أو قصد الميثاق وتتجاهل ما ارتضاه اللبنانيون من عيش مشترك وتوزيع للصلاحيات بين السلطات، باختلاقها الحجج وإطلاقها التهم تارة ً بالتشكيك بالانتماء الوطني وطورًا بالاتهام بالدعم الاقليمي لابعاد شريحة واسعة من اللبنانيين عن المشاركة في السلطة

        إن أبسط واجبات السلطة يكمن في احترام الاسس الميثاقية التي أصبحت بحكم العديمة الوجود، إما لجهل من تولوا الاحكام بعد الطائف بها، أو لسوء نية مبيّت لديهم.

        ألسنا نعيش منذ أكثر من سنة، في ظل دعم دولي لحكومة تعتبر نفسها الحامية للمؤسسات، تغييبًا مطلقًا لرأس الدولة بإصدار المراسيم وعقد المعاهدات الدولية من قبل الحكومة منفردة.

        وهل لاحد أن يفسر لنا كيف يعتبر رئيس البلاد القائد الاعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء؟ أو كيف تناط صلاحيات الرئيس عند فراغ سدة الرئاسة بمجلس الوزراء، مع إن السلطة الاجرائية مناطة أصلاً  بهذا المجلس  بوجود الرئيس وعدم وجوده.

        لقد بات المطلوب إعادة الاعتبار إلى الرئاسة الاولى، كما هو الحال بالنسبة لسائر السلطات. لكن يظهر أن من يتولى الحكم في لبنان اليوم يجهل تاريخ الاستقلال ولا يقيم للميثاق الوطني وزنًا. وإلاّ لكان عليه بالرغم من خلو الدستور من نص صريح، أن يستلهم روح الميثاق الذي صَبَغَ الحكم في لبنان منذ فجر الاستقلال، ولا نعتقد أن أحدًا نسي أن طوائف الرؤساء الثلاثة بقيت محترمة طيلة هذه المدة دون أي نص ، وأن رئيس الجمهورية الماروني كان يترك لرئيس الوزراء السني المكلف مهمة تشكيل الحكومة بالرغم من وجود نص في الدسنور ينيط التشكيل برئيس الجمهورية احترامًا للميثاق الوطني.

        فهلاّ اعتبر اللبنانيون وخاصة المسؤولون وتفاهموا ولو ميثاقيًا وخارج إطار النصوص على إعادة الصلاحيات إلى الرئاسة الاولى تأمينًا للتوازن بين السلطات، واعتبروا كل تخط لها خيانة وطنية تحاشيًا لاندلاع حروب أهلية.

        عسى أن يتعّظ المسؤولون مما سلف وورد في كتاب طوني عطالله: نزاعات الداخل وحروب الخارج لبناء ثقافة المناعة في مجتمعهم.

انطوان نصري مسرّه [1]
لبنان أولاً أو الادراك المشترك للخطر الخارجي

       

كتاب الدكتور طوني جورج عطاالله هو وصف وتحليل وتحذير من دهليز الحروب الأهلية أو الداخلية في البلد الصغير والدور الكبير، وذلك في زمن حيث مغامرون ومقامرون في الداخل والخارج يهددون وجود الدولة اللبنانية بالذات تحت ستار ايديولوجيات الاصلاح والسفسطة الدستورية والانتصارات التي تتحول الى احتلال وخطوط تماس في قلب بيروت المقاومة والحرية والصمود.

        هل يحتاج اللبنانيون الى مزيد من الحروب والارهاب، الذي يحصد الجميع في فترات مختلفة وحسب الظروف الاقليمية، لكي يدركوا جماعيًا مدى الخطر المشترك الذي يهددهم؟

        يوفر تاريخ لبنان في النزاع والتوافق، ربما أكثر من تاريخ سويسرا والبلاد المنخفضة وغيرها، عبرة وصدمة نفسية بالمعنى الفرويدي Freud اذا احسن اللبنانيون قراءته . لكن اللبنانيين ظلوا غير متعظين لاسباب سياسية ونفسية وكأنهم "بحاجة مزمنة الى باب عال"، حسب تعبير لغسان تويني.[2]

        وحصلت خلال الحروب في لبنان (ولا نقول الحرب اللبنانية أو مجرد الأهلية) اغتيالات واغتيالات واغتيالات... بدءًا بالقائد كمال جنبلاط. ثم تتالت اغتيالات أخرى بينما الخطاب اللبناني مستمر اجتراريًا حول القضية والقضايا... على حساب لبنان وحياة الناس وعيشهم وحريتهم وأمنهم اليومي ومستقبل أولادهم.

