تكريم الفنّان شربل روحانا

تقديم الدكتور الياس كساب  

--------------------------

وفي اليوم الاخير تقدم الخمرة الجيدة.

نرحب بكم فرداً فرداً في رحاب الحركة الثقافية أنطلياس ضمن فعاليات المهرجان اللبناني للكتاب في دورته الحادية والأربعين ، وقد شارف هذا المساء على نهايته بعد العشرة من الأيام مع الكتاب ومحبيه واصدقاء الحركة الثقافية - انطلياس. نختتم هذا المهرجان بتحية للفن والموسيقى بشخص المبدع الأستاذ شربل روحانا ، لندندن موسيقاه ونحن راجعون هذا المساء الى بيوتنا مع اسدال الستار لنعود ونلتقي في السنة القادمة.

الموسيقي الفنان لا يجلس وحيداً. عندما يُمسك بآلتِهِ الموسيقية تدور بينهما أحاديث خفية يخبرها احاسيسه ومشاعره لتكتبها نغمات على اوتارها. فمع كل نقرة وتر تجاوبه هذه الالة بنغم. فتجمع هذه النغمات بعضها البعض ليولد اللحن الذي لن يبقى سرا بين المؤلف وآلته انما ينتشر كالهواء فيصل الى كل نفس تعشق الموسيقى.

الموسيقى هي غذاء الروح كما الخبز هو غذاء الجسد. هي دواء العقل حيث يبحث العلماء والاطباء اليوم ومع التكنولوجيا الحديثة عن طرق معالجة امراض النفس والجسد بالموسيقى. هي معنا في كل زمان ومكان. هي لغة الحب، وصوت الفرح ورفيقة السهرات ، وشجن الحزن، هي طبول الحرب واعلان الانتصار ونشيد السلام، هي ترانيم الصلاة ومناجاة الخالق.

علاقة وثيقة تخلق بين الموسيقي وآلته  فيصبحان واحدا يفهمها وتفهمه، يكلمها فتسمعه، يناديها فتستجيب له. هذا حال مكرمنا اليوم الاستاذ شربل روحانا.

فمن يلتقي عازف العود والمؤلف الموسيقي شربل روحانا لا يمكنه أن يفلت من ابتسامته الدائمة والمحببة ، بوجهه المسالم وطبعه الهادئ ، الرصين والجدّي ، قليل الكلام ، دمث الأخلاق ، مهذب مثقف ، يختار كلماته بدقة كي لا يحرج أو يجرح أحداً.

  • هو أبن بلدة عمشيت  عام 1965
  • التحق بمدرسة الأخوة المريميين في عمشيت وجبيل ثم بالمدرسة الثانوية في الرهبنة اللبنانية المارونية حيث نال شهادة الفلسفة
  • حصل على دبلوم في آلة العود على يد الأستاذ الراحل فؤاد عواد من كليّة الموسيقى في جامعة الروح القدس- الكسليك وكذلك شهادة الماجيستير في العام 1987
  • ومنها بدأ يعمل مدرّسا لآلة العود في كليّة الموسيقى في جامعة الروح القدس. كما درّس العود في المعهد الوطني العالي للموسيقى
  • مؤسس ومدير دار العود في معهد فيلوكاليا في لبنان حيث ينظّم مهرجانات ومسابقات دوليّة بالإضافة الى ورش العمل والندوات والحفلات الموسيقية لعزف العود المنفرد وفرق العود.
  • أحد إنجازاته الرئيسية هو تأليف منهج جديد لتعليم العزف على العود. تمّ نشر هذا المنهج واعتماده من قبل المعهد الوطني العالي للموسيقى في بيروت وكليّة الموسيقى في جامعة الروح القدس. وقد تمّ تنقيح وتعديل هذا المنهج ونشر من قبل معهد فيلوكاليا عام 2016 الذي اعتمد في معظم المعاهد الموسيقية في لبنان وبعض المعاهد العربية والأجنبية
  • يحيي شربل روحانا الحفلات الموسيقية وورش العمل في آلة العود منذ العام 1984 حيث ظهر في مهرجانات عديدة في لبنان (مهرجانات بيت الدين، بعلبك، وبيبلوس) وحول العالم (سوريا، مصر، العراق، دول الخليج، إيران، المغرب العربي، أوروبا، أستراليا، الولايات المتحدة الأميركية، كندا)
  • ألّف الموسيقى للعروض الراقصة لفرقة عبد الحليم كركلا (الأندلس المجد الضائع 1997، ألف ليلة وليلة 2002)
  • لحّن الشارات الموسيقية لعدد من المسلسلات والوثائقيات المحلية والسورية للمخرجين بطرس روحانا سمير حبشي، ونجدت أنذور وغيرهم.
  • شارك عازفا مع السيدة فيروز، السيدة ماجدة الرومي، والسيدة جوليا بطرس. كما شارك مع الفنان مرسيل خليفة وفرقة الميادين في عدّة أعمال موسيقية وغنائيّة وأبرزها " جدل " لعودين عام 1995
  • حاز شربل على عدّة جوائز وطنية كما نال الجائزة الأولى في مسابقة هيراياما عام 1990 في اليابان لأفضل أغنية
  • له مؤلفات موسيقية لأكثر 15 CDsوهو بصدد انجاز عمل جديد خلال أيام

 

( 1 )

مارانا سعد - سيرة ذاتية

الأخت مارانا سعد مؤسسة ورئيسة فيلوكاليا، حاصلة على دكتوراه في اللاهوت من جامعة

Saint-Anselme di Roma ودكتوراه في علم الموسيقى من جامعة الروح القدس من الكسليك. كما أنها حاصلة على شهادة تنفيذية في الإدارة الإستراتيجية والقيادة من جامعة جورج واشنطن (الولايات المتحدة)، حيث أكملت التدريب في مجال التوعية بالعلاج بالموسيقى في معهد العلاج بالموسيقى في نانت (فرنسا). تقوم بتدريس اللاهوت وعلم الموسيقى في مختلف المؤسسات والجامعات. وهي منذ عام 2022 عضو في اللجنة الوطنية اللبنانية لليونسكو.

درست الأخت مارانا سعد قيادة الكورال مع المايسترو الشهير والتر مارزيلي في المعهد البابوي للموسيقى المقدسة في روما.

في عام 2010، أسست جوقة فيلوكاليا (المعروفة سابقًا باسم جوقة معهد القديسة رفقا )، ثم الفرقتين الغنائيتين HymnosوAshtar، والتي قدمت معها عروضًا في جميع أنحاء العالم، على مراحل فرنسية مع أصداء أمريكية، مرورًا إيطاليا وبولندا وألمانيا وقبرص.

