حفل افتتاح المهرجان اللبناني للكتاب - السنة السابعة والعشرون

 

حفل افتتاح المهرجان اللبناني للكتاب

    افتتحت الحركة الثقافية - انطلياس المهرجان اللبناني للكتاب - للسنة 27  يوم السبت في الأول من آذار 2008 الساعة 4.30 في مقرها في دير مار الياس - انطلياس، بحضور حشد من المدعوين والرسميين.

    بداية، النشيد الوطني اللبناني، ثم كلمة عريف الحفلة الياس كساب، الذي قدم المتحدثين وهم على التوالي:

الأب الرئيس جوزف عبد الساتر

امين المعرض جوزف هيدموس

الامين العام عصام خليفة

كلمة عريف الحفل الأستاذ الياس كساب

نفتتحُ هذا الاحتفال بالنشيد الوطني اللبناني

يعيشُ لبنانُ اليومَ وضعاً استثنائيا شاذا لجهة عدم انتخاب رئيس للجمهورية ، وبالتالي فانَّ المهرجان اللبنانيَّ للكتابِ في دورتهِ السابعة والعشرين الذي تنظمه الحركة الثقافية - انطلياس ، يقام هذا العام على عكس ما درجت عليه العادة ، من دون رعاية في ظلّ غيابِ رئيسٍ الجمهورية اللبنانية.                    

ايها الحضور الكريم ،

ترحيبي بحضوركم هذا الحفل هو باسمي وباسم زملائي الذين سيتكلمون .

فأهلا بكم في رحاب الحركة الثقافية - أنطلياس في هذه الامسية لننطلق سوياً في هذه التظاهرةِ الثقافيةِ الوطنيةِ السنويةِ ونفتتحُ المهرجانَ اللبنانيَ للكتابِ في سنتهِ السابعةِ والعشرين  .

نقرأ في الكتابِ الكلماتِ، والكلماتُ تجمعُ للحروفَ، والحروفُ ابتدعها شعبٌ أحبَ المعرفةَ والحوارَ، رفضَ الانغلاقَ فطوّعَ البحارَ وزرع مادةً أنبتت تواصلا بين الشعوبِ مهما اختلف عرقُها وتنوعت حضارتُها وتشعبت ثقافتها وامتدت مناطق تواجدها.

 

- من هذا الشعب انبثق لبنانُ المعرفة والثقافة والانفتاح

  • - من هذا الشعب ولد لبنانُ التحدي والمغامرة
  •  
  • - من هذا الشعبِ تفجرَ لبنانُ الحياةِ رافضا الموت بجميعِ اشكاله

    هذه هي الحركة الثقافية انطلياس ، صفحةُ الكلمة الحرة ، مقرُ الاقامةِ الدائمة للكتاب ، طريقُ الثقافة الواسعِ ومنبرُ الفكر القويم .

   

    اسمحوا لي أن أعود ثلاثين سنة الى الوراء وتحديدا الى عام 1978  حين أقرَّت الهيئة التأسيسية للحركة الثقافية - انطلياس "ميثاق الحركة" بالصيغة التالية:

    "نحن جماعةٌ من محبّي العمل الثقافي الوطني، تنطلقُ من دير مار الياس - انطلياس، محور ومشجّع العديد من النشاطات الثقافية والروحية منذ زمن بعيد، ملتزمة قضايا الإنسان والوطن ، بعيدة عن أي التزام سياسي فئوي. تسعى جماعتنا إلى مشاركة في إعداد إنسانٍ جديدٍ لمجتمعٍ جديد ، إنسانٍ حرّ واعٍ وصامد ، مثقف ومسالم ، إنسانٍ أصيل ، مرتبط بأرضه وتراثه ، عارف بحضارته وبقيمها، توّاقٍ للترقي ولمستقبل أفضل، في وطن موحّد، مستقلٍّ، ديمقراطي ، علماني ، منفتحٍ على محيطهِ العربي ومتفاعل معه ومع العالم، في إطار من السيادة الوطنية المطلقة".

        نشكرُ لكم حضورَكم ونطلب من جميع الرسميين أو من ممثليهم مرافقة الاب الرئيس والامين العام لقص شريط افتتاح المهرجان اللبناني للكتاب.

