لقاء حول كتاب الأخت الدكتورة سعاد خرّاط " (المعـرّب من الفرنسية):
"جبران النبي ونيتشه الرؤيوي"، مكتبة اسطفان

كلمات الاخت د. سعاد خرّاط
يسعدني، في هذه المناسبة الثقافية المميّزة، أن أتوجّه بكلمة تقديرٍ عميق وامتنان صادق إلى الحركة الثقافية أنطلياسالتي، رغم الظروف القاسية التي نعيشها في زمن الحرب، أصرت بعزمٍ وإيمان على تنظيم هذا المعرض والمحافظة عليه. إن هذا الإصرار ليس مجرّد مبادرة ثقافية عابرة، بل هو فعل مقاومةٍ حضارية، ورسالة رجاءٍ في وجه العنف والدمار. فالثقافة، حين تُصان وتُحتضن في مثل هذه الأوقات العصيبة، تتحوّل إلى شهادة حيّة بأن الكلمة تبقى أقوى من السلاح، وأن الفكر الحرّ يظلّ أسمى من كل مظاهر العنف. وهكذا يغدو هذا المعرض تظاهرة ثقافية في مواجهة الحرب، لأن الكلمة المسؤولة والحوار الصادق يظلان دائماً أفضلالمضاد الحيوي لشفاء المجتمعات والنهوض بالأوطان.
كما يسرّني أن أتوجّه بالشكر الجزيل إلى السيدة بيتسا إسطفانوالتي شاركت في ترجمة واعداد هذا الكتاب إلى العربية، وأسهمت بجهدٍ علمي وثقافي مشكور في نقل أفكاره إلى القارئ العربي بدقّة وأمانة. لقد كان لعملها دور أساسي في إغناء هذا المشروع الفكري، وفي تمكين النص من الوصول إلى القرّاء بلغة واضحة رصينة تحافظ على روحه ومعناه، وتفتح أمامه آفاق الانتشار والتفاعل في فضائنا الثقافي العربي.
كما أتقدّم بخالص الامتنان إلى الباحث البروفسور الأب سليم دكاش اليسوعي، الذي أدرك منذ البداية القيمة الفكرية والعلمية لهذا الكتاب. فقد تبنّاه بعقلٍ منفتح وقلبٍ مؤمن برسالة المعرفة، واحتضنه جهداً ومسؤولية. أشرف وشارك على ترجمته، ونقّحه باللغة العربية بعناية علميّة دقيقة وأمانة أكاديمية رفيعة، فكان بحق شريكاً أساسياً في إخراجه إلى النور في صورة تليق بعمق مضمونه وأهمية رسالته.
والشكر موصول إلى دار نشر اسطفانالتي احتضنت هذا العمل وأصدرته بحلّة جديدة أنيقة وجذّابة، تُقرّب الكتاب من القرّاء وتمنحه حضوراً يليق بقيمته الثقافية والفكرية. كما أتوجّه بالامتنان إلى رهبانية القلبين الأقدسينالتي لي الشرف أن أنتمي إليها، وقد أحاطت هذا العمل بكل عناية واهتمام، ولا سيّما الرئيسة العامة الأم برناديت رحيم.
وأخيراً، أتوجّه بالشكر العميق إلى كل من يتابعوننا اليوم، وإلى كل من سيشرّفوننا بحضورهم في حفل التوقيع. فبحضوركم تكتمل فرحة الإنجاز، وباهتمامكم تستمر رسالة الكلمة وتثمر في العقول والقلوب.
فلنحافظ معاً على أن تبقى الثقافة منارة مجتمعنا، ولتبقَ الكلمة جسراً حيّاً يربط الفكر بالإيمان، والإنسان بأخيه الإنسان، ومساحة لقاءٍ تُغني العقول، وتُنعش القلوب، وتفتح أمامنا دائماً آفاق الرجاء.
____________________________
»جبران النبي – نيتشه الرؤيوي«
من «النبي» و«هكذا تكلم زرادشت«
الأخت سعاد خراط – منشورات تريبتك
كم أكره هذا الرجل! لقد استخرج كلمات روحي، وقطف ثمار الشجرة التي كنت أتجه نحوها، لكنه كان متقدّماً عليّ بثلاثمئة سنة. سأصنع شجرة وأقطف ثمارها متقدّماً بستّمئة سنة) النبي الحبيب، ص 141(
أعرض هنا بإيجاز الأسباب التي قادتني إلى اختيار موضوع الكتاب، وفي أي ظروف قمتُ بهذا الاختيار.