شاركت كمتكلم أساسي في دول متعددة  مثل الفاتيكان وروما وتالين وريتشموند وليماسول وزغرب وستوكهولم. بالإضافة إلى ذلك، قامت بتأليف العديد من المقالات التي تغطي مجموعة واسعة من المواضيع،

من يعرف الأخت الدكتورة مارانا يصفها بجميلة الروح والفكر والقلب .

 

 

( 2 )

 

سهى حدّاد، معروفة بسهى نعيمه، لأنّها وُلدَتْ في منزل ميخائيل نعيمه الساحليّ وتَرَعْرعَتْ على يديه، في كنَف محبّته وحنانه وتضحياته ومردود كتبه، فكان المُعيل لعائلتها الصغيرة المُؤلّفة من ميخائيل نعيمه وميّ نجيب نعيمه، إبنة شقيق ميخائيل نعيمه و’ملاكه الحارس‘ كما كان يلقّبّها وهي والدتها. ميخائيل نعيمه، صورة الأب في حياتها، وميّ نجيب نعيمه والدتها، وهي، ألّفوا العائلة الواحدة، عائلة الميماسونا .

 شهدَتْ هذه العائلة الصغيرة على آخر عشرين سنة من عمر نعيمه، من عمره في الثمانين حتى رحيله عن عمر 99 سنة وأربعة أشهر. فكانت السنوات ال20 الأخيرة من عمر ميخائيل نعيمه السنوات ال20 الأولى من حياة سهى

تكمل هي اليوم مسيرة المحبّة في حفظ ما حَبَكَتْه السنوات من عائلتها الميماسونا، وتهدف مع جمعيّة ميخائيل نعيمه ميماسونا التي ترأسها إلى تأسيس متحف "ميخائيل نعيمه ميماسونا". هي أستاذة جامعيّة في جامعة هايكازيان، تُدَرّس اللغة الإنكليزيّة وفلسفة الحضارات. صدر لها في آذار السنة الماضية كتابها الأوّل باللغة الإنكليزيّة

 The Buzzing of the Fly Over the Window Pane، أيّ ذبْذَبة الذُبابة على حافّة النافذة.

 

 

( 3 )

حاتم فؤاد الذيب

كما يفضل أن يعرف عن نفسه باللقب الأحب اليه وهو محامي بالإستئناف

مواليد ١٩ / ١ / ١٩٦٢ درس في الجامعة اللبنانية - كلية الحقوق - وبالتوازي مع دراسته الجامعيه انتسب الى المعهد الوطني العالي للموسيقى كطالب على آلة العود إلا أنه لم يبلغ مرحلة الإحتراف،

فبعد تخرجه من كلية الحقوق مارس مهنة المحاماة وما زال

 

 

( 4 )

 

ألبير يوسف روحانا

مواليد 1962 عمشيت

حائز على ماجستير في ادارة الأعمال من جامعة الروح القدس في الكسليك

عضو نقابة خبراء المحاسبة المجازين في لبنان

عضو مجلس ادارة شركة عيسى للبترول IPT  ونائب رئيس مجلس الادارة

شارك شقيقه شربل وفرقته في العديد من الحفلات في لبنان والخارج عزفاً على آلة الايقاع

 

 

( 5 )

 

عند التحضير لهذا التكريم ، كان مقرراً أن يكون متكلماً اساسياً ألا أنه فوجئنا بسفر مستجد يوم الحفلة ،

ولكن لحسن خظنا ، علمنا الليلة بأن موعد سفره قد تأجل وها اني أراه بيننا بحضوره المميز وهو صديق عزيز للحركة الثقافية – أنطلياس  ، 

لذا أتمنى عليه أن يشاركنا بشاهدته عن المكرم النسيب والرفيق.

أهلا وسهلا بالأستاذ مارسيل خليفة

 

 

  • النشيد الوطني اللبناني

 

 -  كلمة التقديم : د. الياس كساب

 

  • الأخت مارانا سعد

 

  • فيديو ١

 

  • سهى حداد نعيمه

 

  • فيديو ٢

 

  • حاتم الذيب

 

  • فيديو ٣

 

  • ألبير روحانا

 

  • مرسيل خليفة

 

  • شربل روحانا

 

  • فقرة موسيقية

 

  • الختام مع الأمين العام

_____________________________________

كلمة  الاستاذة سهى حداد نعيمة

 

في إطار المهرجان اللبناني للكتاب، السنة 41، 2024، وضمن برنامج ’تكريم أعلام الثقافة في لبنان – الحركة الثقافيّة، أنطلياس، تُكرّم الفنّان شربل روحانا.

شهادات الإخت د. مارانا سعد، سهى حدّاد نعيمه، أ. ألبير روحانا، بإدارة د. الياس كسّاب

___________________________________________ 

 

                           أشكر الحركة الثقافيّة أنطلياس لمبادرتها ’تكريم أعلام الثقافة في لبنان‘ بإطار المهرجان اللبناني للكتاب، السنة 41، 2024، كما أشكرها لاستضافتها الطيبة لي، ولهذه اللفتة الكريمة، بتكريم الفنّان شربل روحانا، الذي كرّمه جمهوره خير تكريم بمحبّته واحترامه لموسيقاه.

     فرح لي أن أعطي شهادتي، المتواضعة، عن اختباري مع شربل روحانا (الذي لَقَبه منّه وفيه)، وأنّ أكون الشهادات الأربعة بمَعِيّة الإخت الدكتورة مارانا سعد، أ. حاتم ذيب، أ. ألبير روحانا، وبإدارة د. الياس كسّاب، كما يزيدني حضوركم فرحاً أيّها الجمهور الكريم.  هذه هي لحظات كسْب لي لما فيها من غِنى.  فشكراً لهذه الفرصة.

     يطيب لي أن أبدأ كلمتي مع ميخائيل نعيمه وما قاله بكتابه "نجوى الغروب" عن ’الكشكول الغريب العجيب‘ الذي منه يأتي ’الخيال‘ و’الطمأنينة‘ والحزن والفرح وغيرها من التفاعلات الإنسانيّة العديدة. 

يوضح نعيمه:

". . . الكشْكول كشْكولي. . . هَل لي أن أُحصي ما تقبّله ذلك الكشْكول منَ العجائب والغرائب منذ نعومة أظافري وحتى الساعة؟  إنّه لَعَوالمَ في عوالم. . . وهذه العوالمُ جميعُها، وهي بعضٌ منّي، يتصرّف بها على هواه ذلك البهلوان الأكبر‘ الذي هو فكري." 

فالفكر إذاً هو ذلك الكشكول.

                         فماذا فعل كشكول شربل روحانا؟  كشكول شربل روحانا أنتج ما أنتجه من جمال بعالم الحرف والنوطة.