        وعندما بوشر مسلسل متكرر ومتجدد مع محاولة اغتيال مروان حماده... ثم اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري من خلال حرب ارهابية اشد تنظيمًا... وحصلت انتفاضة الاستقلال في 14 آذار 2005 وليست التسمية مجرد "14 آذار"، ، امتلك مئات الآلاف من اللبنانيين، وبخاصة من جيل الشباب من كل الطوائف والمناطق والاتجاهات، الشعور العارم ان مرحلة جديدة من اليقظة الوطنية قد بدأت.

        لكن بالرغم من الاستهداف الارهابي للبنان واللبنانيين والاغتيالات المتلاحقة، عاد البعض كما في السابق الى اجترارات حول الاعداء والاشقاء والاعمام والخالات وأبناء العم...، بينما المطلوب واحد، وقد اجمع عليه أخيرًا مجلس الأمن الدولي، وربما لم يجمع عليه بعد اللبنانيون: كلكم مهددون. اقفلوا لبنان - الساحة!

يقتضي اجراء قراءة دولية فعلاً - وليس من زاوية حزازات محلية لبنانية - للقرارات الدولية قبل وبعد 14 شباط 2005. تندرج هذه القرارات في اطار دعم الدولة المستضعفة في شكل عام. اورد تقرير لمعهد الولايات المتحدة الاميركية للسلام ضرورة دعم الدول هذه التي هي ساحة صراعات غيرها وبالوكالة وفي اطار المكافحة الدولية للارهاب[3] Strengthening fragile states.

        الانعزالية الفئوية حسب ذهنية الحرب مستحيلة في زمن العولمة. وتقدمية البناء القومي القسري على طريقة بسمارك Bismarck وايديولوجيات الحرب هي تهور. اللبنانيون هم في زمن الواقعية والحكمة وبناء لبنان الدور والرسالة وارساء مستقبل عروبة ديموقراطية غير موجودة عمليًا.

العروبة عمليًا اليوم، ثقافيًا، هي مجرد تراث يحتاج الى احياء من خلال ثورة تربوية عربية شاملة. اما سياسيًا، فالعروبة اليوم عمليًا هي عروبة سجون واجهزة وليست عروبة شعوب، باستثناء جزر عربية من الحريات واليقظة والتضامن القومي والتحول الديمقراطي السلمي.

أبرز العوائق تجاه الادراك المشترك للخطر الخارجي رواسب ايديولوجيات قومية كان مصدرها لبنان ولوثتها طيلة اكثر من نصف قرن انظمة عربية استبدادية. سقطت اليوم الأقنعة. الخطر الأعظم الذي يهدد العرب هو انظمة الاستبداد التي هي منبع التخلف والاستعمار الجديد والرجعية والتبعية وسبب ضعف وحتى غياب دبلوماسيتهم الفاعلة والمؤثرة في العلاقات الدولية. الأنظمة العربية اللاديمقراطية بجماهيرها المقهورة هي غالبًا الحليف الطبيعي لاسرائيل لأنها هي التي تسمح لاسرائيل بالتفوق والهيمنة بحجم يتخطى قدراتها الذاتية الجغرافية والديموغرافية والاقتصادية.

آلية النزاعات، كما يدرسها الدكتور طوني عطاالله في كتابه، تشكّل نمطًا حديثًا في البحوث. وكما هي الحال بين الأفراد حيث توجد تقنيات لافتعال المشاكل بينهم، كذلك الأمر على مستوى العلاقات داخل الدول وبينها. ينخرط تجار الثورات وخبراؤها في نشوء النزاع وتغذيته، أما العلماء الجامعيون فيسترسلون في البحث عن الاسباب والمسببات متجاهلين غالبًا تقنيات النزاع. ان نشر الثقة وعدم السير في الاشاعات والتطييف... ينزعان صاعق التفجير. اني انوه بجرأة الباحث الدكتور طوني جورج عطاالله في الانكباب على الموضوع بعد تلكؤ العديد من الباحثين عن خوضه.

