تكريم أعلام الثّقافة في لبنان والعالم العربي

الأستاذ غسّان تويني

 كرّمت "الحركة الثقافيّة- أنطلياس" الأستاذ غسان تويني، بمشاركة كلّ من السفير الدكتور ناصيف حتي، والصحافي الأستاذ سمير عطالله، والدكتور فارس ساسين. وقام المحامي جميل جبران بإدارة اللقاء أمام حشد غفير من الأصدقاء والإعلاميين .


 اعتلى الوزير السابق وديع الخازن منبر الحركة الثقافيّة- انطلياس وتحدّث باسم المحتفى به ناقلاً اعتذار عميد "النهار" عن المشاركة في هذا التكريم لظروفه الصحيّة الطارئة. فشكر باسمه "الحركة" التي دعت إلى تكريمه، وكلّ الحاضرين الذين تكبّدوا عناء المجيء شخصيًا، بالإضافة إلى سعادة السفير ناصيف حتي الوافد خصيصًا من فرنسا لالقاء كلمته في هذه الأمسية، والصحافي الأستاذ سمير عطا الله، والدكتور فارس ساسين، والمحامي الأستاذ جميل جبران الذين سيحيون هذه الندوة. واعتبر الخازن أنّها ستكشف عطاءات رجل قدير يختصر بحياته محطات كبرى من تاريخ لبنان.

images/bf2011/jourgtweb.jpg

 استهلّ المحامي جميل جبران كلمته بسؤال يتبادر إلى الأذهان: "ما سر هذا الإنسان!؟" فهو منذ ستين عامًا يبني بالحبر وعلى الورق منارة لم يقوَ شيء على تدميرها. واستذكر بعضًا من المعالم الّتي تجعل من غسان تويني ما هو عليه في وجدان الناس، ومنها تخصيص "النهار" صفحة من صفحاتها للطلاب، وكلمته عندما أحيل على المحكمة العسكرية محولاً قفص الإتهام الى منبر للحرية، وقدرته على توحيد كلمة اللبنانيين وايصالها للأمم المتحدة من خلال عبارة "أتركوا شعبي يعيش" في مقالة كتبها عندما  كان سفيراً في هذه المنظمة الدوليّة في وقت كان فيه الوطن مفكّكًا. ويوم كان وزيراً للتربية، عندما وصف الإدارة بأنها "ذلك الوحش الذي يأبى ان يتحرك"، واستقال بعد مائة يوم، فنزل الطلاب بمظاهرة مستنكرين الإستقالة. فأسراره هي ثلاثة : الكلمة، والحرية والمحبّة.  فبالكلمة يتصدى للعنف، ويحاور الإستبداد، ويفكك الإنغلاقات العقائدية. فهو  لم يدافع عن الحرية، ولم ينظم لها القصائد والأناشيد، بل هي لديه ممارسة يومية ممتدة على حياة بكاملها، ومهما كان الثمن.  وتعلَّم أكثر منا أمثولة الحرية ودفع في سبيلها الثمن غاليًا. ولم يكتفِ غسان التويني بالدفاع عن حرية الصحافة بل أنشأ صحافة حرة.

 من ثمّ تحدّث الأستاذ فارس ساسين، الذي شاء أن يختصر صفات غسان تويني بصفة واحدة هي الكرم. ولا يقصد بهذا الكرم المادي وحسب، بل شيمةُ الضيافة والعطاء في المجالات كلها، والتجدد والتجديد والابتكار والخلق والحفاظ على التراث. فبرأيه يستقبلك غسان تويني في دواوينه، فيرحب بك وينوّرك ويسخى عليك بالآراء والمعلومات والتحاليل دون أن يتوانى عن سؤالك  عن رؤيتك الخاصّة لهذه المسائل، فالكرمُ ليس في الهدايةِ وحسب، بل هو في المشورة واحترام المحاور ومناقشةِ آرائه بما يلزم من الجدية والاهتمام. ويتجلّى كرمه في احتضانه المواهب الشابة، ومنحها فرصة لتثبت نفسها. ويتابع  الأستاذ فارس ساسين قائلاً إنّ المكان والمكانة والفسحة التي أولتها النهار للفكر والآداب والفنون منذ مطلع الخمسينات، هو أيضا من باب حسن الضيافة والكرم على الذات والآخرين. وآخر فصول هذا الكرم هو العناية بالتراث الثقافي والتاريخي التي أفرد لها تويني بابا خاصا في النهار، تعدّت الجريدة إلى دار النهار ومؤسسة ناديا تويني ومتحف سرسق وكاتدرائية مار جرجس وما يصعب إحصاؤه من المشاريع والمؤسسات. وشددّ الدكتور ساسين على صفة رافقت الأستاذ غسان تويني وهي التفاؤل. فهو يتسلّح بالتفاؤل والثقة بالذات وحب خوض المعارك في سبيل الحق وصون الحرية ورسم المصير ما يتيح السيادة أي المروءة الحقة. وكم دخل السجونَ، وكم أوقفت صحيفتُه على مرّ العهود، وكم هدّدت حياتُه وتمّ الإعتداءُ على صحافييه وخطفهم بين البيروتين، لكنّ قلمه لم يتوقف قطّ. وذكّر بتشبيهه غسان تويني بأبطال المخرج السينمائي جون هيوستن: فدافعُهم الأبرز "مناقبيةُ المبادرةِ" والمحاولة، لا النتيجة التي غالباً ما تكون الفشل. ولم يتجنّ الدهر على أحد مثلما تجنّى على غسان تويني. ولكنّه جابه كل مصيبة بالكرم والعطاء. رحلت ناديا، فجمع كل حرف كتبته وقدّمه إلى القراء، إغتيل جبران الصحافي الحرالجريء فدعا إلى دفن الحقد والثأر. وأنهى كلمته قائلا إنّ "الحرية بما هي كرم ، والكرم بما هو حرية، هذا هو غسان تويني، المرء الذي يعيد كل يوم تعريفَ الكرم وصياغتَه والتفضّلَ به".