     اسمحوا لي أن أتشارك معكم هذه القصّة:

     اتصل بي شربل قائلاً:

  • سهى، أودّ أن أُلحّن قصيدة نعيمه ’الطمأنينة‘ وأن أُلحّن مقاطع من محاضرة ’الخيال‘ في كتاب "زاد المعاد".
  • بكل سرور شربل.  عليك تجتمع مع إبن خالي ميشا* نديم نعيمه، هو صاحب الحقوق.

*إسم ’ميشا‘ تصغير ’ميخائيل‘، وهو إسم التحبُّب الموجّه لـميخائيل نعيمه من قِبَل زملائه في الدراسة ببولتافا في السمنار الروحي، ضمن روسيا سابقاً، أوكرانيا حاليّاً. و’ميشا‘ هو إسم التحبّب من قِبَل جبران لصديقه ميخائيل.

 

اجتمع شربل روحانا وميشا نعيمه عندي بالمْطَيْلب، في البيت-المتحف ميخائيل نعيمه ميماسونا*، وتمّ الإتفاق. (ميماسونا = الإسم الواحد الذي يجمع أوّل حرفين من الأسماء الثلاثة ميخائيل، مَي، سُهى، واسم الشهرة نعيمه، النبض الواحد للعائلة الواحدة)

وبعد فترة قصيرة، اتصل شربل بنا ونظّمنا موعد للذهاب إلى استوديو شربل في منطقة أدونيس، لنستمع إلى عمله الجديد بعنوان "ديوان في الحكمة"، وهو يتضمّن المقطوعتين ’الطمأنينة‘ و’الخيال‘ لـميخائيل نعيمه، وبصحبتنا صديقتنا يمنى شامي. 

          ونحن في طور الاستماع الى "ديوان في الحكمة"، وقبْل الوصول الى مقطوعة ’الطمأنينة‘، يلّيوتأتي بالتراتبيّة قَبْل مقطوعة ’الخيال‘، يسألنا شربل بين الفَيْنة والفَيْنة، "إذا بتحبّوا، منسمع المقطوعتين لـميخائيل نعيمه.  ما بدّي تعّبكم." لا يريد أن يُتعبنا بسماع العمل بكامله.  

  • يتعبنا؟  وكيف يُعقل أن يُتعبنا وكشْكوله فعلَ العجائب بكشكولنا؟ 

كان ميخائيل نعيمه، جدّو ميشا - عندما كنّا نعيش سويّة في بيتنا بالزلقا، الذي انتقل معي للمطيلب بكلّ تفاصيله بكانون الأول 2018 - يغنّي لي قصيدة ’الطمأنينة‘ كتهويدة لي قبْل النوم، خلال طفولتي، وصوته القوي، الأمين، الحنون لا يزال متجذّراً في كياني.  كانت العادة أن يتناوب الغناء هو وامّي ميّ، وقد نسجوا لها لحنهم الخاص.

عند اجتماعنا نحن الثلاثة، شربل وميشا وأنا بالبيت-المتحف بالمطيلب، بخصوص التلحين، تشاركْتُ قصّتي هذه مع شربل، وسألني، "كيف كان اللحن؟"  وأجبْتُه، "مش رح قول!"

          وها نحن بالاستوديو، نستمع الى ’الطمأنينة‘. 

  • يا الله!  كيف يُعقل أن يكون اللحن بهذا القرب من لحن أمّي وجدّي!  ما هذا ’الكشكول الغريب العجيب‘!

أغمضْت عينيّي وعدْتُ بالقهقرى الى تلك الإيّام، رأيت نفْسي طفلة، يطلب منّي جدّو ميشا، وأنا إبنة 3 سنين، أن أسمّع المقطع الأوّل من قصيدة ’الطمأنينة‘ لزوّار عنده، بحضور أمّي ميّ. 

     هذا هو المقطع الأوّل من القصيدة:     

"سقف بيتي حديد     ركن بيتي حجر

فاعصفي يا رياح     وانتحب يا شجر

من سراجي الضئيل  استمدّ البصر."

إنّما، أنا إبنة السنوات ال3، فكنت أتلو القصيدة ’على طريقتي‘:

"سقف بيتي حديد    ركن بيتي حجر

صَعْفِهي يا رياح      وانتحب يا شجر

من سراجي الضئيل   أَسْمَتِدُّ البصل."

وما كنت أفهم علاقة البصل هنا. قد يكون البصل هنا للتوضيخ بأن قشره طائر مع الريح... 

وعند انتهائي من تسميعي للقصيدة، مع "أسمتدّ البصل"، يطوّقني جدّو ميشا بذراعيه ويشدّ، ويضحك وتضحك عيناه ويقول لي:

  • "يا روحات جدّك إنتي. . ."  وإمّي تزقّف لي مع "برافو سهى" وتقبّلني، مع بسمات غاية في الصفاء، ويضحك أهلي ويضحك معهم زوّارهم. . .

أعادني شربل روحانا بكشكوله الغريب العجيب الى تلك المرحلة. . . وأنا جالسة في الاستوديو، عدت الى الزلقا، الى حضن أمّي وجدّي وبيتنا وطفولتي، وأدمعت. . .

     وأتى دور المقطوعة الموسيقيّة الثانية ’الخيال‘، وهي أصلاً محاضرة ألقاها ميخائيل نعيمه في21 شباط 1933، باللغة الأنكليزيّة بال’وست هول‘ في الجامعة الأميركيّة AUB، تحت رعاية Students Union(إتحاد الطلّاب)، ونَشَرتْ الجمعيّة المحاضرة باللغة الإنكليزيّة بكرّاس على حده. 

     ابتدأتْ مقطوعة ’الخيال‘: مقدّمة موسيقى، وأنا مغمضة العينين، وفي’كشكولي‘ غيوم بيضاء كالقطن، تتسارع، وراءها سماء زرقاء، وأنا طفلة، عمري 10 سنوات، معي طيّارتي الورقيّة، لونها أحمر، أقفز فرحاً، متراقصة بهجةً، ألعب مع الفراشات، وحولي شجر تفّاح وكرز وسنديان، وأزهأر من كلّ الألوان...

     يَلي المقدّمة الموسيقيّة، النشيد مع الترانيم ’همممم‘، وكأنّه صوت الدنيا أوممممم، وتأتي بعض كلمات ’الخيال‘ تشعّ معنى في داخلي:

"لو كان لكم مثلُ هذا الخيال. . . فَعَرَفْتُم أنَّ لا فواصلَ بينكم وبينَ شيءِ في العالم. . . إلّا الفواصلُ التي تُقيمُها أوهام الحسّ. . .  وأنَّ هناك أموراً مُختصّة بكم دونَ غيرِكم ولا شأنَ بها لِسواكم، فإنّكم تُخطئون. . . والخيال يعلّمكم أنّ الأمواتَ لم يموتوا. . .  والخيال يعلّمكم أنّ الذين لم يولدوا بعد، هم الآن معكم وبينكم. . . الخيال. . . الخيال. . . الخ"

     تدحْرَجَت دموعي...