القاضي جورج عقيص

الحرب في لبنان: صراع بشع دون منتصر

طَلَب مني الصديق طوني عطاالله أن أَحصُرَ مداخلتي بالتعليق على مضمون الكتاب لا على الكاتب، وقد وافقته فوراً لأنني مثله أكره المديح، لا أُحِبُ أن أَمدَح ولا أن أُمدَح. إلا أن هذا الميل المشترك لا يمنعني أن أشهد- لا أن أمدح- أن أشهد بأن طوني عطاالله هو نموذج مرتجى عن سلوكٍ شخصي، ونموذج مرتجى عن المثقف اللبناني الذي بإكثاره وبإحتضانه قد نصل يوماً إلى النموذج المرتجى عن الوطن اللبناني.

لن أُقدّمَ في مداخلتي أي إثبات على أنني قرأت الكتاب بكامله؛ ولعلّي باستيعابي للجزء الذي قرأت أكتسب مشروعية جلوسي هنا أكثر مما لو كنت ضلّيت معنى كل صفحات الكتاب فيما لو قرأتها.

أبدأ بالقول ان الصديق طوني عطاالله أطلّ علينا بالموضوع الأكثر إلتصاقاً بيوميات حياتنا، الأكثر تأثيراً على جيناتنا الطبيعية، والأكثر توليداً للفقه والنظريات... آلا هو الحرب.

يروي لنا الكاتب قصّة، يُحلّل أحداثها، يستعرض أبطالها، يبررّهم، ينتقدهم، يستقرءهم لنا. يسرد لنا حكايةً، يشرح أسبابها، يضيء كواليس مسرحها، يبّوب فصولها، إلا أنه يحجب عنّا الخاتمة، لأنه مثلنا يخاف خاتمةً تشبه البداية وتعود لتستولدها.

إكتشفنا مع الدكتور عطاالله ان الحرب في لبنان لم تكن نمطية ولا يمكن تصنيفها في فهارس ولا إعرابها في معاجم، فهي في وقت واحد حرب الطبقات مع بعضها، حرب الغني مع الفقير، أحزمة البؤس مع البطون المتخمة. وهي حرب الطوائف مع بعضها وبين بعضها، حرب الزعامة الروحية مع الزعامة السياسية في نفس الطائفة. حرب الإقطاع مع الأحزاب، حرب الإيديولوجيا المطلقة مع البراغماتية المطلقة، حرب الداخل مع الخارج، وحرب الداخل مع الداخل من أجل الخارج، وحرب الخارج مع الخارج على حساب الداخل.

إكتشفنا ان الحرب اللبنانية الماضية لم تنتهِ، وأن الحرب اللبنانية الحقيقية لم تبدأ بعد، وأن مخاضاً تمّ دون أن يسفر عن ولادة، وأن صراعاً خيض دون منتصر.

إكتشفنا من الكتاب قسمين، قسم ملموس وقسم خفي مخفيّ:

في قسمه الملموس إسراف في وصف بشاعة الحرب. وفي قسمه الخفي المخفي تحذير من تكرار وقوعها.

وفي قسمه الملموس وصف لهشاشة الداخل اللبناني طوال عقود، وشهية الخارج للتدخل من خلالها. وفي قسمه الخفي المخفيّ إضاءة ساطعة على استمرار هذه الهشاشة راهناً حتى الإضمحلال، وتطور هذه الشهية حتى الشراهة.

في قسمه الملموس إستذكار لمفردات وقواميس وقواميس حربية كالخطف والقنص وخطوط التماس، وكلها مفردات تصف تقاتل القبائل اللبنانية فيما بينها، وفي قسمه الخفي المخفيّ تحفيز على نبذ ما يُدخله حاضرنا من مفردات أكثر حربية وقسوة تُنبئ عن فدرالية النفوس القادمة بعدما فشلت فدرالية الأرض والأرجاء والأحياء.

وفي قسمه الملموس إستعراض لأسباب تضافرت في إنتاج الإنفجار، وفي قسمه الخفي المخفيّ تلقين غير مباشر للأسباب التي تعرقل الإنفراج.

ولعلّي إكتشفت مع الدكتور عطاالله ومن خلال ما بذله في كتابه أننا شعب ينفعل من الأحداث ولا يتفاعل معها مستخلصاً العبر، وأننا شعب لا يتعب من تكرار تجاربه الفاشلة ومغامراته الرديئة، إلى درجة أصبحت توّاقاً إلى يوم يتحول فيه اللبناني إلى مواطنٍ، يُحب وطنه بقلبه لا بغريزته، ويتحول فيه السياسي إلى قائد يستشرف مستقبل وطنه بعقله لا بجيّبه وعدد مناصريه.

وقد تلّمست من خلال ما قرأت من الكتاب سبيلاً لتحقيق هذه الرؤيا، سبيلاً يقوم على حربٍ مثلثة الجبهات تُشنّ على ثالوث الشرور اللبنانية.

