السياسة والشباب: من العبودية الى الحرية

الاثنين 3 آذار  2008

 

كلمة بريجيت كساب

الدكتور انطوان جوزف سعد

 

 

السياسة والشباب: من العبودية الى الحرية

 

 

كلمة بريجيت كساب  

فكّر كي تميّز، ارفض التبعية والعبودية لترتقي الى الحرية المطلقة

ان الفكر السياسي ليس حكرا على فئة معيّنة من الناس، كلنا معنيون، كلنا نفكر، الكثير منا يتمتع باهلية القيادة.

ان الله قد خلقنا احرارا وبمجيئه اعتقنا من العبودية واعطانا هوية الانسان المخلوق على صورته ومثاله، حرّا مستقيما، واودعه جزءا من روحه ليحييه ويجعله في مصاف الالهة وصانع المعجزات. هذا هو الانسان بذاته وعقله وروحه حرا سيدا مستقيما ومستقل الراي والارادة يتمتع بدماغ له صفات فريدة تميّزه عن سائر مخلوقات الارض.

عرف الله الانسان بالاسم والمنطق وانه يشبه اخاه الانسان بالشكل والتكوين وقد ميّزهم عن بعضهم بالفكر والعقل والارادة الحرة، فاحترم آراءهم وقراراتهم دون ان يتدخل في خياراتهم مهما كان نوعها واكتفى بالتوجيه الصحيح.

احبّ الله الشباب فمنحهم العنفوان والعطاء والحكمة والبصيرة والقدرة على التغيير المطلق والثورة على التسلط والتجدد الدائم، ابتداء من الذات الشخصية وحتى التغيير الكامل والشامل في الوطن.

ونحن في هذا البلد اصبحنا نناقض هذا الفكر، اذ جلّ ما يقلقنا ان الشباب اصبحوا يعرفون بالارقام والاعداد التي يحشدها السياسيون دعما لمواقفهم وعلى اساس هذا التواجد في المظاهرات التي يحسبونها

تقوّم نتائج الفشل والنجاح وانما ليس بالاسم والفكر والراي القويم والمشاركة الفعلية في القرار. اصبحوا اسرى افكار وتجاذبات وتعبئة غير واضحة او صحيحة ودون موقعها الطبيعي

ان ما قد حصل على مر الاعوام من نزاعات بين السياسيين وحتى اليوم دون الاتعاظ من النتائج ودون التفكير في تغيير هذا السلوك قد دفع بشبابنا الى الهجرة وحتى الهجر دون ندم، اما قرفا من السياسة والوضع المتردي واما عوزا واما ياسا في بناء مستقبل وعيش عمر لايعود واوقات لا تعوّض .

 

عندما يذهب الشباب الى الخارج يتطلعون الى قدرات ذاتهم و يستمعون الى ايقاعات الفكر بعيدا عن الغرائز والتشنج بعيدا عن الشعارات الزائفة الزائلة التي لا تخدم الوطن ، عندها ترتفع ذاتهم الحقيقية والتي كانت نائمة ويستيقظ الفكر القويم الذي يقبل التحدي في سبيل البناء لارضاء الذات من خلال انجازات جبارة تفيد المجتمع وتطوّر الشخص بكليّته. وخير مثال على ذلك الشباب المنتشر منذ زمن بغير قصير في جميع اقطار الارض والذين سطروا باعمالهم مادة يتباهون بها ويقدرونها في تلك البلاد حيث شكلت فروقات في سبيل التقدم والتطور والعلم الواسع.

فنسبة لعدد المبدعين والقادة السياسيين في العالم من الجنسية اللبنانية لا يمكننا القول ان لبنان يفتقر للمعرفة والراي السليم والقويم.

ما هو حقيقي وواقعي، ان الشباب هم مصدر التغيير والقوة الضاربة التي يجب ان نتكل عليها في بناء الاوطان، انما غير الواقعي وغير الحقيقي ان هذه القوة تستثمر في غير مكانها ودون ادراك خطورة عدم الاستفادة منها في الموقع والهدف الصحيحين.

