ندوة حول كتاب دومينيك إدّه "قصر موّال"
8 آذار 2026
مداخلة د. نجاة الصليبي الطويل

قبلَ قراءةِ الكتابِ والتعرُّفِ على فَحواه، يلفُـتُـنا العنوانُ، وتــتبادرُ الى ذهننا صُورٌ او تفسيراتٌ تكونُ الأساسَ في جَذْبِنا لقراءتِه وفي تشكيلِ انتظاراتِنا.
أسَرَتْ انتباهي الكلمةُ الثانيةُ "مَــوّال": أحرفٌ شفويّة، مُسْترسِلَة، وممدودةٌ تَنْضَحُ بالموسيقى والأغاني، كما تَرتَبِطُ هذه الكلمةُ بالعبارةِ المألوفةِ: "موّال بالبال"، فيغمرُنا الحنينُ الى ماضٍ تَـتكَرَّرُ ذِكراه. ونقول أيضا: "دَعْ هذا الموّال" بمعنى كُفَّ عن إعادتِه. كما تختزنُ كلمةُ موّال الهدفَ او ما نريدُ تحقيقَهُ، عند القولِ "لديه موّال" أي: فِعلٌ يَودُّ تنفيذَهُ، بإصرارٍ وعِناد.
بالعودةِ الى الكلمةِ الاولى "قصر"، فهو بمعناه الواقعيّ الفعليّ، ظَرفي، يُشيرُ الى مكانٍ مُرتَبِطٍ بأوضاعٍ اجتماعيةٍ تاريخية. يكتَنِزُ ماضٍ غنيٍّ وبعيدٍ، يُعيدُ إحياءَهُ في الحاضر. إِنَّهُ شاهدٌ على حَيَواتٍ وظروفٍ غابرةٍ تطبعُ الأوقاتَ الراهنةَ. نفترضُ أيضاً انطلاقاً من تركيبةِ عنوانِهِ، أن يكونَ ل“قصر موّال” حبكتَه البوليسيّةَ المشوّقة.
وأخيراً، يتبادرُ الى الذِهْنِ أن يكونَ "موّال" اسمَ عائلة، او أن يكونَ اسمَ شخصيّةٍ مرموقةٍ نُسِبَ اليه القصرُ، او أن تكونَ لهذا القصرِ أهميةٌ اجتماعيةٌ، سياسيّةٌ او تاريخيّة، تشيرُ الى حَدَثٍ ما، في الذاكرةِ الجَماعيّة، وفيه استدلالٌ الى ماضٍ جَرى في القصر، ربما يُستعادُ ويتطوّر. ونتساءَلُ: هل هو ذو قيمةٍ رمزيّةٍ لما هو أعَمّ أو أدَقّ؟
ويؤكِّدُ هذا التساؤلُ تركيزَنا على التحريكِ، ربّما هو: “قصرٌ مــوّال” وتكون كلمةُ موّال موازية للأولى، مساوية لها وكأنها صفةً. يقوى المعنى المَجازي والرَمزي فيُصبحُ القصرُ صورةً لعصرِهِ وللحياةِ التي في داخلِهِ، ام انعكاساً لحقبةٍ تاريخيّةٍ واجتماعيّةٍ معيّنةٍ أيضاً. وتذهبُ مخيّلتُنا الى توسيعِ قيمةِ هذا القصرِ الى ما هو اكثرَ تجريداً بمعنى الفكرةِ او المفهومِ النَظَري.
من هنا تبرزُ الفكرةُ العامّةُ الطاغيةُ في مسيرةِ التأرجُحِ بين الحاضرِ والماضي وما تعيدُه الذكرى في ميادينَ متعدّدةٍ، تطرحُ الكاتِبةُ من خلالِها نظرتَها لشؤونِ الحياة.
تقرأُ الروايةَ بشغفٍ يُلزِمُك بمتابعتِها دون توقُّفٍ حتّى النهاية. يأسُرُك تتابعُ أحداثِها وتشابُكُها وسلاسةُ سردِها واسلوبُها المميَّز. تَشعرُ وكأنّكَ أحدُ شخصيّاتِها، تعيشُ وَسْطَ أحداثِ الروايةِ التي تنقلُ واقعَ عالمِنا اللبنانيِّ الفعليِّ، فيتداخلُ حاضرُ القارئِ بمتخيّلِ الكاتِبة.
منذُ الفصلِ الاولِ، يُبرَّرُ العنوانُ وتُطرحُ عليكَ عدةُ امكانياتٍ، فهناك قصرٌ حقيقيٌّ قديمٌ لآل "موّال"، يضمُّ شخصياتٍ مرتبطةً ببعضِها وتبرزُ شخصيةٌ أساسيةٌ، ليونورا، متقدمة في السن، لا تتحرّكُ بسهولةٍ، لا تَرى جيداً؛ تقتصِرُ حياتُها على قراءةِ رسائلَ من الماضي تُحدّد تواريخَ ومراحل: سنةَ زواجِها، حبَّها لرَجُل آخر، وعُمرَ ابنِها. وفي لعبةِ العودةِ الحلزونيّةِ الى الوراءِ وادخالِ ماضٍ ضمنَ آخر ثم آخرٍ أبعد، تكشفُ ما قبلَ الزواجِ: حياتَها في ايطاليا مع عائلتِها، تجربتَها في حياةِ الرهبنةِ ثم تخلّيها عنها...
إنّها قصةُ التغيّراتِ التي تطرأُ علىمسارِ الحياة، ويستعيدُها واقعُ الشيخوخَة. إنَّها المحرِّكُ الرئيسيُّ للرواية. هناكَ الحُبُّ وانواعُه وظروفُه وشخصيّاتُه عَبْرَ تَعدّدِ وُجُهاتِ النَظَرِ، بالتوازي مع تبدّلِ الحالةِ العائليّةِ والاجتماعيّةِ والسياسيّةِ وظروفِ القصر، من خلالِ الذاكرةِ والشهود، وبصورة خاصة، من خلال الرسائل. الكلماتُ والصَمْتُ، الحقيقةُ والمرايا ترافق جوهرَ حركةِ الرواية.
قصرٌ بورجوازيٌّ جميلٌ مشرفٌ على البحرِ مع حدائقِه، واشجارِه، مع الصنوبرة "الأثيرة" - كما تصفُها ليونورا-، وأزهارِه من الياسمينِ والوَرد. سقوفٌ منقوشةٌ، أرضيّةٌ رخاميّةٌ، غُرفٌ متعددةٌ، تفوحُ تَرَفاً بتفاصيلِ خَزَفِها وأثاثِها، وتغطّي جدرانَه اللوحاتُ الفَنيّة. يعبقُ المكانُ بذكرياتِ السَهَراتِ واللقاءاتِ الاجتماعيّةِ والسياسيّةِ على أعلى المُستويات. يتصوّرُ القارئُ اناقةَ المجتمعينَ ومدى ثقافتِهم وحبَّهم للقراءةِ واللُّغات، للموسيقى والغِناء والفنون.
