تكريم أعلام الثقافة في لبنان والعالم العربي
تكريم الدكتور علي حرب


كلمة نايلة أبي نادر
كلمة الأستاذ إيلي نجم
كلمة علي حرب

كلمة نايلة أبي نادر  

"الكائن لا يختزله تعريف أو وجه واحد. فهو متعدّد الأبعاد والوجوه. من منا يستطيع تعريف الوردة أو العصفور أو الظبية أو الوجه، وسواها من الأشياء الجميلة التي تضيف جمالاً على الوجوه؟! فكيف إذا كان المقصودُ عالمُ الإنسان المفتوح أبداً على المجهول واللامتوقع!" علي حرب.

صحيح هذا الكلام، من منا يستطيع ان يسبر أغوار انسان علَمٍ غمس ريشته بحبر المعنى ورسم على جدران الفكر نماذج من تجليّات وتصوّرات لها من العمق والجمال والفرادة الكثير الكثير. مكرّمنا اليوم أقل ما يقال فيه انه استثناء، شقّ لنفسه مساراً ممهوراً بختم الحداثة والفكر النقدي. جاء الى الفلسفة من بوابة العطش، يسيّره نَهَم المعنى وعشق البحث وقلق السؤال. يميّزه اسلوبٌ يخترق وجدان القارئ بسرعة وبساطة، ولغةٌ محبوكة تُنبت مصطلحات ومقولات همّها الكشف والتواصل، ومنهجٌ يوطّد عمله ويصوّبه باستمرار راسماً المعايير ومحدّداً أدوات البحث. لم أجد أفصح مما قاله عن نفسه لكي اعرّف به، فهو يحدد علي حرب كما يلي:

"انا كائن لا يستغرقه اسمٌ او نعتٌ او رمزٌ او قناع، بل اني اشعر بأن لي الفَ وجه ووجه، عنيتُ انني مركبٌ من حُجُبٍ يغلّف بعضها بعضاً، بل اني اشعر بأن نفسي هي مسرح لشخوصٍ أجهل أقليمها ومضاربها. هكذا فأنا مجموع طيّاتي او شبكة أطيافي وهواماتي. واذا كانت لي وجوه بارزة أطل من خلالها على الناس، كوجهي الفلسفي، فإن هذا الوجه قد يحجب الوجوه الأخرى، أو يُبرز على حسابها. والأجدر ان ينفتح عليها ويتغذى منها، لأن النشاط الفلسفي يتغذى مما ليس بفلسفة. او مما يخفيه الخطاب الفلسفي فيما هو يقوله". علي حرب، الفكر والحدث.

لم يأخذه انشغاله بالفلسفة وعالم الافكار ولا التزامه المسار النقدي من الاعتناء بأمور الحياة والانفتاح الواسع على "الحدث والتجربة". منغمس بوحل الواقع وجمالاته، محلّق في ميادين الفكر وتجريداته، منغرس حتى الجذور في ما يجري وما يستجد، يشمّر عن قلمه وينطلق قدماً في معركته، يمارس النقد ساعياً الى تفكيك ما يتمّ تداوله من مقولات في أكثر من خطاب ومشروع إيديولوجي. يرى نفسه "محارباً على جبهة الفكر". يطلق سهامه النقدية فتتفجر موجات الهجوم على اكثر من محور. ان مواكبته للفكر المعاصر وما انتجه من مفاهيم واشكاليات ساعده على خوض معاركه ضد النظريات الشاملة والاوهام التحررية والنخبوية. يقول "انني اميل الى التعامل مع الفلسفة كلعبة أنخرط فيها، بكل ما تحتمله الكلمة من معنى المواهنة. ورهاني أن أنتج افكاراً تتغيّر معها علاقتي بذاتي وفكري، بالعالم والغير. (...) أحاول تشكيل مفاهيم اسهم بها في صنع حقيقتي، بقدر ما أسهم في صنع الواقع نفسه، وذلك بتغيير علاقتي بالفكر والحقيقة والمعرفة". بيّن هذا الحرص على عدم الخروج من حيثيات الواقع والدوران في المفاهيم المتعالية والنماذج الكاملة والغرق في التعميم. ينظر الى افكاره بصفتها محصّلة تجاربه وعلائقه بذاته وجسده بلغته ومصطلحاته، بأطيافه وهواجسه، بسلطته وحضوره على مسرح هذا العالم. انه يقول: ""فأنا فيما أنشئ خطاباً حول الحقيقة والوجود، أمارس وجودي من خلال تغيير علاقتي بالكائن والحقيقة. وفي ما أنشئ خطاباًً حول العقل أقدم شاهداً على ممارستي لعقلانيتي لعقلانية، ومن خلال تغيير علاقتي بالعقل والفكر. وهذا ما يجعلني أكف عن الادعاء بأنني أقبض على الحقيقة او أقوم بتحرير البشر. جلّ ما أفعله فيما افكر واكتب انني أصف معايشاتي وأصوغ تجارب على شكل نصوص، أقدّمها للآخرين كإمكان للتفكير او للتعبير، لا أكثر؛ أي كمادة لنتاج فكري جديد، يغيّر علاقتنا بالكائن والحدث بالواقع والسلطة. وهذا هو معنى التنوير".