     ومدّة مقطوعة ’الخيال‘تقريباً 15 دقيقة، لكنّ يصعب تحديد الوقت، فكأن تلك الدقائق كانت أكثر بما أخبرتنا به دقائق الساعة، بل كانت أقلّ، كانت مثل الحياة، طويلة، قصيرة، ضمن الزمن وخارجه في الوقت نفسه.

يا الله على كشكولك يا شربل. . . غريب عجيب. . .

كم مرجح بي كشكولك وأخذني وردّني وغرّبني وآنسنس، وأنا قابعة في مكاني، وكم ردّني غلى طفولتي وأخذني الى شيخوختي وأنا لا أزال أبحث عن نفْسي، لا أزال في البحث عن ذاتي، أحاول كسر أحاجي فيما يختصّ بهويّتي وبموقعي في هذه الدنيا وفي هذا الكون.

الله يبارك فيك وبكشكولك شربل روحانا. 

_________________________________

كلمة الأخت مارانا سعد في احتفال تكريم الفنان شربل روحانا

في "الحركة الثّقافيّة" - انطلياس - الأحد 10 آذار2024

يشرّفني اليوم أن أشارك في تكريم شخصية مميّزة من شخصيات الفن والإبداع في لبنان، لكنني أولًا أرفع التّحية لــ"الحركة الثّقافية" في انطلياس، التي تواجه التحديات في البلاد وتواصل جاهدة لتعزيز الطاقة الإيجابية بالتقدير والاحترام لأهل الثّقافة والنّور والحضارة في الوطن.

تعرّفتُ بالأستاذ شربل روحانا سنة 2012 في مشروع La contrebasse voyageuse،ولفتَتْني شخصيّته الرقيقة وموسيقاه الراقية وأفكاره السّامية. ويومها نجحنا في تنفيذ ذاك العمل الفنّي بتميّزه اللبناني.

وسنة 2013 كرّمنا الأستاذ شربل في معهد القديسة رفقا ضمن "مهرجانات البترون الدّولية". ويومها غنّى المحبّون ومجلس إدارة المعهد وجوقة الأطفال والكبار وكل الأصدقاء، عزفوا وصفقوا بفرح إكرامًا وتقديرًا لهذا الفنان المميز.

اليوم أتناول شخصيّة الأستاذ شربل روحانا من ثلاثة جوانب: شربل العمشيتي، شربل المعلم، شربل الفنان.

أولًا: شربل العمشيتي

أذكر من طفولتي كيف كان والدي أيام الأحد يجتمع بأصدقائه إلى مائدة الطّعام وكأس العرق، فيحمل الأكورديون ويغني ويستذكر الأوقات الجميلة، وكيف كان يجلس في عمشيت مع مرسيل خليفة والياس غانم وشربل روحانا وسواهم، على أنغام العود وأغاني الأخوين الرحباني ووديع الصافي وفيلمون وهبة وزكي ناصيف وعبدالوهاب وغيرهم. وكان في كلامه حنين إلى ماضٍ عزيزٍ على قلبه حتى أنه كان يدمع وهو يتحدث عنهم. يومها لم أتوقع أني سألتقي بأبي مجددًا من خلالهم وأنغامهم وأصواتهم وحكاياتهم، فأراه من فوق مبتسمًا. ومن العبارات والتقاليد في جبيل تصنيف أولاد المناطق: "دب إهمج، واوي جاج، وأخوت عمشيت..". كانت تُضحكنا تلك المقولات، ولم نكن نفهمها حتى كبرنا وعرفنا أن "جنون عمشيت" يعني مبدعيها الأحرار في الفكر واللاهوت والنحت والشعر والفن والموسيقى. أتذكّر هنا البطريرك إرميا العمشيتي، الأبوين لويس وأنطوان خليفة، المخرج روميو لحود، الصديق مرسيل خليفة، بطرس روحانا، جوزيف خليفة، بول سليمان، بيار كرم، وأسعد رشدان وغيرهم. وأخصص هنا تحية قلبية لصاحب السيادة بولس روحانا الذي طبع عائلته وكنيستنا بقدسية الموسيقى الكنسية الفرحة من القلب، وطبعًا للمحتفل به اليوم المتألق "شربل روحانا".

ثانيًا: شربل المعلم

 مع كل جيل من الحياة يأتي أشخاص يضيفون لمسة فريدة تجعل المسيرة أكثر إشراقًا وجمالًا. وها نحن اليوم نجتمع لنعبّر عن امتناننا العميق وتقديرنا الصادق لك، يا شربل المعلّم في الإنسانيّة والفن والموسيقى. فالمعلّم ليس فقط من يعطي المعلومات بل من يتلمذ ويخرّج معلّمين جددًا. لذا، تكوينك للأجيال الجديدة ليس مجرّد نقل للمعرفة بل بناءٌ على أسس الإلهام والإبداع. وهذا ما نشهد عليه في مسيرتك منذ 2013، عندما بدأت تعليم العزف على العود في معهد القديسة رفقا، وما زلت اليوم تواصل رسالة التّعليم ومشروع ترقية وتطوير آلة العود في معهد فيلوكاليّا.

إن جهودك الدؤوبة وإلهامك اللّامحدود ساعدت على تشكيل طموحات وأحلام الشباب، وأضفتَ قيمة لحياتهم لا بشغفك وتفانيك وحسْب، بل بخلق واحات فنيّة بتأسيس "دار العود" والفرَق الموسيقية التابعة له من عينطورة إلى طرابلس وكل لبنان. ولترقية هذه الآلة وهذا القسْم، نظّمتَ مباراة دوليّة وورشات عمل وحفلات وتسجيلات. لذا لستَ مجرّد معلّم بل موجِّهٌ وقدوة لكل من تتلمذ على يديك. وبفضلك اكتشف العديد من الطلاب مواهبهم الخفيّة وأصبحوا أكثر ثقة بأنفسهم. أتذكّر كيف كنت تجلس بينهم في كل حفلة لتحفيزهم على العزف بفرح وإبداع. ولم أرَكَ يومًا إلّا مبتسمًا لهم وصاحب النكتة الجميلة.

فباسم مجلس الإدارة الحاضر معنا اليوم، وباسم كل فرد من أسرة "فيلوكاليّا"، نشكرك على كل ما قدمته، وعلى الإلهام الذي بذلته، وعلى الجهد الذي قمت به في مشروع كتابة منهج العود بعنوان "مقام العود" الذي أصبح عالميًا، وسافرنا به لتقديم ورشات عمل إلى أميركا والأردن وروما وألمانيا وسواها.