 

حفل افتتاح المهرجان اللبناني للكتاب


كلمة الأب جوزيف عبد الساتر 
رئيس دير مار الياس  والحركة الثقافية انطلياس

طوبى لمن همُّهُمُ الأكبر، في دُنياهُم: بلاغةٌ تُستطاب... أو بيتٌ من الشّعر، يُلهِبُ المشاعِر... أليسَ هكذا تكونُ الصَّلوات؟!.

رُحماكَ يا صرح الضوء والعطر والنغم دُعيتُ إلى مِنبركَ مُرحّباً...

هَبْني من بيانك أبجديةً تليق برفاقِ الكلمة، على مروج السنابل والكروم، وأناشيدِ الزارعينَ الحاصدين، في صباحات المواسم...

        تُُرى بمن أُرحب؟... هل أُرحّب براعي الاحتفال، وطني لبنان، الذي علّمنا أنَّ أَخفَّ الأحمال على المناكب، الرسالاتُ العُلى، بكل ما تحمل من ضَنَى المُجاهَدةِ والانصهار، ومشاركةِ العَلِيّ في رحلة الشّوكِ والدمِ والحرابِ والمسامير، وجعلِ الموتَ قيامةَ حياةٍ لا تنتهي؟

        هل أرحّب بشفيع الدار، مار الياس، في عقرِ داره وبين أهله علّمنا أن أهنأَ الأعباءِ على الأكتاف، تاريخ رهبانية أنطونية، وحركة ثقافية، قامتا في رحلة الزمن، على الخير والبرّ والعطاء، على مهرجانات الثقافة والفكر والمعرفة، على الصّلواتِ والذبائحِ والقرابين؟

        هل أرحّبُ بحاملي الريشة، دُعاةِ الحروفِ المكوكِبة، وهم في مهد الأجنحةِ والملاحم ـ يرسمون، عَبْرَ حياةِ الجَنى، على حائط الزّمن، " لجُبَيْلٍ " أُمُومَتَنا البِكرْ، لِمَوْطِنِنا الصغير، خريطةَ كَوْن؟!.

        هل أُرحّبُ بحُضورٍ حبيب، له ما لهُ من ألقٍ، وَتَرَفٍ، وأناقة... شارَكَنا مسيرةَ البَذخ، والبدْعِ، والرؤى في مهاراتنا المُجنّحات، وليالينا الحالمات؟!.

        يا رحبنا بكم أرحب، يا أهلنا بكم أرحب، يا عشّاق الفكر والثقافة والمعرفة بكم أرحب، يا جلساء الكتاب وسمّاره بكم أرحب، باسم الدير والحركة الثقافية انطلياس، في حفل افتتاح مهرجان الكتاب السابع والعشرين، فبكم وبأمثالكم يليق الترحاب والترحيب. والسلام.


 

كلمة أمين المهرجان اللبناني للكتاب

 الأستاذ جوزف هيدموس 

         اهلاً وسهلاً بكم في رحاب الحركة الثقافية-انطلياس، في مهرجاننا السابع والعشرين للكتاب.

بينما كنا نحضَّر لهذا المهرجان وتحت ضغط الاحوال التي نعيشها، راودتني اسئلة كثيرة أذكر منها:

السؤال الأول: هل ستسمح الظروف الأمنية بالاحتفال بهذا المهرجان، أم سنضطر الى تأجيله او الغائه؟

والجواب تلقّيته اليوم مسروراً، بحضوركم، بوعيكم، بمحبتكم وثقتكم الغالية وبجهود القوى الأمنية؛ وهنا أودّ التذكير باننا في السنوات الماضية ايضاً، لم ندع الخوفَ يغزو نفوسنا، فيوقعنا في اليأس، بل اتكلنا على الله والاصدقاء، طلاباً ومثقفين ومفكّرين ودور نشر، وأقدمنا، لأننا نؤمن أنَ الجمودَ موت وفناء والحركةَ حياة ورجاء وكما احتفلنا في العام 1999 ببيروت عاصمة ثقافية للعالم العربي،  سنحتفل العام المقبل ايضاً ببيروت عاصمةً للكتاب والمطبعة العربية.    