الحرب الأولى تُشنّ على الطائفية، وهي المكبّل البنيوي لنهوض لبنان، من خلال العمل على إرساء العلمنة الشاملة، أو على الأقل إلغاء الطائفية السياسية تطبيقاً لإتفاق الطائف.

الحرب الثانية تُشنّ على الفردية والذاتية والشخصنة، وهي المُكبّل الإجتماعي للنهوض، من خلال بناء مجتمع مدني خلاّق يقود ولا يُقاد، يُبادر ولا ينتطر المبادرات، يجمع ما تبدده السياسات البهاتة، ويُنتج مصالح مشتركة تصقلها مرارة التجربة ولا تخرقها الأنانيات.

أما الحرب الثالثة فتُشنّ على الفساد، وهو المُكبّل المؤسساتي للنهوض، من خلال تفعيل مبدأ المحاسبة وأدوات تكريسه لاسيما أجهزة الرقابة على المؤسسات العامة.

إن أي قانون إنتخابي، وأي حكومة، أو رئيس، وأي حزب مهما كثُرَ المنتمون إليه، يبقى قاصراً عن نقل لبنان من زمن إلى زمن، ومن عصرٍ إلى عصر، من غير التسلّح بالعلمنة ومكافحة الفساد والتعويل على المجتمع المدني، المجتمع الذي يحلم به أمثال طوني عطاالله، ويرون فيه إطاراً وحيداً متاحاً للبنان الدولة العصرية، بعد سقوط الزعامات الشخصية والأحزاب والطوائف في نزاعاتٍ لا تزال تُمعن في الغرق بوحولها، إطاراً وحيداً بقي في جميع أشكاله بمنأى عن أي شبهة، أو تلّوث أو زغل.

أما بعد،

لقد استوقفني أيها السادة، في هذا الكتاب القيّم، وأيقظ في عقلي جدلية "عقيمة" سئمنا سماعها وتردادها، فلبنان بالنسبة للبعض هو الرسالة، وهو في نظر البعض الآخر لبنان الساحة.

أيها الأخوة، أليس الأجدر بنا ان نتواضع قليلاً عن لبنان الرسالة وأن نرتقي قليلاً عن لبنان الساحة، فنخترع بديلاً عنهما لبنان الدور ونجد لنا دوراً نلعبه في هذا الشرق؟

فلبنان الرسالة ليس هدفاً بذاته نحيا من أجله، ولبنان الساحة ليس قدراً أزلياً نموت من جرّائه... فأي رسالة هذه التي تُشدّد على عيش مشترك دون البحث في قواعد العيش وفي ضوابطه ومحاذيره؟ واي ساحةٍ هذه التي لا تقوى على إقفالها وإخلاء شاغليها؟

ثم ان الممانعة التي ما إنفك طوني عطاالله يرددها لازمة في كتابه يجب ان تكون ممانعةً ومناعةً ضد الدجالين الذين يمتطون رسالة لبنان للوصول الشخصي، وضد الخانعين الذين يصفقون لشاغلي الساحة من الغرباء والدخلاء بغير كرامة.

ان الممانعة يجب ان تكون موجّهة ضد الإقطاع الغبي والرأسمال الخبيث والديماغوجيا المبهمة في آنٍ معاً، ضد الأنا والنحن العظيمة، ضد الإصطفاف والتلّون، ضد التقوقع والإنفلاش، ضد كل ما يستفزّ الرأي العام.

رأي عام لا يزال بعيداً عن التشكّل. وهو في رأيي ما يجب العمل سريعاً على بنائه، لأنه من دون رأيٍ عام موضوعي، موجّه وضاغط لن يستقيم لنا حال، وسيبقى كل ما قيل وسيقال هذه الليلة كلام تبشيري واعظ.

أني متأكد أيها السادة، كما طوني عطاالله، أنه سيأتي يومٌ، ستأتي لحظة تصطّف فيه قطع الـ Puzzle المتنافرة، التي يصرّ البعض على وضعها في غير محلها، فتستقر كلٌّ في مكانها المرسوم، لترسم لوحة الوطن البهية. وعندها فقط قد نتحوّل من شعب يلعن أمسه ويخاف غدَه، إلى شعب يفهم أمسه ويصنع غده.

كلمة أخيرة أُوجهها إلى الصديق طوني: إن تقديري لكتابك عن يوميات الحرب اللبنانية لا يضاهيه إلا رجائي ان يكون جزءاً أولاً وأخير...