عاشَ مالكو القصرِ بمستوىً رفيعٍ، على جميعِ الأصعدة. أمّا اليومَ فبعضُ بقايا شاهدةٌ على ذلك، وذكرياتٍ بأفواهِ ساكني القصرِ وخَدَمِهِ الحاليين. يتهاوى القصرُ مع ماضيه، ولم يعدْ بالامكانِ الاهتمامُ بهِ او اللجوءُ الى مساعدين كما في السابِق.
زمانُ الروايةِ مستعار من واقعنا بعدَ أزمةِ المصارِف وشَحِّ المال، انَه وضعُنا بعد انفجارِ المرفأ وتداعي الأبنيةِ وتأزُّمِ الأوضاع. انه تبدُّلُ الأحوالِ السياسيّةِ والأمنيّة، وانغلاقُ الطوائِفِ والأحزابِ على نفسِها، والتوجُّسِ من الآخرين. كما استجدَّ عاملُ التشدُّدِ الارهابيِّ وهو قمّةُ الازَمات.
نعيشُ مع الشخصياتِ حياتَهم الحاضرةَ بمشاكلِها، مع التهديدِ بخَسارةِ القصرِ، إن لم تُسَدَّدِ المبالغُ المطلوبة. ونَـتَـقَـمَّصُهم في عيشتِهم الماضية، من خلالِ سردياتِهم وذكرياتِهم المليئةِ بالنوستالجيا. ليونورا تستمرُّ معَ الماضي؛ سليم زوجُها يحاولُ ترميمَ ما بقيَ في ذاكرتِه وفي واقعِه؛ امّا رياضُ الابن فهو عَمَلِيٌّ لا يعنيهِ الماضي، سوى للانطلاقِ نحو المستقبلِ، ساعياً لتغييرِ انفتاحِ واستقلالِ القصرِ بجَعْلِهِ مَقَرّاً سياسيّاً وطائفيّاً مختلفاً عمّا كان عليه. تؤرِّخُ الروايةُ عامةً، لمرحلةٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ، ولطبقةٍ معيّنةٍ مثقّفةٍ مرهفةٍ انيقةٍ مُترفَةٍ، على طريقِ الزوال. أما رياض، ابن ليونورا، فهو يرى انهم "المسيحيون المهدّدون بالانقراض" (ص. 150)
شخصيّـتان أساسيّتان، ليونورا وسليم، عايشتا الماضيَ الفاخرَ وتتعايشانِ مع الحاضرِ المُتهالِكِ: قصورٌ داخليّة مختلفة، مجموعةُ وجداناتٍ، تحيك عوالمَ مع مجموعةِ اطياف منها حَيّةٍ واخرى وهمية.
وهكذا تبرزُ الحبكةُ المتزامنة مع الأولى: قصصُ حُبٍّ غيرُ واضحةِ الحدودِ مبهمةٌ تتغيّرُ حسبَ وجهةِ نظرِ مَنْ يعيشُها او مَنْ يتلقّى نتائجَها. تساؤلٌمُقلِقٌ عن الحبِّ، كما تعبِّرُ عنه ليونورا: "ما هو الحبُّ؟ هل سيتسنّى لنا يوماً أن نعرفَهُ حقّا؟" (ص. 259). يـبـني كلُّ شخصٍ قصرَه الداخليَّ وينغلقُ عليه.
يصبحُ الألم العقيمُ سِجْناً ويكوّنُ هويّةَ هذا "الوحيد" المتعالي الذي يرفضُ الخُروجَ من بوتَـقةِ ماضيه وأحاسيسه. يتمسّكُ بهذا الغابرِ والغائبِ كأنَّهُ تميّزٌ وتفوّقٌ على الآخرين وعلى الحياة.
ويكونُ لكل شخصيّةٍ مشهدَها الداخلي، الذي يمثِّل في الوقتِ نفسِه، مجموعاتٍ وطبقاتٍ اجتماعيّةٍ وانسانيةٍ مختلفة.
ترتكزُالروايةُ على استرجاعِ الماضي واستذكارِه. عودةٌ زمنيّةٌ الى الوراءِ مع أحداثٍ مُتقاطعة. تأخذُك بحركةٍ لولبيّةٍ تبني بها عالمَها وتطوِّرُ الشخصيّة. بالنسبةِ لليونورا، كان تعلّقُها بأهلِها ثم حبُّها الايماني باللـه، ثم حبُّها لمَن اصبحَ زوجَها، وبعد ذلك عشقُها لفنانٍ تركي. عرفَتْ ليونورا شغفاً كبيراً به وتبادلا الحبَّ والتفاهم. انتهى هذا الحبُّ بموتِ الحبيبِ وبيأسِ المُحِبَّة. هي تغرقُ الآن في ذكرياتِ الماضي وتقرأُ الرسائلَ وتتأثّرُ بها وتَعي أخيراً حبَّـها لزوجِها ورغبتَها بهِ من جَديد. انها واثقةٌ من امكانيةِ حبِّها لإثنَيْن.
يُطبِقُ الماضي على الحاضرِ وتختلطُ المشاعرُ ولكنّ حُبَّ الغيابِ ثابِتٌ وصامدٌ وسطَ الصمتِ العميقِ الطاغي في الرواية. الرسائلُ خير مصدرٍ حقيقيٍّ يوثّقُ الأحداثَ فهناك رسائلُ سليم زوجِها في عدّةِ مراحلٍ من علاقتِهما، ورسائلُ الزوجةِ السابقةِ لحبيبِها يَمَنْ. تَصفُهُ وتَصِفُ سعادتَهُ بحبِّهِ لليونورا وتستعيدُ مشاهدَ فرحِ الأخيرةِ برفقتِه. تُبدي كلَّ الأسَفِ لضَياعِ هذا العشقِ وكلَّ الاحترامِ لوجودِه وكأنَّهُ جوهرةٌ ثمينةٌ نادرةُ الوجود. وهناك غيرُها من الرسائل: الثلاث في نهايةِ الرواية مثلاً.
تعيدُ لعبةُ المرايا الموجودةُ في القصرِ صُوراً مختلفةً لأحداثٍ تكتنزُها الوجوهُ، فرياضُ الإبن مثلاً، لا يعتبرُ عشقَ والدتِه حُبّاً، انما خيّانةً، ويسألُ والدتَهُ بعدوانيّةٍ عن تاريخِ بدايتِها، ويحكمُ سلبياً على شخصيَّتِها، وعلى تسلُّطِها، ولا يشاطرُها عذابَها وألمَها من الماضي الغَنيِّ بالمشاعر.