         السؤال الثاني الذي راودني: هل الاحوال الاقتصادية ستؤثر على عدد الزوار وعلى مبيعات المعرض؟

وهنا ايضاً تذكرت نتائج الاعوام الماضية فما اعتراني أيُ خوف لأنني أعلم علمَ اليقين أنّ اصدقاءَ الحركة الثقافية قد سجلوا في مفكرتهم وذاكرتهم تاريخَ المهرجان ورصدوا في موازنتهم ما يتيح إشباع نهمِهم للكتاب ويثلج قلوبَهم. وهنا تحضرني عدة اسئلة: الى متى سنستمر في اكتساب ثقافتنا على حساب لقمة عيشنا ودفء أولادنا؟ الى متى ستبقى رواتبُنا مجمّدة والحركة الاقتصادية مشلولة وصناعتنا منبوذة وزراعتنا مقهورة ؟ الى متى سنبقى مبلَّدين لا نجرؤ على الصراخ والاحتجاج لئلا نُتّهم بأننا مشاغبون نزعج بأصواتنا غفلة المسؤولين في سباتهم العميق؟ الى متى سيبقى فيروس الطائفية والتزلم يشعرنا بأنّ الجوعَِِِِِِ شبع والبردَ دفء والظلمَ عدل ونتلذّذ بالضرائب ونتفرّج على نهب المال العام من قبل بعض الذين يتبوأون مناصب رفيعة في السلطة ؟

         السؤال الثالث والأخير في هذه الوقفة العاجلة وليس في هذا البلد العجيب، والذي شغل بالي وسيشغله الى حين : أين الثقافة من السياسة في بلدي لبنان؟ ولمن يُصنع الكتاب؟ ولمن يكتب الأدباء ويُبدع المبدعون؟

سؤال جوابه صعب بلا شك لأنني أرى أنّ الثقافة في مكان والسياسةََََ في مكان آخر، ولا أرى فعل الثقافة في السياسة، بل للأسف خضعت الثقافة للسياسة، فلم تعد ثقافتنا موضوعية بل معلّبة وموجّهة، من هنا خوفي وحسرتي على الوطن، خصوصاً وأنّ بعض المثقفين أصابهم مرض الطائفية والوجاهة فانحصر همّهم بالتنظير وكتابة الخطابات لأولياء الحالة المرضية التي نعاني من ويلاتها .   

فلو أننا نهلنا في مدارسنا ومجتمعاتنا ثقافة وطنية، لا طائفية، تعزز الولاء للوطن ومحاسبة أي مسؤول على قدر مسؤوليته، لما وصلنا الى ما آلت إليه أوضاعنا والى أن نحتفل بافتتاح هذا المهرجان في غياب راعيه المفترض، الذي هو رأس السلطات ورمز الدولة ووحدتها.

ايها الاصدقاء

         هل أننا فعلاً في مخاض مشترك مع باقي دول المنطقة على عتبة ولادة شرق اوسط جديد ؟ وهل سنبقى في حوار الطرشان حتى موعد الولادة ؟

هل أننا لم نبلغ سن الرشد، وأننا بحاجة دائمة الى وسطاء وأوصياء ؟

هل نحن ذاهبون الى الانتحار ونحر الوطن كرمى لعيون الآخرين ؟

ايها الحفل الكريم

         لقد اردنا لهذا المهرجان أن يكون مساحة اغتناء وصفاء وحوار تقرّبنا من الثقافة الحقًة وتبعدنا عن السياسة اللبنانية بمماحكاتها وزيفها لذلك، كان همّنا أن يأتي مهرجاننا هذه السنة، حافلاً بالنشاطات الثقافية المتنوعة، الموجّهةِ لجمهورٍ عريض من مختلف الفئات العمرية، والموزّعة على امتداد ساعات النهار. فعسى أن نرضي تطلّعات روّادنا جميعاً.  

         ختاماً لا يسعنا إلا أنً نشكر حضوركم ، وان نجدّدَ الإعراب عن امتنانا للرهبنة الانطونية ورئاسة دير مار الياس-انطلياس لاحتضان حركتنا وأنشطتها، كما نحيّي بنك عودة لوقوفه معنا منذ سنوات طوال راعياً لمنشوراتنا وحملتنا الاعلامية، ولن أنسى أن أشكرَ رئيس واعضاء المجلس البلدي في انطلياس، والاجهزة الامنية على اختلافها، والمشرفين على الوسائل الاعلامية، وجميعَ المشاركين في المعرض وفي النشاطات المرافقة له، وكلَّ من ساهم في انجاح هذا المهرجان.