ما هو حقيقي وواقعي ان الشباب هم مصدر التلاقي والتفاهم بالطرق الحضارية والسلمية في سبيل اعلاء بناء الوطن، انما ما هو غير حقيقي وغير واقعي ان السياسيين والقادة في هذا البلد يستثمرون هذا الشباب المميز في تحقيق اهدافهم التي يعتقدون انها اهداف بناء الوطن فيتحاربون ويتقاتلون بالكلمات التي تجيش النفوس الى حد تباعد الفكر والمنطق، فتمنع حركة الدماغ وتلقي بالتبعية لهذا السياسي اوذاك بشكل عبودي دون ان تترك مجالا للتفكير كي يحسن هؤلاء الشباب تحديد موقفهم ومدى صوابية افكار هذا السياسي او ذاك الى حيث تقودهم مواقفه.

هل هكذا يريد شبابنا ان يصبحوا ارقاما بلا اسماء، اجسادا بلا رؤوس، رؤوسا بلا ادمغة؟

هل يعلم شبابنا ان قدرة التغيير عندهم هي بلا حدود من مكان وزمان؟

هل يعلم شبابنا انهم يستطيعون ان يملوا على سياسييهم بما يريدون بكل حرية وثقة وعزم، وبامكانهم ان يبنوا وطنا حرا حيث تطأ اقدامهم؟

هل يعلم شبابنا ان بامكانهم الثورة على كل بال وعتيق وعديم الجدوى في سبيل التجدد والتطور؟

هل يعلم شبابنا ان التعاطي والتعامل مع هذا الوضع بالتبعية المطلقة انما يجعلهم عبيدا واسرى افكار الاخرين تحقيقا لغاياتهم؟

هل يعلم شبابنا كيف نستطيع ان نستخدم دماغنا بقدراته اللا محدودة للبناء اللا محدود؟

هل يعلم شبابنا ان رايهم في اختيار السياسيين هو قاطع ونهائي وهم من يطلقونهم وليس العكس؟

هل يعلم شبابنا انهم يستطيعون ان يحققوا اهدافهم واحلامهم ووجودهم ببناء الذات والوطن والافادة وكيفية تحسين سبل عيشهم واظهار قدراتهم حتى اقناع الاخرين بامكاناتهم والعمل على تحقيقها في الوطن دونما الحاجة الى الهجرة ياسا؟

هل يعلم شبابنا انهم وحدهم يستطيعون بناء الوطن بالحكمة والعدالة والسلام والتوافق والحوار البناء والهادىء بين بعضهم البعض في سبيل خير الجميع؟

 

هذه الاسئلة وسواها سوف يجيبنا عليها الدكتور انطوان جوزف سعد من خلال دراسة وبحث علميين في الدماغ البشري بكافة تفاعلاته

  والدكتور سعد هوطبيب متخصص في الامراض العقلية والعصبية من جامعة باريس 11 سنة 1997 - وفي علم السلوك الدماغي من جامعة aix Marseille  سنة 1999 .
-        تدرّب على البحث في علم المشاعر والانفعالات في جامعة ايوا في الولايات المتحدة الاميركية
-       له اهتمامات وابحاث في الطب الفكري الجسدي وعلم اللاهوت الدماغي وعلم السياسة وتفاعلها مع وظائف الدماغ
-       محاضر في عدة جامعات بمواد تتناول علم الفكر والدماغ والنفس
-       يمارس عمله العلاج اليومي في عيادته الخاصة وفي عدة مستشفيات
-       يعمل على اصدار كتاب بعنوان "العقل السعيد"
-       يقيم دورات تدريبية للاشخاص والشركات بموضوع كيفية النمو الذاتي وتفعيل القدرات الشخصية
-       مؤسس جمعية Feel غير الحكومية للبنانيين المثقفين عاطفيا

سوف تتبع هذه المحاضرة حوار للاجابة على اسئلتكم الموجهة الى الدكتور سعد اما كتابة واما من على المنبر وذلك ضمن الموضوع وباختصار مطلق لفسح المجال امام اكبر عدد من المشاركين.