يتماهى القارئُ مع هذه الشخصيّةِ الجريئة، التي تتحدّى الحاضرَ عبرَ التمسّكِ بالماضي، فهي تهبُّ لمساعدةِ آنجيل، امرأة عرفَتْها سابقاً، وهي باعَتْ نفسَها فيظروفٍ بائِسة، وتبحثُ عن ابنِها الذي أُودِعَ الميتم. مخلصةٌ ومنفتحةٌ، ربما عرفَها سليم حقَّ المعرفةِ، لذا احترمَها واحترمَ مشاعرَها لدرجةِ أنّه سكنَ في فندقٍ كي لا يُزعجَها. وبقيَ على حبّهِ لها وتجاوبَ مع رغبتِها بهِ. من جِهةٍ أخرى، يُلمّحُ رياض الإبن الىانه كان لأبيهِ علاقاتٌ عابرة ايضاً وهنا تظهرُ الصورةُ النَمطيّةُ للرّجُلِ، التي يتمسّكُ بها الإبنُ، وينـتــقـدُ انسحابَهُ من القصر.
سليم الزوجُ، رجلٌ حكيمٌ وأنيقٌ، مثقّفٌ، ثابتٌ في مواقِفِهِ، يحاولُ انقاذَ ما بقيَ من الماضي. يتحدّى التقدّمَ في السنّ، ويُغْرَمُ بالشابّةِ فينيز مرافِقةِ ليونورا، الآتيةِ للدراسةِ في لبنانَ والتي تصغرُه بعشراتِ السنين.
وهكذا تنزلقُ الحبكةُ الأساسيةُ الى أخرى ثانويةٍ وتتجانسُ معها وتنتقلُ من قصرٍ داخليٍّ مليءٍ بالقِصصِ والذِكرياتِ والحبِّ، ومن قصرٍ حقيقيٍّ الى قصرٍ انسانيٍّ يضمُّ قصصَ شخصياتٍ ثانويّة.
إن مرافِقةَ ليونورا فينيز التي تقرأُ لها وتكتبُ بدلاً عنها، والتي تصبحُ راوية القِصّة، تكتشفُ اشياءَ كثيرةً إذ عايَشَتْ مشاعرَهم وتلقَّت كلَّ وُجُهاتِ النظر. ربما جذبَتْها شخصيّاتُهم، ونمطُ عيشِهم واحسَّتْ بغرابتِها فرامَتِ العودةَ الى هذا الماضي المختلفِ هي أيضاً مع حبِّها لسليم. لكنّها في النهايةِ ستذهبُ نحوِ المستقبل.
يتَّسِعُ القصرُ بحَيَواتِ الشخصيّاتِ التي تسكُنُه ويصبحُ حالاتٍ نفسيّةٍ واجتماعيّة.
حُبُّ الفيليبينيَيْن ساري وديمي، مثلا، حاضرٌ بمشاكلِه ومآسيه: الابتعادُ عن وطنِهما، فقدانُ ابنٍ مريض، قلقُ الاولادِ عليهما، حبُّهما لبعض ثم ميلُ ساري الى فينيز. لا خلفياتٌ لا تحدياتٌ، إنه الواقعُ اليوميُّ العاديُّ الآمنُ، الذي يضعُ مسافةً بينَه وبين سكّانِ القصرِ. إنهما مخلصان إذ يرفضُ ساري التجسُّسَ على سكانِ القصرِ مقابلَ المالَ لمصلحةَ متشدّدين يرمونَ الىتغييرِ هويّةِ الوطن. يُذبحُ ساري ويُشكِّل مقتلُه بدايةَ التصدُّعِ لحياةِ القصر.
يعبِّرُ عن هذا التناقضِ ويتماشى معه، الفضاءُ الذي يضفيهِ تداخلُ الظِلالِ والضَوء.
تغمرُ الضبابيةُ حالاتِ الحُبِّ المتناقضةَ وتتهيأُ للزوالِ مع تردّي وضعِ القصرِ الخاضِعِ لمَن يُمسِكُ بزِمامِ الأمرِ الواقعِ أمنيّاً وسياسيّاً واقتصادياً، بالاضافةِ الى ما يُضمرُه الابن رياض وهو الوريثُ الذي يمتلكُ مستقبلَ القصر.
عندما تخيبُ ليونورا من علاقةِ ابنِها بها، وتكتشفُ فراغَ الحُبِّ وزوالِه، وتعي المستجدات السياسيَّة والاجتماعيَّة، بالأخصّ عندَ قتلِ الفليبيني بصورةٍ وحشيّةٍ على يدِ أصوليّ، تنقلبُ الشخصيةُ الحالمةُ المرهفةُ الأحاسيسِ الى شخصيةٍ عنيفةٍ، ثأراً لهذا الرجلٍ ودحضاً للعنف. انها آليةُ الانقضاضِ على الخَيبةِ، من عدمِ جَدوى الذِكرى، مَن الحُبِّ، من الايمانِ، من الصِراعِ لإنقاذِ القناعاتِ الشخصيّةِ. "وهل الحياةُ، بعدَ كلّ حساب، إلاّ حلم خائب؟" (ص. 256). لم تتمكنْ من تقبّلِ الواقعِ البشعِ، ولا الهروبِ منه، او السيطرةِ عليه. إنه التعالي على الانكسار. ارادَتْ أن تُزيلَ مصدرَ الأذيّةِ والشَرّ بقتلِ القاتِلِ، قبلَ أن تنتحرَ فتنتصرَ على نفسِها وتبقى في بوتقةِ المختلِف، وتشكّلُ القِمّةَ في نهايةِ التحولات.
تذهبُ للثأرِ وهي ترتدي من جديدٍ ثوبَ الراهبة، فتتَّجِهُ بذلك هي ايضاً الى التشدّدِ الديني باستعمالِها الوسيلةَ العنفيّةَ ذاتَها. تبريرٌ يدمّرُ الماضي بالكامل، ويفرضُ ظروفاً جديدةً لا مكانَ فيها للحُبّ والانفتاح، للتواصلِ وللثقافة.
عصرٌ مضى جَرفَ معه القُصور، والقصرُ الأكبرُ الذي هو الوطنُ والذي يحوي توجّهاتٍ عديدةً كما في "قصر موّال". يتّسعُ مفهومُ القصرِ وتزولُ جدرانُه، ليقترنَ بما هو أوسَعَ وأعمّ: العقائدِ، الطائفيةِ، والدسائسِ التي تصيبُ ركائزَ الوطن. ويبقى القصرُ الحقيقيُّ الجامعُ لكلِّ العصورِ، النَفْسُ البشريّةُ التي لا يَحدُّها مكان ٌأو زمان.
وأتى العنوانُ مطابقاً لحقيقةِ القصرِ العابرةِ المجازيّةِ والرمزيّةِ، لتبدّلِ ظروفِ القصر وانقلابِ مسارِ الشخصياتِ التي تسكنُه.
روايةٌ صعبٌ ضبطُ ايقاعِ تطوّرِها للغِنى والتعقيدِ في ترجمةِ الحالاتِ النفسيّةِ للشخصياتِ وتشعّبها.