                                                                        

                                                                  شكراً لحضوركم

                                                                  عشتم وعاش لبنان

  

كلمة الأمين العام للحركة الثقافية - انطلياس

الدكتور عصـام خليفـة 

        أيها الحفلُ الكريم،

        الجمهوريةُ بلا رئيس منذ أربعةِ أشهر. ومهرجاننا هذا العامَ بدون رعاية رئيس الجمهورية، البرلمان مقفل منذ أكثر من ستة عشر شهراً. الحكومةُ تعاني من خللٍ بنيوي. الاجرامُ مستمر في التفجير والقتل والترهيب للقيادات السياسية والاعلامية والعسكرية. الوضعُ الاقتصادي والاجتماعي يعاني من تفاقم الديون والغلاء والبطالة والهجرة. مؤسساتنا التربوية والقضائية والروحية والادارات العامة تواجه تحدياتٍ خطيرة. المبادرات الدولية والعربية لايجاد الحل تصطدمُ بعراقيلَ عاصيةٍ، حتى الآن، على التفكك. على منظومة القيم الشاملة التي يقوم عليها المجتمع والدولة والاقتصاد والثقافة تعاني من انهيارات واضحة.

        توتراتٌ واعمالُ عنفٍ تبرز هنا وهناك وكلام كثير عن السلاح والتسلّح والمسلحين.

        دمار للمنازل والارض والعمران. وذكرياتُ شهداء سقطوا، وملايين القنايل العنقودية، تطالعنا في زوايا قرانا وبلداتنا هنا وهناك، من جرّاء عدوان تموز الغادر، وتهديدٌ بجولاتٍ جديدة رغم وجود القوات والقرارات الدولية !

        صعود قوى ظلاميةٍ مكّنوها من المال والسلاح والعقائد السلفية، تتخذُ من بعض المخيمات الفلسطينية ستاراً لها.

        استمرارُ الانتهاك لترابنا الوطني على امتدادِ مئاتِ ملايينِ الامتارِ المربعة داخل خط حدودنا الدولية، وتسيّب وفلتان لهذه الحدود.

        وقبلَ كل شيء وبعد كل شيء تفاقم الانقسام في الرأي العام ومحاولات تعميقهِ من قبل قوى معروفة الاهداف والارتباطات !

        في هذا المناخ لا بل بمواجهته أصرت حركتُنا الثقافية على تنظيم المهرجان اللبناني للكتاب - للسنة السابعة والعشرين، ودون اية رعاية. اللهم إلا رعاية الله والشعب.

        فما هي المعاني التي يحملها موقفَنا هذا؟

        انه استمرارُ للخط الذي انتهجناه منذ الانطلاق:


  • - رفض التعصبِ والاصرار على الحوار. وبرغم كل المظاهر ثمة الكثيرُ من القيمِ الدينية والاخلاقية
     المشتركة بين اللبنانيين ما يمكننا من بناء ثقافة السلام والعدل والمحبة.
     
    - الاصرار على الدفاعِ عن لبنان: الدولة المستقلة التي ترتكز على روح الميثاق الوطني بما هو تعاقد بين
  •   .المسيحيين والمسلمين للحفاظ على سيادة وحرية هذه الدولة ضمن حدودها المرسّمة

 - لبنان مع العرب اذا اتفقوا وعلى الحياد اذا اختلفوا. هذه قاعدة سياستنا الخارجية منذ العام 1943. وكل خروج عليها كان يؤثرُ على اوضاعنا الداخلية. هذا الحياد يعني عدم دخول لبنانَ في محاورَ عربيةٍ او اقليمية ضد محاور اخرى. ولا يعني الحياد في موضوع الصراع ضد العدوان الإسرائيلي. فلبنان يقف مع الحقوق العربية ضد كل اعتداء.

- ولبنانُ مساحةُ تلاقٍ وحوار وليس ساحة اشعال حروب مذهبية. وتحييدُ لبنانَ يتلازم مع انشاء جيش قوي وحديث مزوّد بالعدّة والعتاد. والدولة، أيُّ دولة - كما يقول راتزل - لا يمكنها ان تتسامح مع وجودِ دولةٍ أخرى أو قوةٍ أخرى (مسلّحة) على أرضها، من دون ان يؤدي ذلك إلى إضعافها.