لقد قرأتُ كامل أعمال جبران، بالعربية، عندما كنتُ ما أزال مراهقة. جبران، اللبناني الوحيد الذي استطاع أن يكتسب شهرة واسعة خارج البلاد العربية. وبفضل ثقافته المتنوّعة، المنفتحة على جميع الرياح وعلى جميع البذور، كان جبران شرقياً، متوسّطياً، أنغلوسكسونياً، نيتشوياً؛ مع بقائه هو نفسه، وهو انعكاس لتعريف لبنان الذي يتبيّن أنه ملتقى بين الشرق والغرب. وإذا كنتُ أحب «النبي» أكثر، فإن الجاذبية الحقيقية يمكن أن تُفسَّر بهذا «الافتتان» الشرقي الغامض الذي حمله إلى الذهن الغربي؛ وبهذه اللمسة الصوفية سواء في النص أم في الرسوم؛ وبهذا التأمل الفلسفي المتحرر من كامل ثقل المنطق الصارم والمعبَّر عنه بنثر بسيط صافٍ. في الواقع كان المؤلف قد بلغ ذروة تمرّده. فالاعتبارات الفردية التي كانت تتدفق في مؤلفاته السابقة انتهت في «النبي» إلى مناخ إنساني شامل حيث تُعالَج المشكلات الكبرى الأساسية التي تزعزع البشر.
وعند قراءة «النبي» لا يمكن إنكار التأثير النيتشوي. فعندما تعرّف جبران إلى «زرادشت» في باريس سنة 1908، بفضل طالبة روسية، كان مهيأً لفهمه واستيعابه بالنظر إلى روح التمرّد التي كانت تسكنه، والنثر الكتابي، والميل إلى التعبير عن فكره الفلسفي بطريقة مصوَّرة وشعرية. وفي «النبي» يكون التأثير النيتشوي هو الأكثر وضوحاً.
إن فكرة مقارنة «النبي» و«هكذا تكلم زرادشت» نبتت في ذهني في باريس سنة 1975، حيث أتيحت لي فرصة رؤية «هكذا تكلم زرادشت» مؤدّىً على المسرح من قبل مادلين بارو التي بقيت على الخشبة، رغم سنّها، ثلاث ساعات؛ يا له من عرض! وعلى أثر هذا العرض قرأتُ الكتاب كاملاً. وبعد بضعة أشهر قدّمت فرقة من المرحيين«النبي» في ظلال صينية مرفقة بموسيقى وببعض مقاطع النص. عندئذٍ تشكّل في داخلي الرغبة في مقارنة العملين.
وبالإيجاز نفسه، سأعرض المنهج الذي استعملته لإنجاز هذا العمل. في هذا الكتاب «جبران النبي ونيتشه الرؤيوي»، سجّلتُ أولاً تجلّيات النبوّة عبر تاريخ الإنسانية وبصورة أكثر تحديداً أثرها في جبران ونيتشه اللذين يصرّحان نفسيهما حاملين رسالة نبوية.
لم يكن الأمر يتعلّق بكتابة تاريخ النبوّة، بل بدراستها من خلال «نبيَّينا» الاثنين؛ ومن هنا التشديد على شخصيتهما، لغتهما، ثقافتهما، ولكن أيضاً، وخاصة، على الطريقة التي يشرح بها كل واحد رسالته النبوية.
وقد وصفتُ أيضاً خصوصيات جبران ونيتشه وكذلك المراحل المختلفة لتطوّرهما عبر مؤلفاتهما، وأبرزتُ السمات الخاصة بكل واحد الناتجة عن اختلافات أكثر أو أقل اعتباراً في الطبع، والوسط الاجتماعي، والتكوين الفكري، والخبرة الشخصية.
وطوال هذا الكتاب حاولتُ إحصاء تأثيرات التيارات الفنية والشعرية والدينية في مؤلفَينا. وعلى ضوء هذه التأثيرات نفهم بصورة أفضل التجربة الصوفية عند جبران وإلحاد نيتشه.
أخذتُ بعين الاعتبار التأثير النيتشوي عبر «النبي» وأبرزتُ الهوّة التي تفصل بين مفكرَينا في تصوّرهما للإنسان، وللمجتمع، ولله.
إن المحن، والآلام، والصعوبات الشخصية كانت الأسباب الحقيقية التي سمحت لعبقرية جبران ونيتشه بأن تنكشف. فكلاهما يتجلّى عبر كتاباته كنبيَّين جديدين، مستثمرَين نفسيهما في رسالة خاصة، هي نقل الحقائق الكونية إلى البشر.
يريد جبران أن يكون نبياً جديداً للإنسانية المتألمة. وهذا يفاجئنا منذ القراءة الأولى، لكننا ندرك سريعاً أن جبران شرقي، وأنه يتجذّر في هذه المنطقة من العالم التي كانت مهد النبوّة، حيث تصبح الكلمة نوراً للأبرار. النبوّة جزء من الثقافة والحضارة الشرقيتين. وجبران واعٍ بذلك عندما يكتب: «طموح كل شرقي أن يصبح نبياً».
وكتابه المعنون «النبي»، تأمل إنشادي بامتياز، يكشف على أفضل وجه تجربة جبران في أشياء الحياة ويبرز دوره كمجدِّد.
أما نيتشه فيقدّم نفسه قدَراً مستثمَراً برسالة تاريخية فريدة تتجاوز الحدود المعاصرة لزمنه. لأنه يتوجّه أولاً إلينا نحن رجال القرن العشرين، هذا المؤلف الذي يخاطب المستقبل: «أصف ما سيأتي، ما أرويه هو تاريخ القرنين المقبلين».
وهكذا فإن الوعي النبوي عند نيتشه يتجسّد في «زرادشت»، فهو يعلن مجيء ما يجب أن يكون: «أعلّمكم الإنسان الأعلى».
إن قراءة معمّقة لـ«النبي» و«هكذا تكلم زرادشت» تُظهر نقاط التقارب والتباعد بين جبران ونيتشه. فالكتابان يقدّمان البنية نفسها ويعالجان الموضوع نفسه: نبيٌّ مهمته أن يكشف للعالم رسالة وأن يعلّم البشر الـ«نعم» الكبرى للحياة، لحياة وفرة وامتلاء تجعل من الكائن البشري إنساناً حراً وخالقاً.
إن الاختلاف الأهم الذي يفصل بين مفكرَينا هو اختلاف في الإيمان. فنيتشه ملحد يدعو إلى تدمير جميع الآلهة، وكل القوانين، وكل المعتقدات الدينية من دون استثناء.
ولهذا فإن موت الإله لا يفتح الباب أمام غياب القانون الأخلاقي، بل أمام اختفاء قوانين العالم. كل شيء مباح، لأن لا شيء في الكون يجد في الله ثباتاً أو صلابة أو ضرورة.
الهدف الذي يستهدفه نيتشه هو تحقيق الإنسان الأعلى المزوّد بإرادة جبارة، القادر على ليّ الأشياء والأحداث؛ فالإنسان الأعلى يجب أن يكون أساس المجتمع الجديد.
أما جبران فله إيمان عميق بالله. وهو يعتبر نفسه «موقظاً» للحرية يحارب كل شكل من أشكال الاستبداد. وهو أيضاً أمين لتقليد شرقي يرى «تأليه» الإنسان بوصفه المصير الإنساني الأخير، والاتحاد بالله بوصفه السعادة الوحيدة الممكنة؛ ولهذا فإن إعادة النظر في جميع القيم تؤول عند جبران إلى شكل معيّن من الخبرة الصوفية.
إن الهوّة الكبرى التي تفصل جبران عن نيتشه هي تصوّر يسوع الذي كان، عند نيتشه، ديونيسوس، وعند جبران الجسر الملقى بين الأرضي والإلهي.
وهكذا فإن جبران، الذي استوعب أفكار نيتشه وأدمجها في رؤيته وفي خبرته الحياتية، بقي حقاً هو نفسه، ملخِّصاً نوعاً ما الوضع الوجودي للبنان، مكان اللقاء بين الشرق والغرب.
اليوم، مستفيدةً من أيّامي الباريسية، انكببتُ على فكرت بإعادة اصدار هذا المؤلَّف الذي أصبحت نسخته الأصلية بالفرنسية نافدة تمامًا. وقد فكّرتُ في إعداد طبعة رقمية جديدة، وهو ما سيتم إنجازه ووضعه على الشبكة، غير أنّ الفكرة جاءت أيضًا بإصداره باللغة العربية، نظرًا إلى قيمته وإلى انتظار الجمهور العربي لجبران ونيتشه وللأفكار التي عرضاها.
وأودّ أن أشكر البروفيسورة بيتسا إستيفانو والبروفيسور سليم دكّاش على إنجاز الترجمة إلى العربية، وكذلك مكتبة اسطفان التي تولّت إصدار هذه النسخة.
إنه لمن دواعي السعادة أن أرى هذه النسخة قد أبصرت النور وأن تكون في متناول الجمهور اللبناني والعربي.
______________________________
كلمة الأب سليم دكاش
في معرض الكتاب الذي تنظّمه الحركة الثقافيّة – أنطلياس 7 آذار 2026
حضرات السيّدات والسادة،
أصحاب المعالي والسعادة،
رئيس وأعضاء الحركة الثقافيّة في أنطلياس،
أيّها الحضور الكريم،
أصدقاء الكتاب الذين يؤمنون بأنّ الثقافة فعل رجاء،
قرأت هذا الصباح : الكتاب فعل مقاومة فنلتقي اليوم، في السابع من آذار، للاحتفال بهذه المقومة في رحاب معرض الكتاب الذي تنظّمه الحركة الثقافيّة – أنطلياس، هذا الصرح الذي لم يكن يومًا مجرّد تظاهرة ثقافيّة موسميّة، بل كان على مدى عقود منبرًا حرًّا للكلمة المسؤولة، ومساحة مقاومةٍ بالفكر، وبيتًا للكتّاب والباحثين والقرّاء.
إنّ للقاء اليوم رمزيّة خاصّة. فنحن لا نقدّم كتابًا عابرًا، بل نحتفي بعملٍ فكريّ عميق للأخت للدكتورة سعاد الخرّاط بعنوان: »جبران النبيّ ونيتشه«، وهو عنوان يختصر مشروعًا معرفيًّا يتجاوز المقارنة التقليديّة، ليطرح سؤال الإنسان في عمقه الوجوديّ.
أولًا: مغامرة المقارنة بين جبران ونيتشه
إنّ الجمع بين جبران خليل جبران وفريدريك نيتشه في دراسة واحدة هو جرأة فكريّة حقيقيّة. فهنا يلتقي شاعر المهجر، صاحب اللغة الشفّافة التي تخاطب الروح، بفيلسوف المطرقة الذي أراد أن يهزّ البنى القيميّة في الحضارة الغربيّة.
لكنّ الدكتورة سعاد الخرّاط لا تتوقّف عند التشابه الأسلوبيّ بين «النبيّ» و«هكذا تكلّم زرادشت» من حيث البنية الخطابيّة أو النبرة الحكميّة، بل تتوغّل في العمق الفلسفيّ للنصّين. فهي تسائل المفاهيم المركزيّة عند كلّ منهما:
الحرّيّة، الإرادة، الألم، المحبّة، القوّة، والإنسان المتجاوز.
جبران يقدّم «النبيّ» بوصفه حكيمًا يعبر المدينة مودّعًا، فيلقي كلماتٍ تشبه الوصايا الروحيّة، لكنّها ليست تشريعًا جامدًا، بل دعوة إلى وعي الذات. أمّا نيتشه فيقدّم «زرادشت» بوصفه المعلّم الذي ينزل من الجبل ليعلن موت القيم القديمة وضرورة خلق قيم جديدة.
هنا يبرز السؤال الذي يحرّك الكتاب:
هل نحن أمام رؤيتين متقابلتين؟
أم أمام مسارين مختلفين لسؤالٍ واحد: كيف يصبح الإنسان أكثر إنسانيّة؟
ثانيًا: القوّة والمحبّة بين الشرق والغرب
تكشف الدراسة أنّ الاختلاف الجوهريّ بين جبران ونيتشه لا يكمن فقط في المرجعيّة الدينيّة أو الفلسفيّة، بل في معنى القوّة ذاته.
نيتشه يرى في القوّة فعل تجاوز وصراع وخلق ذاتيّ للقيم. إنّه يريد للإنسان أن يتحرّر من أخلاقيّات الضعف، وأن يتحمّل مسؤوليّة وجوده بشجاعة.
أمّا جبران، فرغم تأثّره بالمناخ الفكريّ الغربيّ، فإنّه لا يقطع مع البعد الروحيّ، بل يعيد صياغته بلغة كونيّة. القوّة عنده مشبعة بالمحبّة، والتجاوز لا يتمّ عبر الصراع بل عبر النضج الداخليّ. إنّه لا يدعو إلى نسف القيم، بل إلى تحويلها من الداخل.
وهنا تتجلّى أصالة القراءة التي تقدّمها الدكتورة الخرّاط: فهي لا تُخضع جبران لنيتشه، ولا تضعه في موقع التلميذ، بل تكشف استقلاليّته ورؤيته الخاصّة التي تمزج بين الروحانيّة الشرقيّة والحداثة الغربيّة.
ثالثًا: لبنان جبران — وطن الثقافة والروح والإبداع
ولا يمكن أن نتحدّث عن جبران، خصوصًا في هذا المعرض الذي يُقام على أرض لبنان، من دون أن نستحضر لبنان الذي حمله جبران في قلبه أينما ارتحل.
لبنان عند جبران ليس حدودًا سياسيّة، بل رسالة حضاريّة. هو وطن الأرز الذي يرمز إلى الثبات والتجذّر، وإلى الارتفاع نحو السماء في آنٍ معًا. رأى جبران في لبنان فسحة حرّيّة، ومساحة لقاء بين الشرق والغرب، ومختبرًا للعيش المشترك، وللتنوّع الذي يتحوّل إلى غنى لا إلى انقسام.
لبنان جبران هو لبنان الثقافة التي لا تُقهر، لبنان الروح التي لا تنطفئ، لبنان الإبداع الذي يولد من رحم المعاناة. لقد خرج «النبيّ» من بيئة لبنانيّة، لكنّه لم يبقَ محليًّا؛ صار نصًّا عالميًّا، لأنّ جذوره كانت عميقة، ولأنّ رؤيته كانت إنسانيّة شاملة.
وفي زمن الأزمات، حين يبدو الوطن مثقلًا بالتحدّيات، يعيدنا جبران إلى لبنان الفكرة:
لبنان الذي يصنع المعنى بالكلمة،
والجمال بالفنّ،
والرجاء بالثقافة.
أليس معرض أنطلياس نفسه شاهدًا على هذا الإيمان بأنّ الكتاب فعل مقاومة حضاريّة؟
رابعًا: شكرٌ وتقدير للشراكة العلميّة
ولا بدّ في هذه المناسبة من التوقّف عند الجهد التشاركيّ الذي رافق هذا العمل. أتوجّه بكلمة تقدير خاصّة إلى الدكتورة بيتسا اسطفانو، المشاركة في ترجمة هذا النصّ والمحرّرة له، والتي أسهمت بخبرتها الأكاديميّة ودقّتها المنهجيّة في صوغ هذا الكتاب بصيغته العلميّة المتقنة.
فالترجمة ليست نقلًا حرفيًّا للكلمات، بل هي نقلٌ أمينٌ للروح، وعبورٌ دقيقٌ للمعنى بين ثقافتين. أمّا التحرير، فهو فنّ صقل الفكرة وإبراز وضوحها ومنهجيّتها. إنّ هذا التعاون بين الباحثة والمترجمة والمحرّرة يعبّر عن روح العمل الأكاديميّ المسؤول، حيث الفكر حوار، والمعرفة شراكة.
خامسًا: قيمة هذا الكتاب اليوم
إنّ أهميّة هذا الكتاب لا تكمن فقط في المقارنة بين علمين كبيرين، بل في إعادة طرح سؤال الإنسان في زمنٍ مضطرب ، لا بل في إعادة الاعتبار إلى ثقافة الحوار بين الشرق والغرب، بين الأدب والفلسفة، بين الروح والعقل. وفي زمنٍ يعيش فيه الإنسان أزمة معنى، يقدّم هذا العمل مساهمةً جادّة في إعادة طرح سؤال الإنسان:
هل خلاصه في القوّة أم في المحبّة؟
في التمرّد أم في النضج الروحيّ؟
في القطيعة أم في التحويل الخلّاق للقيم؟
و كيف نصنع قيمنا من دون أن نفقد جذورنا؟
كيف نكون أقوياء من دون أن نتخلّى عن المحبّة؟
كيف نكون أحرارًا من دون أن نسقط في الفوضى؟
إنّه كتاب يعيد الاعتبار إلى ثقافة السؤال، وإلى الحوار بين الشرق والغرب، وإلى قدرة الأدب والفلسفة معًا على إضاءة دروب الإنسان.
في الختام،
أهنّئ الدكتورة سعاد الخرّاط على هذا الجهد العلميّ العميق،
وأشكر الدكتورة بيتسا اسطفانو على مساهمتها القيّمة،
وأحيّي الحركة الثقافيّة – أنطلياس على رسالتها الثقافيّة المستمرّة.
مباركٌ هذا اللقاء في السابع من آذار،
مباركٌ الكتاب حين يكون فعل إيمانٍ بالإنسان،
ومباركٌ لبنان الثقافة والروح والإبداع.