ثالثًا: شربل الفنان

أ) شربل فنان النّغم، مبدع الأوتار، صانع السحر بألحانٍ تروي القلوب، وصاحب الصّوت الصّادق، أصف فنّه بأربع كلمات: رصانة، أصالة، مهارة، وانتماء. وإنني أحييه لأصالته المتجدّدة إذ هو أتقنَ اللحن دامجًا أنغامه بالموسيقى الجديدة وأعماله المعروفة: "ذكرى"، "سلامات"، "مزاج علني"، "خطيرة"، "دوزان"، "تشويش"، وسررنا بإصدار عملين كبيرين: الأول طرب "سفر"، والآخر  لوحة "أصل الموسيقى" الخاصة بجوقة "فيلوكاليّا". وألحان شربل مرآةُ شخصيّته، تشبهه بدقته وبساطته العميقة وقربها من الأذن بدون تكلّف.

ب) شربل العازف: بدا مبدعًا حقًّا بأمسيات "جَدَل" التي أظهرَت إبداع العزف على آلة العود مع الكبيرين مرسيل خليفة وشربل روحانا. والمميز في شربل: روح العود بين أنامله التي تبحث في رفع النفس ورسم البسمة على وجوه الناس وزرع السلام في القلوب.

ج) شربل الفنان على المسرح: ونحن اشتركنا معه في حفلات ومهرجانات عدة، معه شخصيًا أو مع ألحانه وأغانيه. وأدركتُ من خلالها أسراره على المسرح، ومنها: 

- حسُّهُ بالمسؤولية الكاملة قبل الحفلة وخلالها وبعدها.

- تحضيرُهُ العمل بشغف وإتقان وبتفاصيل صغيرة وكبيرة، دليل احترامه للناس وللمهرجان.

- حقيقته وعفويته على المسرح، وهذه هي "الكاريزما" العالية لديه في المقابلات أو الحفلات.

- تَوَاصلُهُ العالي مع الناس بالأغنية واللّحن والإيقاع واللّقاء. فالصغير يضحك، والشّاب يغني، والكبير يترضّى.

 ختامًا:

 شكرًا لك يا شربل على هذا النُبل.

شكرًا لأنك أنت، شكرًا لأنّك مصدر للإلهام والجمال والطاقة الإيجابية.

 أنت فخر لـ"فيلوكاليّا" ولعمشيت وللبنان.

أنت مدرسة تعلِّم، وإنك حقًّا لمستحق ومستاهل كل هذا التكريم.

ولكَ محبتي!ا

 

________________________________________

كلمة شربل روحانا
 

عندما كرمت منذ عشرين عاما ونيف من قبل نادي "لا جوكوند " مع لطيفة وأنطوان ملتقى ؛

نادتي ست لطيفة وسألتني:"يا إبني ..حكيني كلمة. أنا وأنطوان.. معروف ليش عم يكرمونا. إلنا عمر بالتعليم

والكتابة والتمثيل والإخراج...إنت مع كل احترامي، فيك تفهمني ليش عم يكرموك ؟". لم أتوقع هذا السؤال

فابتنسمت وقلت لها:"ولك يا ست لطيفة شو بيعرفني..بدك تسألي إللي كرموني"

. اليوم بعد كل هذه السنين . أستبق الجميع وأطرح على نفسي نفس السؤال: هل أنا مستحق؟

فأنا لم أفعل شيئا سوى أنني شعرت بالفرح الداخلي سواء بالتعليم أو بكتابة المناهج أو العزف والغناء

والتلحين والتأليف...في كل ذلك يحركني نفس المحرك: التفتيش عن الحب والجمال في كل ما أفعل . وفي

هذا المجال قد كرمتني الحياة بأكثر من مناسبة لذلك أقول لنفسي "إفرح واشكر من يريد أن يعبر لك بأنه

يحبك ويحب أعمالك الموسيقية ويقدرها ويريد أن يشاركك فرحك الداخلي" . وما الفرح هذا سوى التمني

بأن أعيش موسيقيا حقيقيا حتى النهاية. "والموسيقي" هو اللقب أو الصفة الأحب إلى قلبي لأنني قبل كل

شيء انطلقت في رحلتي من الموسيقى وآلة العود تحديدا

وبعد أن كادت الحياة تنجح في انتزاع عفويتي مني، أدركت مؤخرا بأن الأفكار الخلاقة لا تأني فقط عندما يكون

المرء منتبهًاك بل بأن يكون انتباهه عفويا جريئا وبعيدا عن التصنع وهنا تكمن الصعوبة. إذ من منا يستطيع أن يبقى

منتبها عفويا وجريئا في آن؟ وفي كل آن ؟ كل ما عزفته وغنيته وكتبته ولحنته قد فعلته من كل قلبي وبكل شغف في

تلك الأوقات المقتطعة والمختطفة من الحياة اليومية التي استطعت أن أعيشها بانتباه وعفوية وجرأة. وعلى ما

يبدو أن هذا كله قد وصل بشكل أو بآخر إليكم مشكورين على دعمكم .

أتشارك هذا التكريم مع أهلي وقد تعودنا في العائلات الفقيرة عدم التملك. فما تظنه لك وحدك هو أيضا لغيرك

فتصبح مسيحيَاك اشتراكياك إنسانيا من حيث لا تدري. أهدي هذا التكريم إلى الحاضرين دوما في حياتي الماضية

والحاضرة والمستقبلية إلى أمي هيفا وأبي يوسف وقد تعلمت منهما العطاء دون حساب وبأنه لم يكن يوما هدف

الشجرة الوارفة الظل أن تستظل بظلها.

في أحد الأيام . طلب مني أبي قبل أن يذهب إلى عمله أن أنظف حديقة المنزل من الأوراق والأعشاب اليابسة

وبأن أحرثها بعد ذلك . كان عمري يومها لم يتجاوز الخامسة عشرة "والدني مش سايعتني" فأنيت أعمال

التنظيف والحراثة بأقل من ربع ساعة يعني "هات إيدك ولحقني". وفي المساء عندما عاد أبي من عمله ذهب

مباشرة إلى الحديقة كي يعاين ماذا فعلت وأنا كنت أمشي خلفه بحذر. بالطبع لم يكن راضيا أبدا عن النتيجة وقد

بدت عليه ملامح الغضب والصدمة وهو المعروف بهدوئه ومرحه فنظر إلي قائلا: "شو هيدا يا شربل؟! بعمرك ما

تستقرب ولا تستلشق ولا تعمل الشغلة من قفا إيديك". وأنا حفظت الدرس..درس العمر! وفي كل مرة أريد أن

أستقرب أو أستلشق وأعمل الشغلة من قفا إيدي، يظهر علي والدي فجأة فأقوم بالأمر كما يجب.

أتشارك أيضا هذه اللحظة مع إخوتي وأخواتي على مدار السنة:

- في الشهر الأول سأضع شعار الحركة الثقافية المذهب عند أختي الكبيرة ماريا الحبيبة التي ساندت أمي وأبي

في تربيتنا وهي كما أخبرتني بأنني عندما كنت طفلاءكنت أبكي عندما كانت تضع أي شيع يلمع كالذهب على

ثيابي ولا أتوقف عن البكاء إلا بعد أن تنتزعه.