- الديمقراطية اللبنانية ليست نظاماً فالتاً بل هي نظامٌ له قواعده. والتسوية تقوم على مبدأ الأخذ والعطاء، وليس على مبدأ الفرض والإلغاء.

- عدمُ انتخاب رئيسٍ جديدٍ للجمهورية مناقضٌ لروح المادة 74 من الدستور التي اكدت انه اذا خلت سدّة الرئاسة.... (فلأجل انتخاب الخلف يجتمع المجلس فوراً بحكم القانون). أي بمعنى ينامُ النواب في المجلس حتى البت في الانتخاب. لكن ما جرى ويجري:

هو ضربٌ للمؤسسات الدستورية
وهو عملٌ يؤدي الى انهيارِ مؤسسات الدولة.
وهو رسالة للمجتمع الدولي الذي اصدر القرارات الداعمةَ لنا: ان هذه الدولةَ يجب ان تعود الى كنف الوصاية والتقاسم - الكوندومينيوم !!
خاصة وان مخطط التهديم يطالُ ليس فقط مؤسساتنا السياسيةَ وانما ايضاً مؤسساتنا الروحيةَ والعسكريةَ وغيرها.

رداً على ذلك أكدت حركتُنا الثقافية على تنظيم المهرجان اللبناني للكتاب لأن الكتاب والثقافة هما روح لبنان.

انه مقاومةٌ ثقافيةٌ للمخططات الساعية لإلغاء لبنانَ الدولة والرسالة. ونحنُ في مهرجاننا لا نطرح الثقافة كفكرةٍ مجرّدة او نشاطٍ مقصورٍ على نخبة، بل كمفهوم دينامي ضروري لحياة شعبنا اللبناني بمختلف فئاته ومناطقه. وعلى التنمية الثقافية، بحسب مفهومنا، ان تعبر عن صفة العلاقات المتبادلة بين الانسان والمجتمع أي عن درجة استقلالية الفرد وقابليته للتموضع في العالم والاتصال بالآخرين والمشاركة الفضلى في تقدم المجتمع.

مهرجاننا هو تجسيد لإيماننا الراسخ بان التنمية الثقافيةَ هي البعدُ الأساسي من أبعاد التنمية المتكاملة وان الانسان وسيلة التنمية وغايتُها في آن معاً. ومعها نرسّخُ بناءَ الدولة المدنية الحديثة القائمة على حكم المؤسسات والتي تحترم حقوق الانسان وتعلي استقلاليةَ القضاءِ وتقضي على الفساد وتحققُ العدالةَ الاجتماعية.

        الثقافةُ التي نعمل في ظل قيمها تؤكد ان الدينَ لا يفرق، بل يجمعُ. وبحسب ما قال علَمُ الثقافة الذي نكرمه هذا العام الأب العلامة عادل تيودور خوري: "كل من توجه الى ربه والتمس وجهه بصفاء النية وصدق القلب لا يجدُ البغضُ مدخلاً الى قلبه ولا يحرك العنفُ يديه. فالآخر هو اصلاً أخي في وحدة اساسية مهما كانت الفوارق في العقائد والتفاسير الدينية. ونلتقي معاً على رأس الدرب، ونحاول ان نسلكَ سبيلَ الايمان، ودروبَ العدلِ والسلام والمحبة.... ثم اننا على يقين بأن العمل المشترك لا يحمل على النزاع والصدام. العمل المشترك يقرّب، ان قام به الشركاء بنزاهةٍ وانفتاح، واخلاصٍ وتصارح في الرأي، ومودة في النقد. ومثلُ هذا التعاطفِ هو من دعائمِ ثقافةِ السلام".

        الثقافة التي يعزّزها مهرجانُنا هي ثقافة الحوار مع الذات ومع الآخر، وليست ثقافة العنف والصدام او ثقافةَ الانغلاقِ وراءَ جدرانِ الخوفِ والتقوقع. ان الذين يبشرون بالحروب وبالعنف بين ابناء الشعب الواحد يتناسون الكلفة الغالية التي قدمها شعبنا بين 1975 - 1990 (150 ألف قتيل، 18 ألف مفقود، ألوف المعاقين، مليون مهجّر ومليون مهاجر ومئات مليارات الدولارات من الخسائر...!).