 

 

الدكتور انطوان جوزف سعد 

بحث علمي في الدماغ البشري

" انا ساصوّت لهذا المرشّح كونه يرتدي ربطة عنق مماثلة لي"

ماذا يجري في الدماغ عندما يتعاطى الانسان في السياسة ؟

لماذا ينفعل الانسان عندما يتكلم في السياسة حتى ولو كان من اصحاب الطبع الهادىء؟ فيتحول الاصدقاء الى اعداء في بعض الاحيان؟

اظهرت دراسة اجريت في جامعة هارفرد في الولايات المتحدة الاميركية، ان الدماغ البشري قد يتفاعل بشكل آلي في مثل تلك الظروف. فالغشاء الامامي للدماغ

(Prefrontal Cortex) والاكثر تطورا بين جميع الكائنات الحية، يقسّم القادة السياسيين الى قسمين:

-       الذين يفكّرون مثلي

-       الاخرين

اجرى الباحث جايسون ميتشل ورفاقه لدى 15 متطوّع تجربة تقضي بقراءة مقطع لساسة من نفس الموقع السياسي وايضا من الجانب الآخر، ثم اعطوهم صورا لهم وطلبوا منهم ان يتخيّلوا ما قد يجيبون على بعض الاسئلة في مواضيع سياسية مختلفة. في هذا الوقت وضع دماغ هؤلاء المتطوّعين قيد المراقبة بال pet scan لتحديد نشاط الدماغ في المناطق المختلفة، تبيّن انه عندما تكون الشخصيّة السياسيّة من نفس الجانب تنشط المنطقة الداخليّة للدماغ (VMPFC)  ، اما عندما تكون الشخصيّة السياسيّة من الفريق الآخر فتنشط المنطقة الخارجيّة للدماغ الامامي (DLPFC).

في مرحلة ثانية من التجربة، جعل الباحثون في علم الدماغ المتطوّعين ينظرون الى لوح عليه صورة وجه بدون هوية وكتبوا في الوسط "انا"، فكان على المشاركين ان يتخيّلوا ما قد تقوله هذه الصورة الخياليّة التي سيتماهون معها بشكل اجباري.

عندها ظهر نشاط الدماغ مركزا في المنطقة الداخلية للدماغ الامامي.

ما هي خلاصة هذه التجارب؟

ان النشاط الداخلي للدماغ الامامي يميّز المنطق الفكري المرتبط بالرأي الذاتي.

بما ان المنطقة ذاتها تنشط امام شخصيّة سياسيّة من نفس الجهة فيتفاعل الانسان بشكل اوتوماتيكي عبر اسلوب التماهي (simulation)   

ماذا يجري فعليا ؟ تماما كما يجري عندما يخبركم صديق حميم عن مأساة مرّ بها فتضعون انفسكم مكانه وتحاولون ان تشعروا بما شعر.

اذا نفكّر عبر " الانا" عندما نتخيّل ما قد تقوله شخصيّة سياسيّة نحبّذها فنطبّق عليها ادراكنا، منطقنا، مشاعرنا وانفعالاتنا.

في الاتجاه المعاكس، اي عند زيادة نشاط المنطقة الخارجيّة للدماغ الامامي ، يكوّن حاجز واضح بين الانا والآخر وبالتالي عدم قبوله ورفضه. هذا ما يفسّر لماذا تتحوّل النقاشات والطروحات الفكرية السياسية المختلفة الى مواجهات شخصيّة عوضا من ان تقوّم المفاهيم المنقوصة المختلفة من اجل ابتكار الحلّ المشترك بدل اللا حل المشترك.

النهاية تكمن في البداية : كن انسانا وليس عبدا، فمعقل الحريّة الاوّل والاخير هو العقل، اي ان نفكّر، كيف نفكّر والاّ .... لا حول ولا قوّة.