- في الشهر الثاني عند أختي عفاف الحبيبة وهي مثال الحنان والتواضع والخدمة الدائمة وقد أنقذتي مرات

عدة من عقابات أمي الصارمة.

- في الشهر الثالث عند أخي الكبير بطرس الحبيب الذي فرش قصائده وقلبه أمامي وقال لي كلها لك خذ ما

تشاء وأنا كنت لم أزل في البدايات.

- في الشهر الرابع عند أخي بولس الحبيب الذي أتى ذات يوم من ديره إلى مدرسة فرير جبيل خصيصًا كي

يأخذني بيدي إلى أول درس موسيقي مع الفنان جوزف خليفة والسيدة ليزيت صايغ في أنطش جبيل .

- في الشهر الخامس عند اخي جان الحبيب الذي اشترى لنا أول تلفزيون من معاشه الزهيد وزرع فرحة لكل

أفراد العائلة دامت لفترة طويلة.

- في الشهر السادس عند اختي لور الحبيبة التي اهتمت بنا أثناء الحرب الأهلية تخبز على الصاج وتجدد أثاث

البيت على نفقتها الخاصة.

- في الشهر السابع عند أخي فادي الحبيب الذي في سبعينيات القرن الماضي ورغم إمكانياته المادية الضئيلة

حيث كان طالبًا يدرس الطب » اشترى لي آلة الأكورديون من الإتحاد السوفياتي متحملا مشقات السفر أيام

الحرب مع آلة موسيقية وذلك فقط كي يرسم ابتسامة عريضة في قلي .

- في الشهر الثامن عند أخي ألبير الحبيب الذي ولكثرة الأشياء التي تجمعنا لم أعد أتذكر شيئا معينا أخصه به

ولكنه كان ولا يزال روح العائلة الظريفة لأنه المسلي والمضحك رغم كل الظروف ومستشارنا المالي حين

يوجد المال.

- في الشهر التاسع عند أختي روز ز الحبيبة وما أجمل التواصل والتوافق والتواطؤ ه معك يا يا ورده ة كلما ت تعتقت فاح

عطرها أكثر. تغمرين عائلتي الصغيرة مع زوجك الحبيب أنطوان بكل حنان ينعش الروح.

- في الشهر العاشر سأضع شعار الحركة عند من يأخذان المساحة الأكبر من قلبي وهما ابنتي هيفا الحبيبة في

غربتها وابي الحبيب نديم اللذان كرمتنا بهما الحياة أنا وأمهما غادة وهما مقيمان في روحينا كالمالك في

ملكه وقد أثروا حياتنا وأثروا بها.

- في الشهر الحادي عشر عند اختي الحبيبة باسكال التي كما أخبروني لاحقا بأني كنت أغار منها كونها قد

ولدت بعدي مباشرة فخفت يومها بأن تحصل على اهتمام ومحبة العائلة أكثر مني...قرصتها برجلها فصرخت

بأعلى صوت وقلت لأمي "رديها عالمستشفى". ولأن صراخها كان عاليًا (ولا يزال) أنبتني يومها خالتي جنفياف

بشدة . لذلك تعلمت بواسطة باسكال أن الغيرة لا تنفع. وبأن لكل ولد مكانه ومكانته عند أهلي متصالحًا منذ

ذلك الحين مع كل من هم حولي.

- في الشهر الثاني عشر سأضع هذا شعار الحركة الثقافية المذهب عند أقاربي وأصدقائي وأساتذتي وطلابي

وزملائي الكثر وأخص بالذكر الحبيبين مرسيل وأنطوان خليفة لوجودهما إلى جانبي في عدة مراحل مفصلية

من حياتي . لم أكن أعرف يا مرسيل بأن زيارتي لك مع زويا العزيرة في ثمانينيات القرن الماضي في منزلك

على كورنيش المزرعة وقد عزفت أمامك موسيقاك الجميلة لونغا نهاوند - لم أكن أعرف بأن تلك الزيارة

ستكون سبب دخولي في فرقة الميادين مغنيا مع الكورس وعازفا فيما بعد في العديد من الحفلات وصولا الى

جدل لعودين. أسأل نفسي دائما لو لم يكن مرسيل خليفة قريبي هل كنت لأكتب الموسيقى نفسها التي

كتبت ؟ هل كنت اخترت آلة العود أصلا ؟ هل كنت توجهت أساسا لاحتراف الموسيقى ؟ وهل وهل وهل...

ويكون الجواب: شو بيعرفني ؟ وأمضي مبتسما راضيا بما حصل معي وما وصلت إليه.

- نعم!كلكم جميعا وراء تجربتي عرفتم ذلك أو لم تعرفوا! أنتم موجودون بداخلي حيثما حللت إذ أننا بالنهاية

كلنا واحد في هذه الحياة في السراء والضراء.

أتشارك هذا التكريم مع كل المبدعين اللبنانين الذين قدموا لنا الكثير وكانوا سببا رئيسيا لبقائنا في هذا البلد

ولوجود لبنان على الخارطة الثقافية العربية والدولية رغم صغر مساحته ورغم كل التشوهات التي صنعها فساد

معظم السياسيين والقادة في هذا البلد الرائع

الموسيقى بدأت عندي من رغبات متعددة مبعثرة فوضوية ولكنها قادتني بالنهاية إلى قصر عال فسيح .هناك في

هذا القصر غرقا كثيرة متداخلة مثل المقامات الموسيقية تنقلت من مقام الى آخر وكل مقام غاية في الجمال

والروعة. والتداخل السلس لهذه المقامات ولد عندي ألحانا بعضها وصل إلى قلوبكم وبعضها الآخر ربما قد يصل

يوما أو لن يصل . لا هم طالما أننا في الموسيقى كما في الحب لو مهما أردنا الوصول فليس أمامنا سوى محطات

وسنبقى باحثين عن أفكا ر ومشاعر لا تنضب. أفرح عندما يزورني الحب متخفيا على شكل نغمة أو نغمة على شكل

صديق إستثنائي أو امرأة استثنائية. عرفت منذ البداية أن الحب زياراته مثل الوحي نادرة ولا تقيم طويلا فيجب أن

أدلله كلما أنن كي أصطاد تلك اللحظات الثمينة دون رحمة. الحب والنغم كلاهما قد أرشداني إلى حريتي.

أتمنى بالنهاية أن أتابع مسيرتي كما بدأتها بنفس الشغف والإندفاع ، والإنفتاح والانتباه والعفوية . وأن أكمل بفعل

الأشياء التي أقوم بها وليس افتعالها لأن الأشياء الجميلة خير والخير لا يفتعل. وكما بدأت مسيرتي أقول مجددا

ودائما : أريد أن أعيش موسيقيا حتى النفس الأخير وبذلك أكون قد نلت التكريم الأكرم الذي أطمح به.