        العنفَ والاقتتالُ يكشف عن عدم القدرة على التفاهم، وعلى وضع النفس مكان الآخر. وعدمَ القدرةِ على الطيبةِ وحسنِ الادراك. والوحدةُ الوطنية بين كل مكونات المجتمع هي السلاح الأقوى لمجتمعِنا لا بل انها أقوى من كل القنابل والصواريخ. مع ترسيخها يحققُ شعبُنا الانتصار، ومع غيابها نقع في الهزيمة المحتمة.

        وربّ قائلٍ ان عدم انتظام العلاقة بين سوريا ولبنان هي في اساس الخلل الحاصل.

        فما هو الحلّ؟

        ردنا يرتكزُ على قاعدتين لا يمكنُ لنا الا احترامُ منطلقاتهما.

1- في مجال العلاقة مع سوريا نتوقفُ عند النص الذي ورد في المجمع الماروني (ضمن فصل: الكنيسة المارونية والسياسة ص 716):

" اعادةُ بناء علاقات طبيعية مع سوريا على قاعدة التكافؤ والمساواة والمصالح المشتركة، عبر مراجعةٍ شجاعة لتجربة الماضي، على اعتبار ان كلفة التفاهم تبقى اقلَّ من كلفة النزاع. واذا كان صحيحاً ان بين الدولتين تبايناتٍ عميقةً في طبيعة النظام السياسي وفي مسائل أخرى، فان ذلك لم يُلغِ المُشْتَركُ في الجغرافيا والتاريخ والحضارة وفي التزام القضايا الوطنية الكبرى، وفي مقدمها قضيةُ التحرر الوطني والاستقلال وفي التواصل المستمر بين الشعبين عبر التاريخ".

2- في الميثاق الوطني الذي وضع خطياً في منزل الزعيم الوطني يوسف السودا عام 1938 جاء في مادته الأولى "تمكينُ الصلة بين لبنانَ والدولِ العربيةِ المجاورة في اتجاه حلفٍ يضمن لكل منها الاستقلال التام".

وفي ميثاق عام 1943: "لبنان مدعوٌ الى التعاون مع الدول العربية، والى دخول الاسرة العربية، بعد ان تعترف هذه الدولُ باستقلاله وكيانه، ضمن حدودهِ الحاضرة، فعليه ان يحفظَ التوازنَ بين الجميع، وان لا يميلَ مع فريق".

وفي وثيقة الطائف (1989): "ولبنان تربطُه علاقاتٌ اخويةٌ وصادقةٌ بجميع الدول العربية. وتقوم بينه وبين سوريا علاقاتٌ مميزةٌ، تجسدها اتفاقات بينهما في شتى المجالات بما يحقق مصلحة البلدين الشقيقين في اطار سيادة واستقلال كل منهما".

"سوريا لا تسمح بأي عمل يهدد امن لبنان واستقلاله وسيادته (وثيقة الطائف) ولبنان لا يريده ابناؤه للاستعمار مستقراً او ممراً (ميثاق 1943) ولبنان لا يسمح بان يكون ممراً او مستقراً لأي قوة او دولة أو تنظيم يستهدف المساس بأمنه او أمن سوريا (وثيقة الطائف).

بين العداء لسوريا والقطيعة معها، وبين الرضوخ لوصايتها وسيطرتها المباشرة على لبنان، هناك موقع ثالث: التحالف والتعاون في اطار المصالح المشتركة، واحترام استقلال وسيادةِ الدولتين، مع تبادلِ التمثيل الديبلوماسي وترسيم الحدود، واحترامَ جميع القرارات الدولية ذات الصلة.

        أيها الحفل الكريم،

        على امتداد النصف الأول من شهر آذار سنكرّم كباراً من اعلام الثقافة في لبنان وعالمنا العربي - (الرعيل 23) -:

الفنان المبدع امين الباشا، الطبيب العالِم انطوان غصين، المسرحي العراقي جواد الأسدي، العلاّمة الأب عادل تيودور خوري، الصحفي اللامع عزّت صافي، المؤرخ الأردني المدقق علي محافظة، المثقف الملتزم بقضايا الشعب محمد دكروب، الموسيقي الطليعي مرسيل خليفة، وابن الرهبنة الانطونية الأب يوحنا الحبيب صادر.