كلماتٌ واحداثٌ وانعكاساتٌ وصمتٌ كثير يتكرَّرُ ويطغىعلى مفاصلِ الرواية. ويكونُ التعديل التدريجي لهذه المكنوناتِ مع السنين، الديناميكيّةَ الأساسيّةَ للروايةِ: ايقاعٌ مشدودٌ يعكسُ براعةَ الكاتبةِ وتقنياتِ سردِها.
صبيّةٌ راويةٌ سجّلتْ ما يُقال وما يُقرأ وجعلَتْ من مجملِ هذه القصص روايةً فيها الكثيرُ من الحبِّ والانفتاحِ والحنينِ وتــنــتــهي مع المرارةِ والحزنِ والخوفِ من المستقبل. فيكونُ النصُّ والكلماتُ المنقذ من الاندثار والرواية القصر الأدبي الدائم.
دراما نفسيةٌ فلسفيةٌ اجتماعيةٌ سياسيةٌ وطنيةٌ وبالأخصّ انسانيةٌ، تكونُ بمثابةِ مرآةٍ لكلِّ قارئٍ تجبرُهُ على النظرِ اليهاوقراءةِ الجانبِ الانسانيِّ الذي يُخفيهِ ويحاولُ الهروبَ منه او إسكاتَه. عند مقارنةِ الماضي بالحاضِر، يعتري القارئُ الخوفَ والقلقَ، ممّا يصيبُ الانسانَ عامة، من تراجع في مفهومِ التقدّمِ على حسابِ القِيَمِ الانسانية.
بعد رومانسيةِ مجملِ الروايةِ نصلُ الى التشاؤمِ النهائي مع ذروةِ ما توصّلَ اليه الماضي: الألمِ والضياعِ وهذا ما هو عليه عالمُنا الآن.
روايةٌ مشوّقةٌ، متعددة الآفاق، تصلحُ ان تكون مرجعاً، انّهاُ حقّاً “قصر موّال” وستبقى بالبال.
شكراً لكِالسيدة الكاتبة لتطرقكِ لهذهِ المواضيعِ الصعبةِ والمتناقضةِ، وشكراً للمترجمةِ التي اتاحَتْ لعددٍ اكبر قراءةَ هذهِ الرواية، مع التقدير لناشرها "المكتبة الشرقية".
____________________________________
Intervention de dr. Hoda Rizk Hanna sur le roman Le Palais Mawal de Dominique Eddé
Durant cette intervention j’essaierai de vous familiariser avec les personnages et leur cadre de vie. Ce sera ma façon de vous faire aimer ce texte et de vous rendre complices de mon engouement pour l’écriture de Dominique Eddé. Je ferai dans une 1ere partie un traveling, un panorama sur les personnages du roman, je me pencherai ensuite sur l’espace diégétique et particulièrement sur le palais et le jardin qui servent de cadre de vie au couple Salim et Eleonore.
Un couple inoubliable :
Lentement, à pas feutrés, on pénètre dans l’univers du palais Mawal. Le jardin au bougainvillier, la pénombre du petit salon,la lampe en laiton des années 30, le cadre nous invite à l’attente,à l’écoute,à une disponibilité que l’écriture sollicite à chaque page .Léonore se confie doucement à notre oreille attentive.
Nous parcourons, admiratifs et curieux, les lettres envoyées jadis par Salim son époux puis celles évoquant sa passion effrénée pour le réalisateur Yaman. Nous avons droit à ses souvenirs intimes que maintes analepses déploient volontiers marquant les jalons d’un récit de vie bouleversant.
Léonore, l’insurgée, nous captive, nous séduit. Son pouvoir relève d’une énergie que l’âge n’a pas su éteindre. Les années italiennes passées au couvent n’ont point érodé sa fougue, son désir de vivre « Le plus haut possible ». Elle quitte le Christ pour l’amour de Salim. Elle abandonne son fils et son époux pour vivre pleinement sa relation avec le cinéaste turc Yaman. Dans la force de l’âge, elle affronte patiemment et tendrement les blâmes de son fils Riad dont elle a perdu l’estime. Puis malade et fébrile à 76 ans, elle mène avec détermination sa petite enquête afin de ramener Talal, jusque-là introuvable, à sa mère Angèle, la prostituée dépossédée de son enfant par un proxénète.
Les agissements de Léonore porteraient atteinte au bon sens, aux valeurs en vigueur ? Certes, sa conduite et ses propos frôlent souvent l’extrême mais c’est en cela qu’elle nous subjugue. Sari et Démi, les deux philippins réfugiés au palais depuis l’explosion du port le quatre Aout, s’évertuent à la servir mais demeurent perplexes quant au mode de vie des Mawal. « Ne me dites pas qu’ils sont normaux ces trois-là. Il n’y en a pas un pour sauver l’autre ! » murmure Sari en aparté.
Léonore ne s’en tient pas à ce passé mouvementé : « Même à bout de force, elle invente encore ». Pour « vivre » elle est capable de « se détruire ». Elle va jusqu’à choisir sa propre mort : « si la mort est une question d’heures, elle la veut à sa montre ». Elle prend des décisions irrévocables ; La justice sera rendue ici-bas, sur terre et sans délai. Elle se proclame justicière sans recourir à un tribunal et bien avant la pesée des âmes.
Eléonore et Salim ne sont point des personnages invraisemblables. Tous deux croient et nous font croire au miracle de l’amour, tous deux généreux et tolérants, souffrent d’un mal être dans un Liban qui s’effrite. Tous deux, chacun à sa manière, œuvrent pour la fraternité humaine. Leur fils Riad ne leur ressemble guère. En proie à un fanatisme belliqueux, il songe à prendre les armes pour défendre le Liban de ses rêves. A l’instar de sa génération, il cherche refuge dans un mouvement de masse, dans une entité qui compenserait sa relation familiale perdue.
Zaram le banquier, Messmar et Abou Fard les hommes de main de Daech guettent, toutes griffes dehors, le moment de s’emparer du territoire et de bâillonner la population. Corruption, cupidité et intégrisme menacent d’éradiquer tout espoir en l’avenir du Liban. Il s’agit pour Léonore d’en venir à bout.
L’ESPACE DIEGETIQUE (importance du cadre): palais et jardin
Une partie importante de la fiction se passe au palais Mawal.Jadis cette résidence accueillait la fine fleur de la société beyrouthine. Le fils Mawal déplore son présent délabrement. La narration situe la détérioration du palais dans la période qui précède l’explosion du port donc avant le 4 aout 2020.Malgré le délabrement de sa toiture, la maison rose attire encore les passants et les visiteurs par ses arcades, ses colonnes de marbre et surtout par la verdure et la variété des arbres qui l’entourent de toutes parts.