قبل ان نبدا الفقرة الفنية ٧‏ إسمحوا لي بأن أوجه ما هو أعمق من تحية:

- للأخت الصديقة الصدوقة الدكتورة مارانا سعد. أحييك على كل ما تقومين به منذ سنوات وبتصميم منقطع

النظير.على أمل أن نكمل سويا مسيرتنا الإنسانية والفنية وقد التقينا في البحث عن الخير والحب والجمال

إنطلاقا من مجتمعنا الصغير إلى كل العالم.

- شكرا للصديقة الأستاذة سهى حداد نعيمه. مع أنه لم يمر سنة واحدة على تعارفنا ولكننا نعرف بعضنا جيدا

وسنتعرف أكثر فأكثر والفضل بذلك يعود لأدب وفن وفلسفة وروح الكبير ميخائيل نعيمه الذي جمعنا سويا

بحضور العزيز ميشا نعيمه ذات يوم من ربيع العام ٢٠٢٣‏ وما زال يجمعنا مع الكثيرين حولنا وأمسية تورونتو

الأخيرة في شهر تشرين الاول المنصرم خير دليل على تعطش الناس الى حكمة ميخائيل نعيمه وسعة ثقافته

وخياله.

- شكرا للصديق المحامي الأستاذ حاتم الذيب. وكما يقول ميخائيل نعيمه " الصديق هو الذي يخدمك ولا

يستخدمك» ويعطيك ولا يستعطيك. والذي إذا خطرت في باله وكان في حالة النزع ، تقبل الموت بالرضى ، لأنك

عشت فيه ولأنه عاش فيك "

- إلى أخي ألبير وعبره إلى كل إخوتي وأخواتي6 تربطني بكم علاقة حب أبدية مميزة ببساطتها من دون ادعاء

ورثناها مع غيرها من القيم من هيفا ويوسف . علاقة يتمناها كل إنسان في هذه الأيام وقد حمتنا على مر

السنين من كل الحروب والثورات والإيديولوجيات على اختلافها متمنيًا لهذه العلاقة أن تدوم مع أولادنا

وتصمد أمام هشاشة هذا الزمن.

- شكرا لكل الأصدقاء الذين شاركوني هذا التكريم من الخارج عبر الفيديو وأقول لكم أنتم أحبائي ورفاق الدرب

الطويل. شكرا للصديقة سابين تركي ومعهد فيلوكاليا وطاقم العمل بإشراف الأخت مارانا سعد.

- والشكر الأخير من القلب إلى قلب الحركة الثقافية في لبنان وأعني الحركة الثقافية-إنطلياس لأنه علي وقع

طبول الحرب وفي الوقت الذي يصرفه بعض قادة وزعماء هذا العالم في تدمير الممتلكات والتسبب بعشرات

الالاف من الضحايا مدعين بأنهم يفتشون عن السلام وأي سلام هذا الذي يدعونه وهو ينطلق من المجازر

والدمار ؟! نجد انه في المقابل هناك جماعة أدب وثقافة وفن أدركوا أهمية أن نعيش على قيد الحياة الكريمة

بحرية ومسؤولية وتعاضد وسلام وأمان حقيقي . نعيش بين الروايات والأشعار والأنغام والحب... الحركة

الثقافية إنطلياس لكم مني كل المحبة والتقدير.

إسمحوا لي بالنهاية أن أتذكر معكم خمسة موسيقيين أصدقاء رحلوا وتركوا أثرا عميقا عندي وعند الكثير ممن

عرفهم أو استمع الى موسيقاهم:

- أستاذي في آلة العود الأستاذ فؤاد عواد

- الفنان الكبير الأستاذ بسام سابا

- عازفة القانون الأستاذة إيمان حمصي

- عازف الناي الأستاذ سمير سبليي

- صديق العمر وعازف الغيتار الأستاذ جوزف ديبان

______________________________________________
 
كلمة البير يوسف روحانا
 

حفل تكريم الفنان شربل روحانا

 

شـربل هو الأصغر بين الأخوة الستة / والعاشـر في عائلة الـ أحد عشر. ومع أنه الأصغر/ فهو لم يتدلل في طفولته .. بل تحمّل المسؤولية باكراً حيث خرج إلى حياة الكفاح/ فتىً طريَّ العود.

عندما بدأت الحرب 1975 .. وأقفلت المدارس بسببها ، اضطرّ ابن الـ 10 سنوات، كما أنا أيضاً، أن نشمّر عن سواعدنا وأن نشتغل " شو ما كان" .. لكي نكون سنداً لأنفسنا وسنداً للعائلة الكبيرة التي كانت تتكل بشكل أساسي على الراتب المتواضع الذي يتقاضاه الوالد عن عمله كطاهٍ في مدرسة الفرير، وعلى العناية الكريمة من أخواتنا واخوتنا الأكبر سناً. ولكن الأخوة الكبار سرعان ما تركوا البيت وعمشيت وحتى البلد بداعي العلم والتخصّص أو الزواج أو هرباً من أشباح الحرب.

في السبعينات، وقبيل اندلاع الحرب.. كان بيتنا غالباً ما يستضيف الأقرباء والأصدقاء الشباب/ من مثقفين وموسيقيين ومسرحيين. وكم كانت تدور في ذلك القبو الدافئ، حلقاتٌ من النقاشات السياسية والفكرية وجلساتٌ من الغناء والعزف على العود والناي والايقاع.

وأذكر كيف كنّا نحن صغار البيت، نتحلّق حول مرسيل وبطرس وبولس وجان وفريد (وأسد وغطاس...) وغيرِهم .. ونُنصتُ بشغف وغبطة وصمت إلى ما يقدمونه من حوارات ومن موسيقى متقنة راقية.

وعندما يخلو لنا الجو، كنّا نُغلق الأبواب والشبابيك ونستولي من مطبخ هيفا على ما تيّسر من أواني القرعِ ونسترسلُ بالعزف عليها والغناء بصوت عالِ، لم يكن يوقفه إلاّ صُراخُ الوالدة المدوّي: " طوشتوني يأ أمي".

ولكي يسهل علينا حفظُ الاستظهار، غالباً ما كنّا نلجأ إلى تلحين أبيات القصائد والتباري بها في ما بيننا. ولا زلنا حتى اليوم عندما نلتقي/ نحتفل بطفولتنا / ونردد بما عَلِقَ بذاكرتنا من تلك الآلحان. وأذكر أيضاً كم كان يحلو لنا الاستماعَ إلى مسرحيات الأخوين رحباني فنبقى لساعات طويلة في القبو إيّاه بما يشبه الخلوة، هرباً من ضراوة المعارك وصدى المدافع، ونغني مع الكاسيت كلَ مقاطع وحوارات جبال الصوان وفخر الدين حيث كان أنطوان خليفة (شقيق مرسيل) وتلميذ المعهد الموسيقي يُشرف على هذه الجلسات ويصوّب لنا الأداء. وكان شربل ينضم دائماً إلينا بأذنين صاغيتين وعينين شاخصتين، متخلياً عن ألعاب أبناء جيله الطفولية.