احترَفَ قواعد اللعب بين اللفظ والمعنى ان هذا الأخير، أي المعنى، ليس "جوهراً مكنوناً أو مفهوماً محضاً أو قصداً متعالياً يعبّر عنه بالأدوات اللفظية. فللملفوظات اثرها في انتاج المعنى وتوليد الدلالة، وللنص حقيقته وسلطته مقابل مراد المؤلف ومقصوده". لذلك تمرّس في شبكة العلاقة بين اللفظ والمعنى، والمنطق الرابط بينهما، وكيفية القبض على المعنى. فيرى في هذا السياق انه "لا يدرك المعنى بذاته، بل يدرك بقدر ما يجري تعويمه، او إعادة انتاجه، أو تفكيك أبنيته، او تعرية آليات اشتغاله انها لعبة المعنى عنيت: لأْمُ المعنى بعد انتهاكه، او توليده من لا معناه او فيضه عن فرط غيابه".

هذا الاحتراف في وصف الذات والمشروع يكشف عن وجه صاحبه الحامل مطرقة النقد، هو الذي بدأ بهدم اوهامه الخاصة قبل أوهام الآخرين ومشاريعهم الاديولوجية وما أكثرها. غاص بالحداثة من دون ان يهمل التراث، انفتح على مكتسبات العقل الغربي، ولم يرض بالتقوقع داخل هوية ضيّقة. انطلق منفتحاً على الكائن بتعددية ابعاده وقابليته للتغيّر المستمر. سلاحه رصانته وجديته وقلق مسترً يشرّع امامه أبواب البحث اللامحدود.

          علي حرب، هنيئاً لك تكريمك في رحاب الحركة الثقافية - انطلياس، فيلسوفاً مشاغباً على طريقتك، وعلماً رفيعاً من بلاد الأرز والوعر والحرية.

 

كلمة الأستاذ إيلي نجم  

 

عنوان الكلمة : بين السيرة والسيرة الذاتيّة

 

                    بوسعي أن أُشيرَ إلى خمسةِ محاورَ اشتغلَ عليها المفكِّر علي حرب :

 

1- المحورُ الأوّل هو إخضاعُ المثقّفِ للنقدِ والتعرية، كما تجلّى ذلكَ في كتابِه : "أَوهامُ النُخبة".

2- المحورُ الثاني هو "استراتيجيَّتُهُ المثلثّة" في قراءةِ النصِّ تفسيرًا وتأويلاً وتفكيكًا، كما تجلّى ذلكَ في كتابَيه : "التأويلُ والحقيقة" و "نقدُ النصّ".

3- المحورُ الثالث هو ما دعاهُ "المنطقُ التحويليّ"، كما تجلّى ذلكَ في كتابِه : "الماهيّةُ والعَلاقة".

4- المحورُ الرابع هو ما سمّاهُ "العقلُ التداوليّ"، كما تجلّى ذلكَ في كتابِه : "العالَمُ ومأَزَقُهُ".

5- المحورُ الخامس والأخير هو النقدُ الذي تجلّى في كتابَيه : "نقدُ الإنسان" و "الإنسانُ الأدنى". 

 

                    لقد اعتمدتُ في هذه الكلمة على كتابٍ لا يندَرِجُ في هذه المحاورِ الخمسة، ويحمِلُ العنوانَ الآتي : "خطابُ الهُويّة، سيرةٌ فكريّة"، وقد أَصدَرَهُ الأستاذ علي حرب في العام 1991 وأعادَ نشرَهُ في العام 2008 في طبعةٍ ثانيةٍ مزيدةٍ ومنقّحة.

 

                    لعلَّ السؤالَ الذي طرَحهُ الأستاذ علي حرب على حالِه وانشغَلَ في الإجابةِ عنهُ هو الآتي : كيف أَتبدَّلُ وأَتحوَّلُ وأَكونُ أَنا أَنا ؟ يقول إنّه بدويٌّ وجاهليٌّ وقبليٌّ وعربيٌّ ومسلمٌ ولبنانيٌّ شيعيٌّ عامليٌّ ويونانيٌّ وغربيٌّ وفرنسيٌّ بمعنىً من المعاني ومسيحيٌّ ويهوديٌّ ووثنيٌّ وإثنينيٌّ وبوذيٌّ وزنديق ... من هنا كانَ السؤالُ عن ماهيّتِه : أينَ أنا مِن كلِّ هذه الهُويّات ؟ فعلى غرارِ فيلسوف الأَكاديميا أفلاطون الذي صاغَ نظريّةَ المُثُل، المُثُل القابلة للإدراك بوساطة العقل (noûs) ، ليعْقُلَ بالضبطِ ما يظهرُ ويتحوّلُ، ويصونَهُ من الفسادِ الملازمِ لكلِّ تبدّلٍ وتحوّل، من طريقِ ربطِهِ بأنموذجِه الثابت، على ما وَرَدَ في عبارته الشهيرة (sôzein ta phainomena)، راحَ علي حرب يبحثُ في ذواتِهِ عن ذاتِهِ أي في هُويّاتِهِ عن ماهيّتِه.

                    إنّه يحاولُ أن يعرِفَ حالَه. إنّه يحاولُ لأنّه يعتقدُ أنّ بإمكانِهِ أن يعرِفَ حالَه. يقول في هذا السياق إنّ كانط الذي صاغَ نظريّةً في المعرفة لم يعرِفْ حالَه بما فيه الكفاية حين "انصرفَ عن عشقِ المرأة إلى عشقِ المفهوم". لكن أَلَمْ يعشقِ الفيلسوفُ الحكمةَ ويرغب في مقاربتِها على غرارِ مقاربةِ الذكرِ للأنثى، على ما كان قد ذهبَ إليه أفلاطون في المحاورة التي تحمِلُ في اليونانيّةِ العنوانَ الآتي (Sumposion è Peri Érôtos) أي : "المنادمة [أن نَشْرَبَ معًا] أو في إيروس"، وإيروس هو إله الحبّ، بل العشق عند الإغريق ؟ والحكمةُ، أَلَمْ تقمْ على صناعةِ المفاهيم وتناولِها بالتفكّر، كما يقول الفيلسوفُ الفرنسيّ جيل دولوز ؟

                    على صعيدٍ آخر، هل بوسع المفكّرِ أن يعرِفَ حالَه أكثرَ ممّا بوسعِ الآخرين أن يعرفوه ؟ فهل تكون السيرةُ أصدقُ إنباءً من السيرة الذاتيّة ؟ وهل بوسعِ المرءِ أن يكذِبَ على حالِه ؟ على كلّ حال، ثمّة مَن يؤثرُ السيرةَ على السيرةِ الذاتيّة، لاعتقادِه أنّه يعرِفُ الآخرَ تمامَ المعرفةِ بمجرّدِ أنّه يعرِفُ الأصلَ الذي حَمَلَ هذا الآخرَ وولَّدهُ.