Certes les marches de l’escalier sont « abimées », certes « la peinture s’écaille de partout et se dépose en poussière ». Riad est surtout irrité par « les fissures au mur et au plafond » ; il s’indigne de ce que ses parents n’entreprennent pas imminemment les travaux nécessaires. Des personnages secondaires comme la religieuse venue remettre une lettre à Eleonore et Abou Ali le chauffeur tripolitain ne sont pourtant pas du même avis. « Quel bel endroit » s’écrie mère Suzanne .Abou Ali quant à lui ne peut s’empêcher de demander à Mme Mawal si elle habite toujours « le beau palais rose dans le jardin ».La narratrice elle aussi a son mot à dire ,elle tient àexercer sa fonction testimoniale concernant le palais : « Tout respire le même air dans ce clos de verdure et de pierres qui découpe la lumière d’où qu’elle vienne »(p.31).
Si les travaux de restauration ne sont pas effectués c’est parce que les Mawal sont « ruinés » et que Salim Mawal ,le maitre de céans, a été contraint d’hypothéquer le palais pour couvrir ses dépenses .Il s’agit de rémunérer les deux philippins qui ont trouvé refuge chez lui après que la maison de leur ancien patron eut volé en éclats suite à l’explosion du port qui a traumatisé les beyrouthins. Il lui faut également payer à Venise ses services de lectrice et de scribe auprès de Léonore,son épouse, atteinte de macula dégénérative.
Le crépuscule d’un jour printanier sert de point de départ à la présentation des domestiques et à une approche encore partielle des personnages principaux. A ce crépuscule de l’incipit répondra dans la clausule une aube naissante sur laquelle nous reviendrons. Au seuil de la porte qui donne sur le jardin, Léonore contemple ce crépuscule. C’est là l’occasion d’informer le lecteur à propos de son rapport conflictuel avec son fils Riad. De sa chambre d’hôtel qui donne sur la mer, Salim, son époux admire le même paysage et le lecteur apprend à travers ce passage descriptif, sa passion pour la lecture et sa tendance à l’introspection et au questionnement.
Oui Salim n’habite pas son palais. Cela ne l’empêche pas de s’y rendre régulièrement pour voir Léonore mais aussi pour côtoyer ses arbres dans son jardin. Assis sous son platane préféré ,il contemple l’ombre du grand palmier sur le mur du palais. « Sa tige noire avec sa tête d’indien » le réjouit. La blancheur des rosiers, les amandiers en fleurs et même « la mousse qui moisit entre les pierres de la fontaine », captivent son regard jusqu’à lui faire abandonner ses lectures quotidiennes
Contemplé ainsi par les deux protagonistes, le jardin du palais devient un havre de paix. Léonore partage avec Salim cette propension à se fondre dans le paysage et à dialoguer avec les arbres. La narratrice va volontiers dans leur sens et transforme le crépuscule perçu à travers les branches en « un vitrail de rouge et de jaune pâle »reflété par les fenêtres du palais (p.16).
Fréquentes dans le discours narratif, les pauses descriptives sont un appel à la lenteur, à la méditation, à l’introspection. L’attention accordée par la narration à cette proximité bénéfique de la végétation, à l’engouement des deux protagonistes pour la lumière comparée à « un cadeau offert au regard des humains », est voulue par l’auteure. Elle est même porteuse d’un dessein cher à l’écrivaine.
Les deux protagonistes ont, malgré leur âge avancé, conservé cette capacité d’émerveillement que Léonore veut transmettre à son fils dans sa lettre posthume. (P.212) Cette exhortation s’adresse aussi au lecteur et la fonction esthétique des pauses descriptives se double d’une fonction mathésique (didactique). Il est bénéfique pour le lecteur de se réadapter à la lenteur, à cette lenteur favorable a la contemplation et propice à l’émerveillement. L’osmose entre le cadre et le personnage annoncent l’abandon consenti de Salim dans la clausule, face à l’étendue imposante de la Bekaa.
L’arnaque des banques a ruiné les Mawal et l’explosion du port les a vidés de tout espoir en l’avenir, mais les crépuscules baignant leur jardin de rose et de mauve neutralisent leur mal être, allègent leurs soucis et les aident à « déposer » leurs tourments.
Les pauses descriptives de l’espace diégétique remplissent une autre fonction narrative. Le salon de Léonore n’est pas un lieu de réception habituel, mondain. C’est plutôt une salle de lecture et d’écriture, un lieu de retrouvailles avec Salim, de confrontation avec son fils Riad, d’échanges avec Venise et mère Suzanne. C’est surtout un lieu de réflexion intense, d’introspection où de graves décisions seront prises. La vision affaiblie de Léonore n’entrave point une perspicacité étonnante. Qu’il s’agisse de ses propres sentiments ou de ceux d’autrui, sa lucidité, sa détermination subjuguent le lecteur et fait de son personnage un héros quêteur par excellence.
La note triste du dénouement ne clôt pas le discours narratif. Une clausule ouverte lui succède au chapitre 23. L’histoire de Léonore a pris fin mais la narratrice volubile s’offre une finition ciselée. Elle décrit comme on peint la naissance imperturbable de l’aube. Ce retour de l’aube accompagne un autre retour, celui de Salim l’agronome, sur ses terres de Amhieh dans la Békaa. Le Liban et ses souffrances, omniprésents dans maintes séquences narratives, reviennent en force dans cette clausule où la plaine s’étend à perte de vue sous le regard résilient du personnage. Salim fatigué respire « d’avoir oublié d’être », « Le paysage le porte comme une barque géante à travers le flot continu des champs ». Il fait partie désormais de ces vignobles rutilants, de ces étendues cultivées réparties en tranchées de verts et de bruns ourlés de jaunes » (p. 217). Il n’y a plus rien à faire, Riad lèvera l’hypothèque du palais, et lui Salim s’en remet au cycle des saisons. Il délègue aux printemps la mission de régénérer le monde et le territoire : « La région a brûlé … mais elle revivra comme une forêt, d’elle-même ».
____________________________________
كلمة د. هدى رزق حنا حول رواية
"قصر موّال"
قرأتُ رِوايةَ "قصر موّال" للكاتبة Dominique Eddéثلاث مرّاتٍ، باللغة الفرنسيّة من دون ملَلٍ أو كللٍ، وبشغفِ القارئِ الذي ينتظرُ إجاباتٍ إلى أسئلةٍ ملحّةٍ، ترتبطُ ارتباطاً كيانياً بسيرتهِ الحياتيّة، وتجرُبتهِ العاطفية، والتصاقِه بوطنٍ متصدّع.
وقبلَ أن أشرعَ بمداخلتي المفصّلةِ، استعيرُ ما نشرتْ السيدةُ ماري طوق على غلاف الكتاب الخلفي قالت "قصر موّال ليست مجرّدَ حكايةِ حبٍّ معقّد يترجَّحُ بينَ خيانةٍ شائكةٍ وتخلِّ مستحيل بل هي قصيدةٌ في شجاعةِ الإنسانِ الأعزل وهو يَجْبَهُ الظلاميّةَ ومرثاةٌ لوطنٍ على شفير المجهول، واحتفاءٌ بالأدبِ قوّةَ خلاصٍ أخيرة".