        على صعيدٍ آخر سيطلق مهرجانُنا نقاشاً حول القضايا الوطنية الكبرى، وسيعالج بعض قضايا الشباب، وسيكرم نقابيين كبيرين في يوم المعلم (د. افرام البعلبكي والاستاذ حافظ الشمعة) وفي المهرجان تحية الى السيِّدة رباب الصدر شرف الدين ومن خلالها إلى مؤسسات الامام الصدر المغيب ظلماً وعدواناً، وتحية الى الأم الرئيسة كليمنص حلو بمناسبة مرور 75 سنة على تأسيس مؤسسة الراهبات الانطونيات.

        ولأنهم كرسوا حياتهم للكتاب وللثقافة ولأنهم رحلوا هذا العام نحيي، على مدخل المعرض: الأباتي يوحنا سليم، راجي عشقوتي،  بيار روفايل، واستاذنا سهيل ادريس، والعميد الدكتور فوزي عطوي، وزميلنا في الهيئة الادارية رشيد الأشقر.

        وهناك تواقيعُ الكتبِ الجديدة على امتداد ايام المهرجان.

        أيها الحفل الكريم،

        في هذا المهرجان نؤكد مطالبتنا مجدداً بانتخابٍ فوريٍ لرئيس الجمهورية ونطالب بحكومة وحدة وطنية توازن بين جميع الفئات والتيارات وتأخذ بعين الاعتبار هواجس الجميع. فلا يميل الميزان لفريق على حساب آخر، وتؤخذ فيها القرارات المصيرية بالاجماع. وتعمل لورشة اصلاح شامل على الصعد كافة ونطالب باطلاق نقاش مسؤول تحت قبة البرلمان يعكف على معالجة مشاكل الوطن والمواطن، ونحذر جميع اللبنانيين من اللجوء الى العنف، وندعوهم الى ان يفكوا تحالفاتهم الاقليمية والدولية لحساب تحالف داخلي وطني هو وحده القادر أن يقوي الدولة اللبنانية ويعمل لمصلحتها. ان الولوغ في الانصياع لتوجيهات الخارج يؤدي الى تمزّق الوطن والى انهياره.

        منذ عشرين سنةً (أيار 1988) في خضم تلك الحروب المشؤومة على لبنان، جمعنا مختلف الهيئات الثقافية اللبنانية من كل لبنان أمُّوا انطلياس في مقر حركتنا وأصدروا عاميةً ثقافيةً وطنية استقلالية جديدة تحت اسم "البيان الثقافي الوطني" الذي أسدل الستار على تلك الحروب ورسم بهاء لبنان الحرّ الآمن المستقرّ والمستقل.

وها نحن في هذه الذكرى، ذكرى عشرين هذا البيان، في هذا المهرجان اللبناني للكتاب السابع والعشرين نؤكد ثقةَ المثقفين اللبنانيين ومواطنينا اللبنانيين جميعاً، على أرض الوطن وفي العالم أجمع، بانتصار لبنان الدولة والانسان على كل المصاعب، وبنهضة شعوبنا العربية نحو آفاق الحرية والتحرر. وكما قاومنا الكوندومينيوم والاحتلال على امتداد الثمانينات والتسعينات وأوائل هذا القرن سنستمر بمقاومته مستقبلاً، كما نؤكد على الصبر والنقد الذاتي، فما احوجنا الى احتمال اختلافاتنا في الفكر والقول والعمل واحتوائها بوعي متَّقد، وبوطنية سامية، هي الوجه الحقيقي للبنان. وعلى مشارف اعلان بيروت عاصمة المطبعة العربية العام القادم 2009 نأمل ان تبقى عاصمتُنا طليعةَ تقدمِ العرب ورائدةَ الحريةِ والثقافةِ والنهضةِ، كما كانت باستمرار على امتداد تاريخنا الحديث والمعاصر.

                                                            عاشت الثقافة الحرّة

                                                     عاشت الحركة الثقافية - انطلياس

                                                                عاش لبنان

       _____________________________________________