                    لكن ماذا يعني أن نعرِفَ ؟ وماذا يعني أن نعرِفَ حين يكونُ المقصودُ أن نعرِفَ حالَنا ؟

                    لنقلْ بدايةً إنّ المعرفة تتضمّن أربعة عناصر : الذاتُ العارفة، والموضوعُ المطلوب معرِفَتُهُ، وفعلُ المعرفة، وما ينتج عن هذا الفعل أي المعرفة أو الاعتقاد. وعليه، أن نعرِفَ يعني أن تقومَ الذاتُ العارفةُ بالمثولِ أمامَ الموضوعِ المطلوبِ معرِفَتُهُ بقصد الاستقراءِ انطلاقًا ممّا ظهر من هذا الموضوع للعيان وصولاً إلى ما كانَ عليه في ذاته، أي الاستدلال بما ظهرَ منه عليه. لكنّ الاستقراء، غالبًا ما يكونُ غَرَّارًا، ذلكَ لأنّ الذاتَ العارفة لا يسعها الإحاطة الكاملة والتامّة بالموضوع المطلوبِ معرِفَتُهُ واستنفادُه، وهي تتوسَّلُ بالتعميمِ للوقوفِ على حقيقة هذا الموضوع الكلّيّة. ويعني هذا الأمرُ ههنا حضور الذاتِ أمام الذاتِ، أي حضور طالبِ المعرفة أمامَ المطلوبِ معرفتُهُ أو القيام بإحضارِ المطلوبِ أمامَ الطالبِ، والدخول فيه بقصد تمثُّلِه وتملُّكِه، فتكون الذات قد امتلكت ذاتها. في هذا السياق، يقول علي حرب إنّ الإنسان هو ما يعرِفُهُ. لكن يبدو أنّ ما يعرِفُهُ المرءُ لم يعدْ يعنيه بالقَدْر الذي كان يعنيه قبل أن يعرِفَهُ. فهل يكونُ الإنسانُ ما لا يعرِفُهُ ؟

          على كلّ حال، يبدو أنّ ما كانَ قد قاله القدّيس أَوغسطينوس في مفهومِ الزمانِ ينطبقُ على فعل المعرفة (وأَوغسطينوس هو صاحبُ السيرةِ الذاتيّة الشهيرة التي تحمِلُ العنوانَ الآتي : "الاعترافات") : "ما الزمان إذًا ؟ إذا لم يسألْني عنه أحدٌ، فإنّي أعرِفُ. أمّا إذا سألَني عنه أحدٌ، وكانَ بودّي أن أشرحَ له ذلكَ، فلا أعودُ أعرِفُ".

 

 

    اللعبة والرهان

إتقان لغة الخلق والتداول والتحول[1]

علي حرب  

 

I. تحية

أشكر أصدقائي في الحركة الثقافية، على لفتتهم النبيلة، هم الذين شاؤوا تكريمي منذ سنوات ثلاث. ولم يكن بوسعي، يومها، الاستجابة لرغبتهم الكريمة، فيما كانت الراحلة فاتنة في صراعها الاخير مع المرض الخبيث.

لا اخفيكم ان مشاعري باتت ملتبسة تجاه طقوس التكريم والتوقيع. ولذا أحاول التهرب منها، كما لو انها واجب ثقيل. إذ هي تحتاج الى حملة احشد فيها الاهل والاصدقاء لشراء كتاب قد لا يقرأونه، مما اعتبره سعادة مغشوشة تنغص بهجة المعرفة؛ او هي تحملني على دعوة أناس لحضور حفل تكريمي، قد يكونون مثلي قضوا الشطر الاكبر من حياتهم في العمل والكد والانتاج، ولكن لا احد يفكر فيهم. ولا يهم هنا أكان الانتاج في مجال المعارف والكتب أم في مجالات اخرى. فنحن لسنا افضل من غيرنا، ولم نجعل العالم اكثر سلاماً وعدلاً.

اعرف أنه لا ينبغي أن اشوش على هذه المناسبة. واذا كان لي أن أتحدث عن نفسي او عن سيرتي، فلتكن كلمات عن هويتي ومهنتي ومهمتي، وهي العناوين الثلاثة لما أهتم به او انخرط فيه او اسعى اليه من الهموم والمشاغل والمطالب.

 

II. الفروقات والمفارقات

وأحار من أين أبدأ: من اي طيف او طور او ميل؟ من أي وجه او رافد او شاغل؟

ليس بوسعي أن أستحضر أطياف ذلك الطفل الصغير، ابن الثلاث سنوات، الذي نجا وأسرته بأعجوبة، بعد أن سقطت قذيفة على سطح منزلهم الترابي ولم تنفجر، إذ كان جنود من جيوش الحلفاء يُجرون مناوراتهم في خراج قريته إبان الحرب العالمية الثانية. واليوم، وبعد أن أشرف على السبعين، إذا اراد أن يكتب سيرته، يجد بأنه قضى الشطر الاكبر من حياته في الحروب بمعاركها وقذائفها التي حصدت الخلق الكثير، بمن فيهم اقرباء وزملاء واصدقاء.