الدكتور رامي عبد الحي

عندما رأى أمير غرناطة مدينته تحترق، بعدما كان قد خرج منها مهزوماً في حروبه مع الفرنجة، نتيجة تآمر أمراء الأندلس بعضهم على بعض، نظرت إليه والدته وقالت له: "ابكي كالنساء، ملكاً، لم تحافظ عليه كالرجال". لعلى من حظ غرناطة أن كان لها من يبكي عليها ويندم من سلوكه تجاهها. فهل كان في لبنان من زعماء ينظرون من خلفهم على ما تركته أياديهم من هدمٍ ودمار وأسى وحرمان، علهم يتعظون؟!

كتاب الدكتور طوني عطا الله، صرخة علمية أكاديمية تدعوا لدارسة تجربة الحرب اللبنانية لبناء ثقافة المناعة، ثقافة المدنية بوجه آفة الطائفية ومرض رفض الآخر.

إن الدراسات الدستورية لوثيقة الوفاق الوطني كثيرة وإنتاجات أدب الحرب وفيرة، ومذكرات السياسيين اليومية موجودة، إلا أن قلة من الأكاديميين تجرأت على استعراض الحرب الأهلية اللبنانية من زاوية فكر الأقليات وربطها بعلم الاجتماع من جهة والعلم السياسي من جهة أخرى ولا سيما من زاوية ربط الداخل المتنوع والمتقوقع بالخارج الرحب والموجود والمؤثر.

وعادةً يكون سبر غور حروب الداخل وربطه بنزاعات الخارج له نتائج جل ما يقال فيها أنها وخيمة من حيث قواعد المسؤولية. فالحديث عن أن حرب الداخل كانت محضاً نتيجة الصراع الدولي لهو هروب اللبنانيين من تحمل مسؤوليتهم من قتل أبناءه ودمار بلدهم وانهيار سلطاته. فمن زبح على الهوية ومن زحل المواطنين في المدن والقرى ومن رسم الصليب والهلال على أجساد المواطنين كانوا لبنانيين من أبٍ لجد.

من هنا كانت هذه الدراسة أكاديمية من حيث أنها أكدت العلاقة الجدلية بين الداخل والخارج، مؤكدةً من خلال عرض مظاهر الحرب بجهل اللبنانيين أنفسهم، ولا سيما من حيث ربط علم النفس السياسي بوسائل الخوف والتخويف وتصرفات الميليشيات على أرض خطوط التماس، كل ذلك مترافق مع التعبئة الإيديولوجية والإعلامية. إلا أن مسؤولية بعض اللبنانيين عن الحرب ومآسيها لا يتحملها كل اللبنانيين، فكان واضحاً من خلال الفصل السابع للكتاب أن المجتمع اللبناني قاوم منظومة الحرب من خلال انعقاد المؤتمرات الوطنية والمبادرات الإنسانية ومقاومة الخطف أحياناً  وتواصل تقاليد الحماية والمساعدة الإنسانية.

أما مسؤولية الخارج فكانت بلا ريبة من خلال بناء المليشيات والرعاية الخارجية لها.

كيف لنا أن نبني ثقافة المناعة من الحرب إن كان جيل اليوم لا يعلم شيئاً عنها؟ على من تقع مسؤولية بناء جيل يحفظ السلم الاجتماعي ويحافظ عليه ويؤكد أن كل محاولة لإلغاء الآخر هي مشروع مواجهة وعنف وحروب مستمرة. كيف نرقى بالحس الجماعي من الإنتمائية الفئوية إلى المسؤولية الاجتماعية المجتمعية؟ كيف نبني الهوية المجتمعية الشاملة من دون الإصطدام بحقوق التمايز الجماعي؟

فسواء كانت دوافع الحرب داخلية أم خارجية فإن من واجب المجتمع أن يدرس أسبابها، مضامينها ونتائجها. كل ذلك من أجل أن تدخل في تراث الذاكرة الحضرية للمجتمع اللبناني ليأخذ منها العبر ويستنتج منها الحِكم. وهذا ما لم يحصل وللأسف. وأهمية الكتاب تنبع من هنا.