 أمّا الصحافيّ الأستاذ سمير عطا الله، فسلّط الضوء على هذا المعلّم والأستاذ العظيم. هو في ألقه وإشراقه مثل أصحاب المزارات. وذكر أنّه سافر معه في غرب البلدان وفي شرقها. وفي سفره وجده فضوليًا، وجامع تحف، وحمّال كتب نادرة، وحالمًا لا يتعب.. فلقد عرفه في حالات كثيرة، ومواقع كثيرة، ولم يره يومًا متجبرًا، أو منكسرًا. وعندما فقد ناديا، فقد المرأة التي كانت تناديه باحترام ووله "سيد وحبيب". وأسهب الأستاذ سمير عطالله بالتحدّث عن جلساته الخاصة في بيت مري عند الغروب مع الأستاذ غسان تويني، ففي هذه الجلسات كان يستشف في غسان، هذا الإنسان الرقيق، الذي يخفي دمعه بضحكته الرنانة. ويردف الأستاذ سمير إلى أنّه طوال الأعوام، والحروب، والويلات لم يسمع من الأستاذ تويني أية كلمة ذات إشارة أو تلميح طائفي. لا في الغضب، لا في المزاح، ولا في النكتة.علّمه هذا الأستاذ حبّ الصحافة، وعشق الحريّة، لم يخالف اقتناعاته، ومواقفه، ولم يعتب، ولم يعاتب. قال الأستاذ عطا الله إنّه لم يكن السيّد بل كان الصديق، هذا الصديق الذي اشترى للأستاذ عطالله قلمًا من متجر تيفانيز في لندن لم يكن يملك الأستاذ غسان ثمنه، هذا الصديق الذي كان يسدد ديون أصدقائه  بدون أن يقول لهم. وأنهى كلمته بتأدية تحية نابعة من القلب إلى "سيده وصديقه وأيقونة الصحافة وكتاب الحريّة". 

 وجاءت كلمة السفير ناصيف حتي عربون وفاء، وتقدير لإنسان اعتبره عملاقًا فكريًا وإعلاميًا وسياسيًا وثقافيًا كبيرًا. عرفه وهو طالب على مقاعد الدراسة، يحلمان سويًا بالتغيير والثورة. "هو بمثابة حوار ثقافي قائم بذاته يحاور نفسه بفكر نقدي قبل أن يحاور الآخر. يبحث عن الاختلاف ليؤكد أهمية التفاعل. كان معارضًا للسلطة وهو في السلطة، وملتزمًا بالدولة، وبمنطق الدولة وهو في المعارضة. على يديه تعلّم الدبلوماسيّة الدولية، وهو من دفعه للعمل في جامعة الدول العربية لأنّه ما أراده مغتربًا في الولايات المتحدة بل في قلب الأحداث . أضاف أنّ غسان تويني استطاع أن يعطي الدبلوماسيّة اللبنانيّة ثقلا كبيرًا ودورًا محوريًا بفضل وزنه وثقافته ونشاطاته. والدبلوماسية عنده ليست لغة خشبية وأفكارًا معلّبة كما يراها البعض بل هي انخراط خلاق، واستفزاز مهذّب، وحرية مبادرة، وحركة في إطار الثوابت الوطنيّة والموضوعيّة. فهي سحر الكلمة ورونق الأسلوب ورقي المخاطبة وجرأة الفكر وسرعة البديهة ومرونة الحوار. وتغنّى السفير ناصيف حتي بثقافة الأستاذ غسان تويني، بهذا الإنسان المتمسك بجذوره وتراثه، العربيّ في لبنانيّته، واللبنانيّ في عروبته. هو مؤمن بالتنوّع والاختلاف والحفاظ على هاتين السمتين في عروبة أرادها منفتحة، تضامنيّة حاضنة للهويات الوطنيّة. وفي الأخير طمأن السفير الأستاذ تويني على مصير العالم العربي الذي بات الآن يشهد ثورات عربية، وأكد أنه سيصرخ معه كلّ يوم "اتركوا شعبي يعيش".

 وقدم بعض الحضور شهادات بالمحتفى به، ومنهم الدكتور عصام خليفة، والأب الرئيس جوزف عبد الساتر.

 وفي ختام الاحتفال قدّم أمين عام الحركة الأستاذ جورج أبي صالح، إلى حفيدة المحتفى به الآنسة ميشال تويني، بالنيابة عن جدّها، شعار الحركة وصورة عن عاميّة انطلياس الشهيرة التي سبق للحركة وقدّمت له نسخة عنها منذ سنوات مطبوعة على ورق جلديّ فاخر.