وكم انتظرنا بشوق أيام الآحاد، لنخدم القداس في كنيسة الفرير في عمشيت، ترنيماً وعزفاً بقيادة أنطوان ومن بعده شربل، حيث كان لافتاً في تلك الحقبة استعمالُنا ليس فقط للأورغ والأكورديون، بل لآلات الايقاع مثل البنكز والرق ...

شربل، ذلك الولد الحالم، كان كالاسفنجة يمتص الأجواء الفنية وبسرعة.. وصمّم أن يتطوع في هذا الجو، غير آبه ٍ بتأثيرات الحرب وما تفرضُه من صعوبةٍ في الحركة وشحّ ِ في الموارد، مفتتحاً مسيرته على الأكورديون كهاو ٍ، ثم تلميذاً على البيانو، إلى أن اختار العود رفيقاً لحياته.. فحمِلَهُ وطار به من عمشيت ولبنان إلى كلّ الدنيا.

أمّا أنا فأحببت الايقاع وعزفت على آلاته المتنوعة في بدايات شربل (أكيد على السمع)  ولكني ما لبثت أن توجهت إلى عالم الادارة والأعمال مبتعداً عن الموسيقى التي بقيت هوايتي الأولى.

 

في التسعينات، جاءني شربل وقد أصبح فناناً معروفاً، طالباً إليّ أن أرافقه وفرقته الموسيقية كعازف للإيقاع، في سلسلة حفلات في المناطق اللبنانية. فتلبكت واعتذرت. ألحّ شربل قائلاً:  تمرّن معنا يا خيي.. وبعدين منشوف...

أحسست وكأنه بطلبه هذا أراد أن يعيدني إلى قلب حياته، فنتشارك من جديد أحلامنا البريئة الضائعة.. وربما أيضاً قلقنا والهواجس.

تمرّنت مع الفرقة... وكسِبَ شربل الرهان، إذ شاركت بالحفلات وسجلت الايقاع في الاستوديو وسافرت معه في العديد من رحلاته الفنية ..

" ماذا أقول بعد في أخٍ تشاركت وإيّاه مراحلَ العمر، وفي رفيقٍ واجهتُ وإيّاه مطبّاتِ الحياة؟ "

ماذا أقول في أخ ٍ، شقّ طريقه بعناء وعناد الأطفال .. ظلّ ناعماً كالريشة، حنوناً كالصّبا، طيّباً كالتقاسيم، صادقاً كالترانيم ومستقيماً كالوتر.. وإنما دائم القلقِ كالدوزان.

لم تغرهِ الألقاب ، لم تغيّره الشهرة، لم يتوسل المؤسسات، فبقي هو هو وما أحب أن يكون عليه، مالكاً حريته واستقلاليته ونمط عيشهِ البسيط والمتواضع.

 

دعوتني يا شربل كي أشارك في تكريمك

ويقيني أنك أنت اليوم من كرّمني

لن أنسى أنك لوّنت حياتي بالأنغام التي لطالما حنيتُ إليها

ولن أنسى أنك نشّأت ولديّ جوزاف وغدي على حب الموسيقى

تماماً كما نشّأت حَبيبيكَ هيفا ونديم

فيا أيها الأخ الحبيب/ مبروك../ وشكراً جزيلاً لك.

البير يوسف روحانا

____________________________________

 

كلمة المحامي حاتم ذيب

 

سئل حكيم ما الصديق؟ فقال انسان هو انت الا أنه غيرك

تتملكني الحيرة من اين ابدأ بالكلام عن الفنان الكبير شربل روحانا ان لجهة كونه مؤلفا" موسيقيا" وفنانا" كبيرا"، أو لكونه أخا" وصديقا" مميزا" مقيما" في روحي وقلبي على الدوام. فعلى الصعيد الفني وفي بداية تسعينيات القرن الماضي تلمّس شربل بداية" جدية" مبشرة لمسيرة ستكون على قدر الآمال والطموحات له ولمحبيه ، حيث كلفني في العام 1990 السنة التي أنجز فيها تسجيل أول عمل جدي له بعنوان ذكرى ، كلفني أن أتواصل مع شركة ريلكس ان لصاحبها أحمد موسى الذي كان قد اتفق معه على نسخ كمية من الكاسيت لهذا العمل وأن أدفع له التكاليف وأستلم النسخ المذكورة ، الا أن السيد أحمد موسى فاجأني بأن الشركة ستأخذ العمل وستدفع تكاليف انتاجه لشربل لتوزعه باسمها لأنهم سمعوه وأعجبوا به ، وطلب مني ابلاغ شربل بالآمر ، فرحت كثيرا" للعرض يقينا" مني أنه سيكون مهما" لشربل في بداية رحلته الفنية ولأنني كنت مؤمنا" به كفنان سيكون له شأن في عالم الموسيقى ، فكانت بداية" رائعة"  لفنان شاب يبحث عن فرصة نجاح يتكئ عليها ليكمل مشواره ، فكان أن رسمت له خارطة طريق طويل على مدى أربع وثلاثين عاما" شهدت خلالها على ولادة الكثير من الأعمال الرائعة أذكر منها ـ سلامات ـ 13تموز ـ صورات ـ العكس صحيح وغيرها ، شربل روحانا مسيرة طويلة من العطاء والبحث والقلق الدائم وتصارع الأفكار كنت شاهدا" عليها ، كيف لا وقد سمعت مرة" أحد الموسيقين المبدعين يقول أنه بين الجملة والجملة الموسيقية تتزاحم الأفكار والأحاسيس لتولد الجملة الثانية ، نعم ان الفنان الحقيقي هو الذي يحول ما بداخله من وجع لفرح يقدمه للناس. فالكثير من المقطوعات الموسيقية التي عجزت عن محاكاة المشاعر والأحاسيس وقعت في عالم النسيان . انّ صديقي وأخي وتوأم قلبي الفنان شربل روحانا بدأ بالعزف قبل أن يعزف لأن

روحه مندورة للموسيقى وقد وقع في حبائلها .

وأختم مرددا" ما قاله الشاعر الكبير محمود درويش عن الموسيقى :

وأنا أستمع الى الموسيقى تنفتح حولي حدائق ، فتصير النغمة زهرة" أسمعها بعيني ، وان الوردة الحمراء موسيقى مرئية ، وان الياسمين رسالة حنين من لا أحد الى لا أحد .