طوني عطاالله [4]

للبنان تجارب غنية ومفيدة لنصف سكان العالم

أبرز ما يمكن استخلاصه من الكتاب الذي وضع في زمن صعب: "ان ارادة السلام لا تكفي وحدها دون معرفة آليات النزاع". وهو ينطلق من السؤال: عما يمكن عمله كي يستفيد لبنان، والبلدان الشبيهة بتركيبته، من تجاربهم التاريخية، فلا يعيدون انتاج حروبهم الماضية في الحاضر والمستقبل كالشعوب المختلفة؟

هذا المدخل يمهد لإلقاء الضوء على دراسة ما يُسمي بـ "الحرب الاهلية" في بعديها الداخلي والخارجي، ليس من زاوية البحث عن أسبابها في الحرمان، أو في النظام السياسي، على غرار ما تعممه نظريات تقليدية وما تنطوي عليه من تبرير للعنف. حتى لو كان كل الناس محرومين فإن رمي قذائف على الابنية وخطف الناس وقتلهم والقنص على العابرين... هي خطوط حمراء ممنوع اختراقها من منطلقات حقوق الإنسان والحريات.

غالباً ما يُركز علم الحروب والنزاعات Polémologie, Irénologie على وصف لظواهر الصراعات الدامية، وذلك على حساب دراسة وتشريح آليات تغذية النزاع نفسه، أي الطريقة التي تتحول فيها التباينات إلى حروب مسلّحة في أوضاع ليس فيها حتماً من مبررات لقيام مثل هكذا نزاعات.

لم تعد الحروب اليوم تندلع بين دول تملك أسلحة مدمرة فقط، بل غالباً ما تندلع بالوكالة عن طريق استغلال نزاعات الأقليات إقليمياً ودولياً. لبنان كان المختبر الأبرز في هذا النمط من الحروب الذي له سياقه وأدواته وتقنياته وعناصره البشرية، من علم نفس ووسائل خوف وتخويف وتهجير إلى شل الجيش، وصولاً إلى دور الإيديولوجيا الإعلامية وبناء الميليشيات والرعاية الخارجية، وخطوط التماس.

التقنيات في المعابر تؤسس لبؤرة نزاع جاهزة وتحت الطلب، وتُنشئ أوضاعاً من الفرز القسري حيث تمارس الضغوط من خلال خطوط تماس ورعاية خارجية. أدخلت هذه المنظومة لبنان في الاستقطاب الاقليمي والدولي كرهينة أو كبلد مخطوف إقليمياً ودولياً. يظهر الكتاب مدى ترابط عناصر منظومة الحرب ببعضها وكيفية تركيبها. فرادته انه يسد حاجة لجهة وصل العناصر ببعضها.

عندما تُستعمل عبارة "سلم أهلي" لا يعني ذلك ان كل ما جرى في لبنان له طابع الحرب الأهلية. النزاعات لها اسباب داخلية وخارجية متشابكة. أهمية الكتاب أنه يساعد على معرفة تفكيك ميكانيكيات الحرب، إلى حد الإحاطة بدور الفاعلين في التحريض ووسائل التخريب وتسييس الفروقات. ولهذا التحريض أخصائيون في السياسة الاثنية والعرقية والطائفية والمذهبية، على غرار الحالة اللبنانية.

يُُركز الكتاب في نوعية بحثه على قراءة جديدة للأحداث خاصةً في دراسة بعض الحالات المعبرّة. نذكر أبرز النماذج: جلسة مجلس النواب العريقة في حياة لبنان البرلمانية التي عُقدت بتاريخ 25/10/1975 تأميناً لإستمرار عمل هذه المؤسسة الدستورية بالرغم من تهديدات صدرت من الفريقين المتنازعين بمهاجمة مقر المجلس في ساحة النجمة وردّ العميد ريمون إده بقوله: "نحن باقون هنا"؛ حادثة الجندي خالد كحول في تصديه للخطف على الهوية وإعتراضه المسلحين بتأكيده: "نحن جنود لبنان ليس بيننا مسلم أو مسيحي وإذا كنتم تريدون قتلنا فاقتلونا جميعاً" (8/12/1975)؛ مبادرة المربية ناديا شدياق برصا مديرة ثانوية رسمية في زحلة لسد الفراغ التربوي خلال الحرب وقلة الدعم الرسمي ولإبعاد الناشئة عن الإنخراط في الميليشيات (وقائع مقابلة معها في 7/10/1997)؛ كيفية نشوء خطوط التماس (1975-1981) وعدم السماح بإختراقها تحاشياً للمس بـ"الخطوط الحمر" بين قوى إقليمية ودولية؛ التجارب العسكرية الفعالة في تبريد الجبهات المشتعلة خلال مرحلة إنقسام الجيش (تموز 1976، شباط 1984).