Dominique Eddéأديبةٌ لبنانيةٌ ذاتُ ثقافةٍ خصبةٍ وشخصيّةٍ فَذّةٍ لها رواياتٌ وأبحاثٌ نُشِرت في فرنسا، واستقبلتها الدورُ المعروفةُ باهتمامٍ بالغ، وانفتاح وإعجاب إزاء نتاجها الغنيّ والمتنوّع نشرت لها:
- دار Gallimardسنة 1989 روايةLettre Posthume
- دار Seuil سنة1999sombre Pourquoi il fait si
- دار Gallimardسنة 2003 Cerf-volant
- دار Albin Michelسنة 2012 Kamal Jan
- دار Albin Michelسنة 2024 قصر موّال Le Palais Mawal
أبحاثها لا تقلّ أهمية عن رواياتها:
1.أولُها بحث عن فكر أدوار سعيد نشرته دارL’orient des lettres “Le Roman de sa pensée”
2. وبحث عن أعمال Jean Genetونشرته دار Seuil.
3. وأخيراً سنة 2025 بحث مهم عن مآسي غزّة La Mort est en train de changer نشرته دار Les Liens qui libèrent
كل هذه الرِواياتِ والأبحاثِ ومُحاضَرَتِها الافتتاحيّةِ في معهد العالم العربي وحِواراتِها في France culture وMedia partوبرنامجِ “C’est ce soir” وبخاصةٍ زاوية La tribuneفي جريدة Le monde
حّولتها إلى رمزٍ فكريّ وثقافيّ وأدبي لامع. فباتت تُحْسَبُ طليعةَ اللواتي أو الذينَ امتلكوا رؤيةً عارِفةً وموقِفاً موضوعيّاً وشجاعةً في قولِ الحقيقةِ بلا أقنعِة.
ولا أُخفي أنَّ ما يشّدُني إلى كتاباتِها هو حبُّها اللامتناهي لوطنِها. فلبنان حاضرٌ أبداً في رواياتِها متأصّلٌ في نَصِّها حيثُ يتشابكُ ويتداخلُ التاريخُ الجَماعي مع مسارِ الشخصيّاتِ.
استمدَّت Dominiqueمن التحليل النفسي العمق والمهارة في فهم سلوكيات الأدوار ظاهرةً ومخفيّةً وراوحَ أسلوبها بينّ الشفافية والسخريةِ، والقلقِ الوجودي والحرّية وأصرَّتْ على العلاجِ السحري للفنِ والأدبِ كونُهما مصدرَ عزاءٍ وتعالٍ وتحرّرٍ من تراكماتِ وعذاباتِ الوجود.
من المفيدِ الإصغاءُ إلى السيدة ماري طوق التي استثمرتْ طاقتَها الثقافيّة واللُغَويّة لِترتقيَ إلى جانبِ النصِّ الأصلي نحوَ ترجمةٍ إبداعيةٍ تحترِمُ الأصلَ ولا تكونُ عبدةً إلاّ لروحِه.
ولأني قَرأتُ الكتابَ بلغتهِ الأولى فهو ليسَ يلينُ بسهولةٍ ولا يطيعُ تلقائياً.
السيدة ماري من بلدة بشرّي تخرّجت من كلّية الآداب الجامعة اللبنانية حاملةً إجازةً في اللغة الفرنسيّة وآدابها. تضلّعت في الترجمة فَنقلتْ رواياتٍ ودواوينَ شعريةً وأبحاثاً وسيناريوهاتٍ سينمائية، أذكرُ بعضَ أعمالِها:
- الجميلات النائمات Yasonari Kawabata
- المثقفون Simone de Beauvoir Les Mandarins
- شارع اللصوص Zone Mathias Enard
- الحرب الخفية Jean Marc Murat
- الأخوات الخمس Percy Kamp
- وقصر موّال Dominique Eddé
- فضلاً عن قصص Gérard de Nervalوأشعاره.
- ” وتاريخ بيروت" لسمير قصير.
وهي نشرت مقالاتٍ في الصحفِ وقِصصاً قصيرةً منها "أشرعِة على الأسمنت" التي أُدرجتْ في مجموعة مختارات “Beyrouth noir”.
الكلام الآن للدكتورة نجاة صليبي طويل
* دكتورة نجاة حائزة على شهادة دكتورا في اللغة الفرنسيّة وآدابها من جامعة الـــSorboneالثالثة.
* أستاذة في كليّة الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية.
* متخصّصة في الرِواية وعلوم السرديّات والسيمائيَّة والمسرح الحديث.
* أعدّت مؤتمرات متنوّعة وشاركت في الكثير منها.
* قامت بترجماتٍ عدّة ونشرت دواوين شعريّة باللغة العربيّة منها:
1. كلمات تلهو
2. سنة.... سنوات
3. دوّي السراب
* وهي حالياً أمينة التربية والشباب في الحركة الثقافية أنطلياس.
_____________________________
لفتنةٍ تتجاوز القراءة والترجمة معاً
لم تكن ترجمة رواية قصر موّال للكاتبة اللبنانية دومينيك إده، تمريناً تقنياً، ولا مجرّد متعة أسلوبية في الاشتغال على نصّ يستخدم تقنيات سردية متعددة: من تقطيع للزمن، وترجيع، وحوارات، وسرد داخل السرد، وصولًا إلى الرسائل التي تتحوّل إلى مناجيات داخلية. بل كانت، قبل كل شيء تجربة تمهّل وتماهٍ، ومحاولات مستمرة لفهم هذا المكان الذي يسكنه لبنان بكل تناقضاته، وكذلك فهم شخصياته الفريدة، ما يتكسّر في دواخلها، وما ينهض فيها.نسيت مَهمتي: لم أدخل النص لأروّضه أو أشرح غموضه؛ بل لأعاين عن كثب سحر هذا التداعي ومأساته، وأصغي إلى إيقاعه ونبراته الخفية، وأحياناً إلى صمته.