ولكن، بوسعي أن أستحضر صورة ذلك الطفل الذي كنته وكان يخشى ربه وأباه، ومعلّمه بالطبع، فإذا به بعد أن شبّ على الطوق، وأخذ يطلب الامور بالعقل والحجة، يشق عصا الطاعة، لكي يندرج في سلك الزنادقة والفلاسفة. ومع ذلك، فهو يدّعي بأنه اكثر ايماناً من دعاة الايمان والاصطفاء، لأنه يقبلهم جميعاً بوصفهم مؤمنين، فيما هم يكفّرون بعضهم البعض، طوائفَ ومذاهب.

ومع أنه اليوم بات لا يخشى احداً او سلطةً فيما هو يفكر ويكتب، فما زال يُربك ويعتبريه الخجل عندما يواجه جمعاً او حفلاً او عندما يتحدث من على منصّة او شاشة.

كما بوسعي أن أتذكر ذلك الفتى الذي نشأ في أسرة محافظة كان جسد المرأة فيها عورة؛ فكان هو يخجل من الحديث مع الفتيات، كما كانت النساء في أسرته يخجلن من الحديث مع الرجال او لا يجرؤن على المرور من أمامهم في ساحة الضيعة... فإذا به، وقد بات كهلاً، لا يهوى سوى متابعة اللاعبات والفنانات والعارضات والراقصات حيث تُعرض الاجساد أو تُنشر الاعراض على الشاشات من وراء ستر رقيق يظهر اكثر مما يحجب، وذلك مصدر فتنته وجماله.

وهو ما يزال يعاني حتى الآن من آثار تلك النشأة المحافظة في مجتمع القيمومة الذكورية. ولذا تراه يريد الحرية لكل النساء، الا زوجته لا يريد لها أن تكون ندة او حرة. هذا الزوج الذي كان يصرّ على ممارسة وصايته على اسرته، هو الذي غادر بيروت تاركاً زوجته وابنيه، عندما أدرك أن الحرب واقعة في جولة من جولاتها، فكانت تلك لطخة في سجله لا تُمحى.

من جهة اخرى، بوسعي أن أتذكر ذلك التلميذ الذي أًصرّ والده على إدخاله المدرسة المهنية لكي يتعلم صنعةً هي أمانُ من الفقر، فكان يتفوق في الدروس النظرية ويفشل في التمارين العملية التي كان يتولاها عنه زملاؤه الاكبر سناً.

او أتحدث عن ذلك التلميذ الذي رسب في امتحان السرتفيكا عام 1953، لأنه نال علامة لاغية في مادة الاملاء الفرنسي، فإذا به، في ما بعد، يحصل القسم الاكبر من ثقافته الحديثة بلغة ديكارت، وإذا به ايضاً يتلقى بعد عقود النبأ بأن أحد مؤلفاته قد اعتمد مقرراً دراسياً في جامعة باريس.

كما بوسعي أن أتحدث عن ذلك الطالب الذي كان متفوقاً في الرياضيات، ولكن ظروفاً أكرهته على التحول الى الفرع الادبي، مع أنه كان في آخر السلم في مادة اللغة والانشاء، فإذا به يشتغل على نفسه بالقراءة والممارسة لكي يتقن حرفة الكتابة.

وبوسعي أيضاً أن أروي قصة ذلك الاستاذ الذي استقدمه انسباؤه الى مدينة الرياض لكي يدير ورشةً للبناء، علّه بذلك يجني ثروةً يدفن فيها الفقر، فكان عصيّاً على مثل هذا العمل، إذ كان همّه البحث عن المكتبات لشراء الصحف، ففشل وعاد الى بيروت بعد أن هدأت المعارك، ولكنها عودة مختلفة، إذ شرع بمزاولة الكتابة بعد أن استنفد نفسه في مهنة التعليم.

وهكذا فالمداخل الى عالم المرء عديدة، بقدر ما هي متداخلة ومتشابكة...

فهناك الطفل والفتى والبالغ والعاشق والزوج والكهل... وربما العاشق أيضاً...

وهناك على خط آخر التلميذ والطالب والاستاذ والكاتب او المثقف والداعية...

وعلى خط ثالث هناك اللبناني، العربي والمسلم، او المشرقي والشرقي، او الآسيوي والمتوسطي..

ولا أنسى، بالطبع، على خط رابع، الاسرة والعائلة والمنطقة والطائفة فضلاً عن اللهجة واللكنة... وما الى ذلك من وجوه وأطر لا يمكن حصرها. وهي ليست مجرد مسميات، بل هي وقائع لها أثرها ومفاعيلها في تكوين شخصية المرء، أياً كان مبلغ الاثر ومفعوله.

وإذا شئت المزيد من التفكيك، أقف على الوجوه الأخرى التي تربطني بغير طائفة او ديانة او بلد ثقافي: المسيحية واليهودية والبوذية، فضلاً عن اليونان القديمة وفرنسا الحديثة...

ما أعنيه من وراء هذا السرد لنُبذٍ او نُتفٍ من سيرتي، ان هناك اموراً نحسبها من البديهيات واليقينيات ما عادت كذلك:

 

الاول أنني لست صاحب هوية أحادية صافية متجانسة تندرج تحت اسم واحد او خانة وحيدة، فهويتي هي نسبي واضافاتي واختلافاتي. ولذا فأنا عندما أرتدّ على ذاتي، محلّلاً، لا أجد سوى تركيبة هجينة، ولكن غنية بتعدّد العناصر والروافد، او تنوّع الوجوه والاطوار، او توتّر الميول والأهواء، او التباس المعاني والاسماء، او تداخل دوائر العمل وتقاطع سلاسل الانتماء... وكل ذلك يضعني على المفترقات، بقدر ما يجعلني صاحب هوية منسوجة من الفروقات او مفتوحة على المفارقات والمفاجآت.