الكتاب مليء بمبادرات ووقائع في دفاع المجتمع المدني عن الحريات ومقاومته المدنية لمنظومة الحرب. قام كثيرون بمبادرات لمواجهة الحرب، كُشف النقاب عن عددٍ كبير منها في الفصل السابع حول صمود المجتمع المدني. أهمية هذه المبادرات ورصدها أنها تُشكّل إنتاجاً لمناهج جديدة ومفاهيم أصيلة مستخرجة من مساهمات لبنانية عربية في دعم التراث العالمي لحقوق الإنسان وتعزيزه. من هنا يأتي الكتاب تلبية لحاجة لبنانية وعربية نظراً لإفتقار هذه المجتمعات في الإدراك السائد إلى مفهوم التمكين Empowerment، وإنطلاقاً من تجارب ذاتية دون منمطات خارجية. من فوائد هذا النمط البحثي بناء الذاكرة إذ يُخشى ان يؤدي نسيان تجارب الماضي إلى إهمال قيمة تضحيات المجتمع اللبناني.

فائدة هذا الكتاب تتمحور حول:

1. بناء الذاكرة الجماعية، لأن ما يهدد السلم الأهلي في لبنان نسيان الأجيال المقبلة للآلام المشتركة فلا تتعظ من غنى التجربة وتعيد انتاج الماضي كالشعوب المتخلفة. والذاكرة هي مدخل إلى ثقافة مدنية متجددة.

2. تجربة الحروب في لبنان ليست مهمة على المستوى المعرفي فقط، بل لأنها ذات فائدة لحوالى نصف سكان العالم الذين يعيشون في مجتمعات شبيهة بالمجتمع اللبناني.

3. البحث جديد ولا تتوفر مراجع في منظومة الحرب نفسها، رغم توفر كتابات حول الجيش والميليشيات والتهجير ووسائل الخوف وغيرها. جاءت الاطروحة لتسد حاجة.

4. الحاجة إلى إغلاق "لبنان -الساحة" بعدما إستُعمل لبنان طويلاً ساحة مفتوحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية. وما يجري منذ تشرين الأول 2004 من محاولات إغتيال وإغتيالات وتفجيرات هو سباق بين العودة إلى الساحة وبين إغلاقها. ان تقدم لبنان وإزدهاره ومستقبله مرتبط ببناء السلم الأهلي.

5. اللبنانيون الذين عاشوا في أجسادهم وضمائرهم الحروب هم المؤرخون الحقيقيون. إن لم ينقلوا ما حصل، يأتي بعدهم أخصائيون يكتبون تاريخاً كاذباً.

يستند هذا الكتاب إلى التحليل انطلاقاً من الأبحاث حول علم الحرب والنزاعات، وهو تالياً ليس تأريخاً للحرب.

علماء السياسة كالأطباء يدرسون الأمراض لا حباً بها بل لفهمها ووضع المعالجات. ولا شك ان الحروب في لبنان مرض، وأعنف أنواع العلاقة بين اللبنانيين وشرّ مطلق. يبدأ السلام من التعمّق في معرفة كيفية إشتعال الحروب.

تواجهك في البحث مشكلة التغلّب على قرفك لما حدث كي تتابع استنباط استراتيجيات النزاع. ويتفطر قلبك حزناً وأنت تتابع حوادث العنف بتفاصيلها وفظائعها الأليمة وصور الضحايا. مما حتم تمضية ليالٍ بيضاء ومقاومة الاكتئاب واليأس الذي يولّده هذا النوع من المطالعات. يتميز الكتاب بأسلوب يُخرج القارئ بإنطباع يُشعره بالقرف من الحرب الداخلية.

لبنان هو مختبر من أغنى المختبرات في علم السياسة المقارن في العالم. وأن علم النزاعات والحروب يعرف اليوم تجدداً مع نشوء مؤسسات دولية حديثة لدراسة النزاعات وكيف تنشب وتنتهي الحروب. وللبنان تجارب غنية من 1840 إلى 1860 و1958 وصولاً إلى 1975-1990.

معظم الدراسات حول النظام اللبناني تلقي عبء المشاكل التي يعانيها هذا النظام على الطائفية فقط. لا شك ان الطائفية معضلة خطيرة، ولكن لا سبيل لإكتشاف العلاج في معزل عن التشخيص. الوصول الى وسائل الوقاية ممكن بشرط دراسة الظواهر المَرَضية دون عقدة خجل أو أفكار مسبقة.