عند عتَبة هذا الإصغاء، يلوح قصر موّال، قصر بيروتي شاخ وتداعى، في لحظة مصيرية حاسمة من تداعي لبنان نفسه، تحت وطأة حروبه، وأزماته، وإخفاق ثوراته، ومصائب أخرى كثيرة. نحن في حضرة الانهيارات المتعددة: الحروب الأهلية السابقة والمتجددة، وانفجار المرفأ، وأزمة الودائع المصرفية، وإلخ... حتى مالك القصر، سليم موال، الذي كان يمنح المكان شرعيته، فضّل الإقامة في الفندق القريب، ونراه يدخل إلى قصره متسلّلاً إلى الحديقة من البوابة الخلفية، كأنه يخشى الاصطدام بواجهته المتصدعة، تماماً كما الوطن الذي فقد شرعية العبور إلى ذاته وبات يُدار في الظل. صاحب البيت يتحوّل إلى نزيل في وطنه، كأنّ الإقامة لم تعد فعل انتماء. في القصر هناك صاحبته، ليونورا الإيطالية، زوجة سليم موال، التي كانت، في بداية شبابها، قد دخلت سلك الرهبنة بعد وفاة شقيقها بياترو، ثم هاجرت إلى بيروت لتقيم في دير الراهبات الفرنسيسكانيات. ومع وفاة شقيقها الثاني، قرّرت التخلي عن الرهبنة نهائيًا، واتخذت حياتها مساراً آخر. ليونورا تقدّمت في السن، محاطة بخادمين فيليبينيين، ساري وديمي، اللذين يقومان بالوظائف الحيوية للقصر، وقد آوتهما بعد أن تشردا إثر انفجار المرفأ، إلى جانب مساعدة فرنسية تدعى فينيز، ترافقها في شؤونها، تقرأ لها أو تكتب لها الرسائل. وبين الزوجين ليونورا وسليم، ابن هو رياض، يقارب الخامسة والأربعين. رياض غريب عن العائلة وعن البيت، يأتي ولا يقيم. هو بدوره ابنُ قطيعةٍ مزدوجة: قطيعة الأم التي هجرته في طفولته وخانت والده مع مخرج سينمائي تركي يدعى يمان إكيم، وقطيعة الأب الذي انسحب إلى عزلته. على أية حال، رياضناقم على والديه ولأكثر من سبب، فهو الضدّ الأيديولوجي لوالدته، وبخلاف والده، متعصّب لهُويته المسيحية، وجاهز دوماً للالتحاق بأي حرب للدفاع عن المسيحيين ساعياً إلى معركة وإلى هُويةٍ لم يمنحهما البيت.
ولأنّ الوقت في هذه الندوة لا يسمح بالغوص في جميع تفاصيل هذه الرواية المدهشة، ولا في فرادة شخصياتها الرئيسية منها والثانوية، فقد اخترتُ التركيز على ما يؤسّس فتنتها: ليونورا وسليم. فمن خلالهما يمكن استحضار تجربة الرواية بأكملها، وكذلك تلمّس سرّ فتنتها. منذ الصفحات الأولى، تطالعنا ليونورا متلمّسة عدستها المكبّرة، نراها تواجه شيخوختها معيدة قراءة الرسائل القديمة لزوجها سليم بعينيها شبه المنطفئتين، وذاكرتها، وقلبها. ومنذ اللحظة نفسها، تتردّد على القارئ- الزائر أسئلة كبرى: كيف نسكن مكاناً لم يعد يسكننا، مع أنّ قلبنا ما برح معلّقاً بنوافذه وشرفاته وشمسه وحديقته؟ هل تحوّل الانتماء من يقين إلى سؤال مفتوح؟ وما معنى أن نحب حين ينهار كل شيء؟ وأين تكمن "السكنى الحقيقية والمستنجد"؟
نعم: ماذا يعني أن نحبّ حين ينهار كل شيء؟ والجواب، لا يتبدّى أخلاقياً ولا إيديولوجياً، بل هو وجوديّ. أن تحبّ يعني أن تكون قادراً على احتضان أكثر من حقيقة، وأكثر من غياب، ومن دون أن تشترط المستقبل. نرى ليونورا تقرأ الرسائل، لا لتستعيد الماضي كما كان، بل لتحوّل الحب القديم إلى مادة حيّة متحرّكة. فهي لا تعيش أسيرة ما مضى ولا تقطع معه في آنٍ واحد، بل تعيد تأويله وتمنحه معنى جديداً. حبها ليَمان يستمر بعد موته، وحبها لسليم لا ينطفئ رغم الشغف الآخر، كأنها ترفض أن يُختزل الحب في حضور جسدي أو عقد اجتماعي، أو في تراتبية سهلة، مواصلة إصرارها على اعتباره طاقة داخلية لا تنضب. تحب ليونورا يمان كما تحبّ سليم، لا باعتبار أحدهما تعويضًا عن الآخر، بل باعتبار كلّ منهما يمثل بعداً مختلفاً من ذاتها. حين تقول: «الحياة مزدوجة»، تتكلم الرواية كلها لغة الازدواجية التي تحكم النص: الحب والخيانة، المقدّس والدنيويّ، الحياة والموت، الماضي والحاضر.الرواية كلّها مشدودة على وتر هذه الثنائية. من يقترب من ليونورا يشعر بأن الجمال ممكن، وأن الإنسان قادر على أن يكون أكثر من مجرد شاهد على الحياة. وهي بلا شك، واحدة من أجمل صور العاشقة في الأدب المعاصر، إذ تجسّد الحب المعقّد في أبهى تجلياته.
ولكن يجدر القول إنّ طاقة هذه المرأة الإيطالية، والأكثر من لبنانية، على الحب واختبار الحياة خارج الحدود المرسومة، تتجاوز حصرها في الجانب الغرامي. سليم يصف شجاعتها قائلاً بأنّها كانت قادرة على زحزحة الجبال. على أية حال، هذه الشجاعة لم تفارقها على الرغم من شيخوختها ومرضها. ليونورا لم تنغلق يوماً على امتيازها الطبقي، بل امتلكت على الدوام حساً إنسانياً تضامنيا ًمذهلاً مع المهمّشين والضعفاء. وحين تخرج ليونورا من عزلة القصر في آخر أيامها، فإنّ خروجها القليل هذا إنما يجسد انتقالهاإلى الفعل المباشر. تخرج مضطلعة بمهمة إنسانية: أن تساعد آنجيل، المومس القديمة، التي ساندتها حين كانت راهبة، وتصلها بابنها طلال الذي حرمها زوجها منه. لكن الفعل الأقصى يتمثّل في قرارها بقتل الأصولي سعد المسمار بعد قتله خادمها الفيليبيني، بسبب رفضه التجسس على القصر لصالحه. تختار ليونورا مواجهة الظلم عملياً بلا تراجع، مستندة إلى شجاعتها وإيمانها بالحق، فترتدي ثوب الراهبة وتطلق الرصاص من مسدسها على المجرم الإرهابي مدمجة بذلك بين رمزية المحبة الدينية والسلطة الأخلاقية للفعل الفردي.
في مقابل هذه "الليونورا"، يقف سليم بهدوئه المتأمّل، وبحبه الفريد، وقدرته على احتواء الاختلافات. هجر القصر واختار فندقاً قريباً منه على الشاطئ البيروتي. صحيح أن سليم اختار المنفى المريح على المواجهة، إلا أنّه يظلّ في نواحٍ أخرى مفاجأة شخصية: لم أرَ فيه مجرد الزوج المتألم، بل شخصية تتجاوز التصنيف التقليدي الذي اعتدنا عليه للزوج المخدوع. يستمر في حب ليونورا بوصفه خياراً وجودياً، لا ردّ فعل على خيانة. يعيش كلّ لحظة بتأمل ووعي، قادراً على تحويل الخيانة إلى مِساحة لفهم الحب بشكل أعمق. ليس سليم ضحية، ولا متفرّجاً بل هو شريك في تجربة الوجود نفسها. حبّه لا يقوم على التملّك أو الثأر الأخلاقي، بل على إدراك عميق لحاجته إلى ليونورا، خصوصاً في مرحلة بات يشعر فيها بانحدار موقعه المادي والاجتماعي، وكذلك الوطن. لا يتمسّك بالملكية ولا بالسلطة، بل بحساسيّته الشعرية، وليس أقلّ من ليونورا في حبه للأدب، الأدب كنافذة على العوالم الداخلية والخارجية. في مكان ما في الرواية، يختلط عليه الأمر، ولا يتذكّر ما إذا كان اللقاء الذي أثّر فيه قد حصل في الحياة الواقعية أو في مساحات خيالية خلال قراءاته. وهكذا فإنّ للحب أدواته أيضاً من موسيقى وأدب وسينما وفنون أخرى. هناك، على سبيل المثال، طيف تشيخوف وتولستوي الذي يضيء الرواية بإشراق كئيب. هناك الرسم، وموسيقى باخ، وسينما برغمان. وباستخدام هذه الأدوات المتنوّعة، يتحول الحب إلى تجربة إبداعية متكاملة. الفن، والأدب، والموسيقى أدوات لإعادة إنتاج المعنى وسط الخراب ومقاومة عبثية الوجود. كلّ وسيلة تضيف بعداً جديداً، وكلّ بعدٍ يثري التجربة، ويعمّق القدرة على الفهم والمشاركة والاحتفاء باللحظة. نرى سليم دوماً على أهبة الاستعداد للاحتفال بجمال الأشياء الزائل، لا سيّما بجمال الضوء وهو المعادل الحسي لما يمثله الحبّ أخلاقياً ووجوديّاً: الاستمرار ومقاومة العدم. الضوء "الناجي الوحيد في المنطقة" على حدّ قوله، "قد ينقضّون على الأرواح، والبيوت، وعلى المشهد، لكنّهم لن يستطيعوا أبداً النيل من الضوء. وحده الضوء عصيّ وبعيد المنال في هذه المنطقة". فهل من ضوء فعلاً لقصر موال وللبنانيين؟
يجدر القول إنّ الضوء الذي أمدّتنا به دومينيك اده يتجلّى تحديداً في هذه الإضاءة العاطفيّة والوجوديّة التي تجعلنا نفهم الحبّ كرِحلة، وكمساحة يتداخل فيها الشغف مع الجنون ولكن أيضاً مع التريث، والحرية مع الوفاء، والوفاء مع الانبهار بالحياة: لبنان ينهار، والإيديولوجيات تتطرّف، والعنف الديني يترسّخ، ومع ذلك يواصل الأبطال الحبّ، والرغبة، والإصغاء إلى موسيقى نافورة أو الاستغراق في عطر وردة، أو مساءلة ظلّ على جدار. لا تُختزل علاقة ليونورا بسليم إلى ثنائية بسيطة بين خيانة ووفاء، بل هي تفاوض مستمر بين الحب والحرية. معًا، يخلقان تجربة حب تتجاوز القواعد التقليدية للحياة الزوجية والاجتماعية، وتفتح نافذة على فهم أوسع للوجود والاختيار. من جوانب فتنة الرواية أنّها تعيد تعريف مفاهيم الخيانة والوفاء، حتى العلاقة بالمراسلة بين ليونورا وسيمين، الزوجة الأولى ليمان، تكشف عن تفكيك النموذج التنافسي النمطي بين النساء؛ إذ تتحوّل الغيرة المحتملة إلى اعتراف متبادل وتواصل إنساني. حيث يُقاس صدق الحب بقدرته على استيعاب التعقيد العاطفي والتأمّل فيه، لا بالتحصّن خلف حدودٍ صلبة أو ادّعاء امتلاك الآخر.
أما الأناقة الأسلوبية وتنوّعها فتواكب هذا التعقيد وهذه الفرادة مازجة الشعري بالواقعي، والزمني بالوجودي، ومسجّلة حركة مستمرة بين الماضي والحاضر، والوعي الداخلي للشخصيات، ما يجعل الزمن جزءًا من التجربة النفسية أكثر من كونه إطاراً سردياً. وعلى الرغم من الانتقالات الحادة من الحميمي إلى العنيف، ومن تواني التذكّر إلى "الأكشن"، ومن التأمّل الفلسفي إلى حيويّة الحوارات، لا يبدو هذا التحوّل تناقضاً، بل جزءاً من هندسة النص: العالم مليء بالمخاطر، ورقّة المشاعر لا تلغي الحسم. ماذا يقال أيضاً عن الوصف الشاعري المكثف إلى درجة يلامس فيها القارئ الأشياء. تفاجئك هذه الكتابة التي تكاد تحوّل كل تفصيل ليغدو كاشفاً عن حياة داخلية ذات كثافة مربكة، سواء أكان ورقة تسقط، أم ظلاّ ًعلى جدار، أو ورديّ فجرٍ يذوب في البنفسجي، لا شيء للزينة: المشهد يفكّر، والضوء يفعل، والصمت يتكلم. كلّ هذا يمنح النص بعداً تعويضياً: حين ينهار العالم الخارجي، تتكفل اللغة بإعادة بنائه.
وهنا يحضر سؤال الترجمة: كيف يمكنها أن تجسد فضاء النص بكلّ أبعاده وأزمَنته المتداخلة، فتستحضر ذلك الضوء وذاك الغياب الذي لا يزال مأهولًا، لتعيد، بلغة أخرى، تشكيل روحه وحساسيته الخاصة؛ حساسية الذاكرة المكانية المرتبطة به، ببيروت، بالمدن الأخرى، وحتى بالمنفى الداخلي. وكيف يمكنها أن تتبّع تعرّجات المشاعر ومسالكها الصعبة، أن تصغي إلى الصمت، إلى ما لا يُقال، إلى الإيقاع الداخلي للنص وارتجافه بين الحنين والوعي النقدي وكثافة المعنى؟
يمكن القول إن هذه الترجمة كانت حظوة حقيقية: حظوة المشاركة في هذا العالم المركب، الغني بشخصياته الفريدة. وكذلك حظوة المشاركة في هذه اللحظة اللبنانية، التي على قسوتها وحدّتها، لا تُقدَّم بوصفها مصيراً محتوماً أو أفقاً مسدوداً. فلبنان، كما يتبدّى في الرواية، ليس مجرد واقع مأزوم، بل فكرة تتجاوز تعثّرها: فكرة الانفتاح، والتعدّد، والتعايش الذي يحوّل الانكسار إلى إمكان جديد. ففي عمق هذا البلد ما يقاوم السقوط، ما يعيد ابتكار نفسه من داخل الركام. وهذه الروح ذاتها—روح التعدّد الكوسموبوليتي والقدرة على الحياة رغم الموت—هي ما يشكّل جوهر الرواية، وأيضاً الرهان الخفي لترجمتها. وعسى أن تبقى فتنة النص مستمرة، متجاوزة حدود القراءة والترجمة معاً، لتغدو تجربة حية تحتضن تناقضات الحياة نفسها.