الامر الثاني أنني في ما أحكيه عن نفسي، لا أزعم بأنني اقدم مفاتيح للدخول الى عالمي، أو افكك شيفرات شخصيتي بهواجسها وتوترها او او بمتاهتها وألغازها. فأنا، وبحسب منهجي، لست المهيأ للكلام على هويتي اكثر من سواي. لأن ما أحكيه عن نفسي هو مجرّد رواية من روايات اخرى.

الامر الثالث: ان هويتي ليست ديمومة ثابتة بقدر ما هي صيرورة متحوّلة، لأن كل سرد او نصّ او تصوّر عن ذات النفس، إنما هو قراءة للمعطيات تنطوي على تخييل ومجاز او على اعادة تركيب للوقائع، وبصورة لا تخلو من اعتباط او انتقاء او استبعاد.. اي هي تخييل لشيء يختلف عن ذاته ويتجاوز نفسه، او يستهلك نفسه ويعود على أعقابه؛ أو هي تأويل لمعنى يتغير باستمرار على سبيل الزحزحة والاحالة أو التحريف والتحويل...

ولهذا، فأنا كلما نقّبت عن معنى لوجودي، بحثاً عن أصل غائر او اساس راسخ او مبدأ ثابت، وجدت صدوعاً وشقوقاً، او ظلالاً وموجات، او شظايا وكسوراً، او فجوات وفراغات، سواء تعلق الامر بالله أم بالجينة، بالعقل ام بالدماغ، بالوعي أم باللغة...

من هنا ما نحاوله باستمرار إزاء تصدّع المعنى، اعادة الانتاج والابتكار، على سبيل اللأم والرأب او الجمع والتركيب. وتلك هي لعبة المعنى.

وكلما تمسكت بأحاديتي وثوابتي، اشتغلت عوامل وآليات خفية لانتاج تشتتي وضياعي، وكلما حسبت أنني أحب شيئاً أو شخصاً اكتشفت أنني احب اشياء لكرهي بأشياء اخرى. وكلما بحثت عن نفسي وجدت غيري، ممن أظنه مختلفاً او غريباً او ضداً او عدواً...

باختصار: كلما ادعيت انني اعرف نفسي، فاجأتني نفسي بما كنت أجهله من امري.

وهكذا فنحن اكثر هشاشة وجهلاً مما نحسب. مَن منّا يدّعي أنه يعرف نفسه او النفس عامةً حق المعرفة، بصورة شفافة ومطابقة؟ هذا وهم سينوي ديكارتي، بل فرويدي، تحررت منه. فنحن نفكر حيث لا نوجد، او نفكر بما لا نقصده، او نصل الى ما لا نريده، او نفاجأ بما لا نتوقعه.

أخلص من ذلك الى القول بأن هوية الواحد ليس عالماً مغلقاً ثابتاً متجانساً، على ما يقول أهل الوحدانية والاصطفاء والكمال، وإنما هي في النهاية امكاناته على الخلق والخرق والتغير، على الوجهين، ايجاباً او سلباً: معجزاته أو منجزاته، عجزه أو اخفاقه، حسناته او سيئاته، فضائله او فضائحه،...

هذا هو واقع الانسان: فهو يجهل نفسه ولا يملك زمامه او يمارس سيادته على نفسه والاشياء. وإلا كيف نفسر ما تنتجه البشرية من المساوئ والاخطار والكوارث بعد عهود من الارشاد الديني والتعليم الخلقي والتنوير الفلسفي. كيف نفهم ما آلت اليه الامور على المسرح العالمي من المصائر البائسة والعودات المرعبة والصدامات الوحشية والنهايات الكارثية.

تفسيره أن الانسان شر نفسه، وأنه يتماهى مع قاتله. هذا ما يجعل الواحد ينتهك ما يدعو اليه، او ينقلب على مبادئه، او ينتج الأسوأ فيما هو يعتقد أنه يعمل من أجل الأحسن. أليس هذا ما يحصل اليوم، حيث الضحية يتحول الى جلاد والضد يتواطأ مع ضده لاحداث الخراب على الساحة الكونية؟

 

 

 

III. عيني النقدية

وهذا ما يقودني الى الحديث عن مهنتي الفلسفية التي هي نمط وجود، بما هي حقل للمعرفة، وطريقة في تدبر الاحوال وصناعة الذات، بقدر ما هي استراتيجية لممارسة الفاعلية والحضور وسط المشهد..

والفلسفة هي شغف معرفي بقدر ما هي شغب شيطاني عقلاني، لأن مشكلة ابليس مع ربه هي في كونه عارض الامر الالهي بمقاييس العقل، كما أن مشكلة آدم هي في كونه مارس هوى المعرفة وغواية الكشف.

والفلسفة هي مراس نقدي بالمعنى الايجابي والبناء الذي يفتح امكانات للنظر والعمل، بقدر ما هي حقل اشكاليته تنبع من صميم مشاغله. ولذا فمشكلة الفيلسوف هي مع افكاره بالدرجة الاولى. واما مشكلته مع الطاغية والكاهن فهي مشكلة خارجية من الدرجة الثانية.

والفلسفة هي من حيث الهم، مطلب وجودي في ما تثيره او تتأمله، من الاسئلة والقضايا التي تتعلق بالانسان في وضعيته القصوى وفي ما يبنى به عالم المعنى، سواء كان المعطى جزئياً وخاصاً، او عمومياً او عالمياً وكونياً. ولذا، فما يهتم به الفيلسوف يعني جميع الناس، بصرف النظر عن أمكنتهم وأزمنتهم وانتماءاتهم، كما هي علاقتنا بعناوين الحقيقة والسعادة والعدالة والكرامة والحب والموت.

والفلسفة هي، من حيث الشاغل ومركز الاهتمام، صناعة مفهومية في قراءة الاحداث وتحليل الظاهرات وتشخيص المشكلات. ولذا فالمقاربة الفلسفية تصوغ من كل شيء مفهومه وترى أن مشكلة كل شيء تكمن في مفهومه بالذات.

والعمل الفلسفي هو، ككل صنيع مبتكر، عمل خلاّق وخارق له مفاعيله التحويلية، إذ هو يسهم في تغيير جغرافية المعنى وعلاقات القوة، بقدر ما يرتاد مناطق غير مسبوقة او يطرح اسئلة غير متوقعة او يستخدم عدة جديدة؛ وله ايضاً مفاعيله التنويرية او التحررية، بقدر ما يسهم في كشف آليات الحجب والاقصاء والخداع، او تعرية او انماط الاستئثار والمصادرة والاحتكار، أو فضح ممارسات الشعوذة او التهويم والتشبيح.

قد يظن الفيلسوف بأنه يقدم لنا القول الفصل او الحكم الجازم، وقد يدعي القبض على نظام العالم وقوانين الواقع وحركة التاريخ؛ ولكن، هذا وهم رشدي كنطي، او هيغلي ماركسي، قد تجاوزناه.

نحن لسنا ملاك الحقيقة وشهودها او شهداءها. ولكننا نخلق الوقائع وننتج الوقائع التي تترك مفاعيلها التحويلية في الوعي والعقل والثقافة. هذا ما فعله نيتشه. انه لم يوقفنا على فكر زرادشت، بل اخترع صورة، مفهومية، جديدة لزرادشت، اخرجته من الظلمات الى النور بقدر ما شكّلت واقعة غيّرت نظرتنا لسيرته وفكره. وهذا شأن كل عمل خلاق في مفاعيله التحويلية التنويرية والتحريرية..

فالاساس هو الخلق والابداع. ولا يعني ذلك أن المفهوم الفلسفي هو مبدأ كلي او مطلق يحتاج الى النشر والتعميم. وإنما هو خلق لغوي دلالي يفعل ويؤثر بقدر ما يجري العمل عليه واستثماره وتحويله، لكي نتغير به ونغير خريطة الفكر ومشهد الواقع على صعيد من صعده او بوجه من وجوهه.

ولذلك كله، فالمنخرط في العمل الفلسفي، هو من يخرج من قوقعته الاناسية لكي يمارس هويته بصورة كوسموبوليتية عابرة للحدود، بقدر ما ينتج افكاراً خارقة لحواجز اللغات والهويات او لفواصل الحقول والقطاعات.

هذا ما يجعلنا واحدنا يخرج على قوقعته التراثية، لكي يفهم المجريات على الساحة الكونية ويسهم في المناقشة العالمية الدائرة حول المعضلات. من هذا المنطلق وبهذا الشاغل، فأنا أتحدث عن آفات العجز العربي والاصطفاء الاسلامي، كما أتحدث عن داء الاستثناء الفرنسي؛ وأتطرق الى الارهاب الاصولي، كما أعلّق على الازمة العالمية الراهنة. وبالطبع هذا ما افعله عندما أتطرق الى معضلة فلسفية او منطقية. اعود الى ارسطو وابن رشد كما ارجع الى كنط ودولوز، من غير تمييز، داخل الحقل الفلسفي، بين يوناني، وغربي وعربي.

هذا ما أحاوله، منذ عقود ثلاثة، إذا جاز لي أن أتحدث عما صنعته: أن أجتهد وأجترح، على سبيل التطوير والتجديد من غير وجه:

أ‌.     صوغ مقولات جديدة، مثل العقل التداولي، المنطق التحويلي، الفاعل اللغوي، الانسان الادنى...

ب‌.     اعادة صوغ مقولات قديمة، بالعمل عليها واستثمارها، مثل: التفكيك، ما بعد الحداثة، نهاية المثقف، البُعد المتعدّد، الهوية الهجينة، الفاعل الاجتماعي، الديموقراطية الفعّالة، لغة الخَلْق...

ج‌.     زحزحة اشكاليات قديمة لاعادة تركيبها، مثل: النص والحقيقة، المرآة والحقيقة، الماهية والعلاقة، الثقافة والحضارة، الاصولية والامبراطورية....

د. ارتياد حقول جديدة بإخضاع التشكيلات الخطابية بمنطوقاتها وأبنيتها وأنظمتها، لعمل الدرس والتحليل والتفكيك، الامر الذي نقلنا من نقد العقل الى نقد النص. فبعد الانعطافة اللغوية والطفرات المعرفية والثورات المنهجية في غير فرع، لم يعد مجدياً أن نفكر بنفس الوجهة والطريقة، من هنا نحن ننتقل من نقد العقل الى نقد النص.

 

هكذا تحرر الواحد منا من القوقعة الاناسية، ولكن هناك في لبنان وفي غير بلد عربي، من لا يرى ذلك، بسبب الاسئلة العقيمة والاشكالات المستهلكة والثنائيات الخانقة والعدة الصدئة.

أياً يكن، فبفضل مهنتي وممارستي لعملي، تشكلت لدي عين نقدية مركبة ذات حساسية مفهومية مختلفة، الامر الذي يحملني على اعادة تعريف الاشياء، او يتيح لي رؤية الوجه الآخر، او عكس الآية وقلب للصورة، أو ارتياد مناطق جديدة لعمل الدرس والتحليل، او اجتراح عدة جديدة في المقاربة والتشخيص.

فعيني النقدية هي التي تحملني على أن لا أثق بالانسان، فلا أؤخذ بما يعلنه الواحد او يطرحه او يدعيه او يدعو اليه، خاصة اصحاب المشاريع الكبيرة والشعارات العريضة، وبنوع أخص اذا كانوا يقدمون انفسهم كقادة ملهمين او ابطال اسطوريين او آلهة معصومين...

هذا اقل ما يمكنني عمله: أن احتفظ باستقلاليتي الفكرية وامارس حيويتي حتى لا أكون محل استغفال او استغباء.

وعيني النقدية هي التي تجعلني أتخلّى عن استخدام لقب المفكّر، باستخدام ما يتعلّق بالمهنة والاختصاص: الكاتب او الفيلسوف. فالتفكير ليس مهنةً بل ميزة الانسان عامةً. ولمّا سُئل كارلوس سليم (مكسيكي من اصل لبناني)، الذي هو من أغنى أغنياء العالم، كيف يبدأ نهاره؟ أجاب بعقل ديكارتي: الساعة الاولى أكرّسها للتفكير والتأمّل!

وبسبب معارضتي الامر، فإن عقلي لا يصدق بأن الله الواحد الاحد، الكامل، القادر على كل شيء، خالق السماوات والارض، وبارئ الكون بمجراته وعناصره، يدخل في لعبة تحدٍ وتنافس او تعارك مع كائن مثلنا، هو في منتهى الهشاشة والضعف والنقص والفساد، كما لو كانت علاقة بين أبٍ وابنه... ولكنها نرجسية الانسان تحمله على خلق آلهة لمعارضتها او الحلول مكانها او الضرب بسيفها او التفوق عليها. فيا للشعوذة المعرفية والفضيحة اللاهوتية والاضحوكة العقلية.

كذلك فإن عيني النقدية هي التي تجعلني أقول بأن من يدمر الروح في الانسان، هم دعاة الروحانية، من مثاليين ولاهوتيين، لأن هؤلاء يريدون للانسان أن يكون عبداً او تبعاً او آلة لتراث او تقليد او اصل؛ في حين أن الروح هي علاقتنا بالمعنى والقيم، بقدر ما هي تجسيد لاستقلالية المرء الفكرية، ولطاقته الحية على الخلق والابداع والتحول.

وهي التي تحملني، عندما يتجادل اهل الديانات الثلاث، على سبيل المفاضلة، على القول نحن إزاء طبعات ثلاث لنفس الكتاب، أو نسخ ثلاث لنفس الاصل اللاهوتي والجذر النبوي، يحوّلها المتعصبون والمتطرّفون الى فيروس قاتل.

وهي التي تدفعني للقول، عندما يستغرب البعض كيف يقتل المسلم المسلم او المسيحي المسيحي، كأنك لست بمسلم او بمسيحي، بل كأنك لست بإنسان، إذ الانسان قاتل؛ او تحملني على الادّعاء بأنني أكثر ايماناً من دعاة الايمان والاصطفاء، لأنني أقبلهم جميعاً بوصفهم مؤمنين، في ما هم يكفّرون بعضهم البعض، طوائف ومذاهب.

وعيني النقدية هي التي تقودني الى القول، عندما يتجادل اهل الديانات حول من هي سيدة نساء العالمين، بأن أقول أن سيدة النساء، والاحرى القول "ست الدنيا" هي أمي كما ربتني صغيراً، او معشوقتي التي هي ربة وحيي ومصدر إلهامي، أو زوجتي التي كانت شريكة في صنع ما صنعته تحت اسمي وبحجب اسمها. ومن فضائحنا نحن المثقفين وأهل الكتابة اننا نعتبر انفسنا وحدنا ننتج ونبدع، لكي نُقصي اللواتي يهيّئن لنا اسباب الحياة والراحة من المأكل والمشرب والمكوى والمجلى والمأوى... فيا لبربريتنا.

وحتى لا نغضبن، أجدني اعود الى الاصل وارتد على قبيلتي الفلسفية. فعيني النيتشوية نفسها هي التي  تتيح لي أن أرتد على نيتشه لأقول بأنه كان  مؤمناً أكثر مما يحسب، إذ هو بإنجيله الخامس الذي بشّر البشرية به، قد طرد الله من الباب ليعود بعقله اللاهوتي من الشبّاك.

ونقدي للانسان هو الذي يتيح لي أن أخالف ديكارت في قوله بأن العاقل يُحسن قيادة عقله، بل هو من يفهم لامعقولاته لكي يحسن قيادة أهوائه بإجراء تسوية معها. فهذا أقصى ما يمكن بلوغه، وهذا ما يجعلني أقتنع بأننا أدنى معنىً مما ندعي، بقدر ما يحملني على خفض السقف الرمزي من المقدسات والمطلقات والمتعاليات، حتى لا ننتهك ما ندعو اليه او نقوّض معناه.

واخيراً وليس آخراً، فعيني التفكيكية هي التي تجعلني اقلب الآية، لأقول بأن كنط لم يكن يجسد منتهى العقلانية في حياته التي كانت مبرمجة كالساعة. وإنما هو وقع فريسة هوى رهيب، هو عشق النصوص والمقولات الذي صرفه عن عشق الاجساد والوجوه والنساء. هل أقول: يا لفقر تلك الحياة؟

وهو لو قرأ ما قاله النبي العربي: حبب الى من دنياكم ثلاث: النساء (لأنه رجل)، والطيب (من اجل النساء)، والصلاة (شكراً لله لأنه خلق النساء)، لأدرك بأنه قد فاته الكثير من ملذات هذه الدنيا.

لقد شاء كنط أن يكون آلة تحلل وتعرف. ربما يكون قد تحدث عن الحب والذوق، ولكن هناك فرق بين تذوّق الشيء والكلام عليه.  ولو قرأ ابن حزم او ابن عربي، لعرف أن لحظة حب واحدة، تختزل الوجود بكليته، لأن من يحب، إنما يمارس وجوده بكل ملكاته وقواه الحية، بأدوات الحس وسيناريوهات الخيال، أو بحيل العقل وسلطة الغواية او بسحر الكلام وفيض  الالهام...

 

IV. التواضع الوجودي

مثل هذه العين النقدية في ممارسة الفلسفة على نحو جذري، هو ما واجهه اصوليو الفلسفة وطالبانيو الحداثة الذين اعتصموا بثوابتهم، بقدر ما فزعوا من المصطلحات، التي اسفر عنها النقد الجديد، كالاختلاف والتفكيك والبنية والنص وما بعد الحداثة.

ولذا شنوا أعنف الهجوم على المحاولات الرامية الى تجديد العدة المفهومية بنقد عناوين الحداثة كالعقلانية والاستنارة والحرية والعلمانية والانسانية وسواها...

غير أن ما خافوا منه واعترضوا عليه قد فعل فعله واخترق العقول. ولذا نراهم اليوم قد استدركوا، ربما بعد فوات الاوان، وحاولوا أن يغيروا ويجددوا في قراءاتهم ومقارباتهم. ليس لأنهم عادوا الى مراجعهم لدى ماركس وهيغل او لدى ديكارت وكنط لو لدى تشومسكي وادوار سعيد. بل لأنهم تأثروا بالموجات الفكرية الجديدة بنسخها اللبنانية والعربية.

لا يعني ذلك أن مهنتي هي أن أحلل وأفكك. إذ لا تفكيك من دون تركيب. ولكن، ما يقود اليه التفكيك هو اعادة بناء ما نمارسه من ادوار ومهام من غير وجه:

الاول أن نتقن مهننا المعرفية والجمالية، الفلسفية او الادبية والفنية. فأنا استمد مصداقيتي وأفعل في محيطي ومجتمعي وعالمي، لا بمواقفي النضالية، بل من كوني أعمل بخصوصيتي كمنتج في حقل من حقول المعرفة. إن فكرة خصبة واحدة، قد يكون لها مفاعيلها التنويرية والتحررية اكثر بكثير من عشرات الخطابات التبجيلية دفاعاً عن الذات، او الهجومية تبخيساً بالغير.

الثاني أن نعترف بأننا أصحاب مهن شأننا شأن سوانا من الناس. فهناك أناس خارج القطاع الثقافي يمارسون علاقتهم بفكرهم بصورة حيّة ومثمرة.

فأنا عندما استمع الى سائق التاكسي يعلق بأنه يكفي لسيارة واحدة أن تخالف قواعد السير، حتى تحدث العرقلة في منطقة بل في العاصمة بأسرها، استحضر قول علماء الفيزياء بأن رفة واحدة من جناح فراشة على شاطئ الاطلسي قد تحدث وابلاً من المطر على الشاطئ المقابل، او قول علماء الاقتصاد بأن مضارباً واحداً قد يغير مجرى الدورة الاقتصادية.

مثل هذا التفكير الذي يرى الى الظواهر من حيث تأثيراتها المتبادلة، اكثر حيوية مما نجده لدى اصحاب الالقاب الفكرية الذين يفكرون بعقول مغلقة حديدية او احادية.

والوجه الثالث أننا لسنا افضل من سوانا. لسنا صفوة البشر وعقولهم الباسقة. وإنما نحن وسطاء في المجال العمومي، نسهم عبر افكارنا ومواقفنا، بخلق وسط للمحاورة والمداولة والمفاوضة، سواء بتحريك الافكار او اطلاق السجالات او تحليل الظاهرات او تسليط الضوء على المشكلات. وهذا معنى الوسطية، من وجهة فلسفية، استخدام الناس التوسّطات في ادارة علاقاتهم واختلافاتهم، باستثمار الامكانات التواصلية للغة والمسوّغات المفهومية للمحاججة العقلانية. فمن غير وسط أو وسيط أو وسائط وتوسطات، تسود الحكومات الديكتاتورية والانظمة الشمولية والحركات الجماهيرية الشعبوية.

في أي حال، أنا من جهتي لم أعد أستسيغ مفردات النخبة والصفوة والعبقرية والعملقة والبطولة، وسواها من الفاظ التفخيم والتعظيم.

مثل هذه الالقاب ليست علامة القوة والغنى والكمال والامتلاء. بل هي، على العكس، تصدر عن نفوس غير سوية يعتورها الضعف والهشاشة والنقص. وهي، الى ذلك، تفضح اصحابها الذين يرفعون شعار المساواة او الدفاع عن مصالح الناس، فيما هم لا يحسنون سوى التمييز والاقصاء، بقدر ما يعتبرون انفسهم الأحق والافضل والاعلم والأرقى... وهذا هو مآل النخبوية: احتكار الجمهور واحتكار المعرفة. واذا ظلّت البشرية سائرة على هذا النهج، سوف ننتظر المزيد من التأله والتوحّش او البربرية والخراب.

من هنا ما نحتاج اليه هو استراتيجية جديدة بتوجّهها وعناوينها وعُدّتها ومفرداتها، بحيث نمارس التُقى والتواضع بقدر ما نتقن لغة الخلق والتداول والتحوّل. وهذا هو الرهان.