السلام ليس حكراً على المجتمعات التي تعيش فيها شعوب متجانسة. وإلا كيف تمكنت الولايات المتحدة من أن تصبح أقوى قوة عالمية وهي تضم شعوباً وأعراقاً من مختلف الجنسيات والأصول. وما يقال عن الولايات المتحدة يقال أيضاً عن بعض المجتمعات الأوروبية التي تمكنت من بناء دول تتصف بالقوة وبوحدة وطنية صلبة على رغم تنوع فئاتها دينياً ومذهبياً واثنياً وقومياً ولغوياً... لم تُشكل الطائفية والعرقية والقومية حائلاً يمنع قيام وحدتها الوطنية. فهل نستمر في إطلاق أحكام بشأن الطائفية في لبنان وإعتبارها مصدر كل الضعف والتفكك والشرور؟

يكمن النقص الأكبر في الثقافة السياسية التي لا تنمّ عن وجود إدراك مشترك للخطر الخارجي لدى اللبنانيين على السواء، بينما تنمية هذا الإدراك هو العامل الأكثر فاعلية لصلابة التضامن الداخلي والوحدة الوطنية. التضامن يعني التماسك في مجابهة مخاطر مشتركة والتنازل في المراحل المصيرية عن متطلبات وحقوق مشروعة دفاعاً عن قضية أسمى هي قضية الوطن واستمراريته. غالباً ما كان الوفاق يتزعزع بسبب التباين القائم حول مفهوم السيادة ومضامينها. لذا، فإن وفاق السيادة هو الوفاق الأساس الذي يجعل المواضيع الاخرى المُتنازع عليها سهلة الاحتواء.

من المفيد الإشارة إلى وحدة لبنان واللبنانيين، الذين على رغم إنقساماتهم بين سنوات 1975 و1990 لم يعرف لبنان التقسيم بالمعنى الدستوري. أما الفرز الذي حصل خلال سنوات الحروب منذ 1975 فكان امراً واقعاً لم يتحوّل إلى واقع شرعي، ولم تطرح أية جهة لبنانية التقسيم، بل أشكال مختلفة من اللامركزية أو الفدرلة. ومَن يَسعَ جدلاً إلى التقسيم تصطدم أحلامه بحائط الصعوبات الميدانية التي تُشبه الاستحالة.

لا يولد اللبناني جينياً أو بالفطرة مقاتلاً شرساً مصنوعاً لحربٍ يسمونها أهلية بينما تتدخل فيها قوى إقليمية ودولية. الأصح هو أن الحرب المسماة داخلية هي حرب مركّبة، وسلسلة حروب من أجل الآخرين، بحسب تعبير الاستاذ غسان تويني.

يفتح هذا الكتاب في توجهاته المستقبلية المجال لدراسة مصير الدول الصغرى في النظام العالمي الجديد، وكيفية المحافظة على ديمقراطية أنظمتها في أوضاع أقليمية ودولية متحولة؟ يقتضي تالياً معرفة ما هي فائدة التضامن العربي بالنسبة إلى استقلال لبنان؟ وهل تؤدي زعزعة نظام الأمن الإقليمي حتماً إلى انتاج أزمات لبنانية داخلية؟

عندما يأتي الزمن الذي يصبح فيه موضوع الكتاب وراءنا، يكون لبنان عندئذٍ إكتسب مناعة قصوى، بفضل توبة وطنية جامعة فيُنشد اللبنانيون عندئذٍ ترنيمة: "فليكن ذكرها مؤبداً"، ويُكتب لهم من بعدها طول البقاء.



[1] منسق الأبحاث في المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم ورئيس الجمعية اللبنانية للعلوم السياسية

   والمشرف على الماستر في العلاقات الإسلامية المسيحية في كلية العلوم الدينية في جامعة القديس يوسف في بيروت.

[2]Ghassan Tuéni, "Liban: patrie du risque perpétuel", ap. Henri Awit (dir.), Les risques de l'Université / Les risques à l'Université, Beyrouth, Université Saint-Joseph, 2002, 288 p., pp. 35-49.

[3]. "Foreign Assitance and the Fight Against Terror", Peace Watch, United States Institute of Peace, Washington, Vol. 5, August-Sept 2004, (www.usip.org).

 

يراجع أيضًا: وليد مبارك، مكانة الدولة الضعيفة في منطقة غير مستقرة: حالة لبنان، أبو ظبي، مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، "سلسلة محاضرات الامارات"، رقم 86، 2004، 66 ص.

[4] استاذ محاضر في كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية.